التبادل الإعلامي الدولي

كتبها: أ.د. محمد البخاري
من خصائص النظام الدولي الجديد الآخذ بالتبلور منذ العقد التاسع للقرن العشرين بعد حصول العديد من دول العالم على الإستقلال السياسي إثر إنهيار المنظومة الإشتراكية التي كان يقودها الإتحاد السوفييتي السابق، إتجاه بعض الدول لتبني هيمنة وتأثير بعض الدول الكبرى على النظام الدولي الجديد الآخذ بالتبلور، ورغم ذلك فإن الظروف العالمية الراهنة تظهر رفض دول أخرى للهيمنة والتأثير عليها، إضافة لسعي العديد من شعوب المناطق المضطربة والداخلة ضمن الحدود السياسية لبعض الدول للحصول على الإستقلال السياسي والتمتع بالسيادة الوطنية في المتاطق التي تعيش فيها.
وطبعاً كان لمعادلات القوة الجديدة الآخذة بالتبلور على الساحة الدولية تأثيرها على عملية التبادل الإعلامي الدولي، كنتيجة حتمية للتقدم التكنولوجي والعلمي الحاصل في مجال تقنيات الإتصال، حيث أصبحت الدول أكثر إرتباطاً وقرباً من بعضها البعض.
وأصبح للإتصال وللتبادل الإعلامي الدولي دوراً متميزاً في العلاقات الدولية، وخاصة بين مكونات الشخصية القومية لمختلف شعوب العالم، وزاد توظيفه في السياسة الخارجية للدول مع استخدام وسائل السياسات الدولية الأخرى. ويمثل عدم التوازن والتفاوت في الإتصال والتبادل الإعلامي الدولي بين مختلف دول العالم اليوم أحد الأبعاد الهامة في السياسة الدولية.
ولهذا لم يعد التدفق الحر للمعلومات مجرد تدفق للمعلومات في إتجاه واحد، بل أصبح تدفقاً حراً يسعى لتحقيق شئ من التوازن الحقيقي بين الدول.
وعدم التوازن قد يحدث داخل دورة التبادل الإعلامي الدولي بأشكال مختلفة:
– بين الدول المتقدمة والدول الأقل تقدماً والدول النامية؛
– بين الدول ذات الأنظمة السياسية والإقتصادية والإجتماعية المختلفة؛
– بين الدول المتقدمة المنتمية لنفس المنظومة السياسية، كدول كبيرة ودول الصغيرة؛
– بين الدول النامية، الفقيرة ذات الدخل المنخفض، والدول الغنية ذات الدخل المرتفع من عائدات الموارد الطبيعية؛
– بين الأنباء المشجعة والأنباء السيئة.
ولا تقتصر هذه الأشكال من عدم التوازن على الإتصال والتدفق الإعلامي والتبادل الإعلامي الدولي فقط، بل تتعداها لتشمل جمع وإعداد ونشر المعلومات لأغراض التطور العلمي، ونقل التكنولوجيا الجديدة المتطورة، وتلبية حاجات الإقتصاد الوطني … الخ. وبالتالي يؤدي هذا إلى إتساع الفجوة بين الدول المرسلة، أي منابع التدفق الإعلامي الدولي، وبين الدول المستقبلة، أي المستهلكة للمادة الإعلامية الدولية.
ودعت الدول المنتسبة لبعض التكتلات الدولية، والمنظمات الإقليمية، وغيرها من الهيآت إلى تحقيق إستقلالية وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية الدولية، وإلى تحقيق توازن في تدفق الأنباء والتخفيف من آثارها السلبية، ونادت هذه الدول بإقامة نظام عالمي جديد للتبادل الإعلامي الدولي يحل مكان النظام القديم، من خلال بناء نظام دولي للإتصال أكثر حرية ومرونة، وأكثر عدلاً وفاعلية وتوازناً، نظاماً جديداً مبني على أسس المبادئ الديمقراطية وتكافؤ الفرص بين مختلف دول العالم.
ولكن التدفق الإعلامي الدولي يرتبط بمفاهيم متداخلة، مثل:
– حرية الإعلام؛
– والتدفق الإعلامي الحر؛
– والتدفق الإعلامي المتوازن؛
– والنمو الحر لوسائل الإتصال والإعلام.
بالإضافة لصعوبات نتجت عن بعض التصرفات السياسية التي تعيق حرية التبادل الإعلامي الدولي، ويمكن تداركها بسهولة لو توفرت النوايا الحسنة بين مختلف القوى السياسية كإستخدام العنف الجسدي ضد الصحفيين، أو التشريعات القمعية والرقابة المجحفة، وإدراج أسماء الصحفيين في القوائم السوداء ومنعهم من النشر، وحظر إنتقال الصحف والمجلات والكتب ومنع إستيرادها، أو تصديرها في بعض الأحيان من قبل الدول المتقدمة، خوفاً من تسرب التكنولوجيا المتطورة.
واستخدمت الدول الغنية مبدأ التدفق الإعلامي كوسيلة إقتصادية لتحقيق أهداف سياساتها الخارجية الموجهة نحو الدول النامية. ولهذا رأت الدول النامية أن مبدأ التدفق الإعلامي الحر هو تأكيد على سيطرة الدول الصناعية المتقدمة على تدفق المعلومات إلى الدول النامية. ورأت أن حرية الإعلام تعني أن يكون تدفق المعلومات بإتجاهين، تأكيداً للعدالة في عملية التبادل الإعلامي الدولي.
ولكن مبدأ التدفق الإعلامي الحر أدى إلى تدفق أحادي الجانب للمعلومات والرسائل الإعلامية، والبرامج الإذاعية المسموعة والمرئية، وبرامج الحاسب الآلي والمنتجات الثقافية من الدول المتطورة صناعياً إلى الدول الصغيرة الأقل تطوراً والدول النامية، وإلى تعزيز سيطرة مراكز القوة في العالم، وإحكام سيطرتها على عملية التدفق الإعلامي من الشمال المتطور إلى الجنوب النامي.
ويعتمد التدفق الإعلامي بإتجاه واحد على أنماط تاريخية وثقافية معينة، تؤثر حتى على بعض الدول الداخلة في إطار إقليم جغرافي واحد، ونرى في أوروبا أن بعض الدول المسيطرة على سيل المعلومات المتدفقة تتجاهل الإنجازات والنجاحات التي حققتها بعض الدول الأوربية الصغيرة.
ولهذا يمكن إستنتاج:
– أنه هناك سيل جارف من المعلومات بين شمال القارة الأمريكية، والقارة الأوربية؛
– وأنه هناك إتجاه واحد للتدفق الإعلامي من شمال الكرة الأرضية إلى جنوبها، يستقبل من خلاله العالم أكثر من 90 % من المواد الإعلامية والمعلوماتية عبر لندن وباريس ونيويورك.
ويظهر هذا بوضوح عدم التوازن في إنتاج الصحف والمجلات والكتب والبرامج الإذاعية المسموعة والمرئية وغيرها من المواد الإعلامية، ونشرها وتوزيعها عبر الشبكات الدولية لوسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية، وفي نفس الوقت تعكس الوضع الحقيقي للتبادل الإعلامي الدولي.
لأن التدفق الإعلامي بإتجاه واحد يعد إنعكاساً لسيطرة النظم السياسية والإقتصادية للدول المتطورة في العالم، زيؤكد على تبعية الدول الأقل تطوراً والدول النامية للدول المتقدمة، من خلال تركيز وسائلها الدولية للإتصال والإعلام على الأزمات والصراعات والصدامات العنيفة في الدول النامية.
ومن الظواهر الواضحة في التبادل الإعلامي الدولي اليوم، طرح المعلومات كسلعة تجارية وخدمات نقل وحفظ وإسترجاع البيانات والمعلومات، وهو ما تظهره الصحف والمجلات والبرامج الإذاعية المسموعة والمرئية وبرامج الحاسب الآلي والقنوات والشبكات العالمية، مما يقلل من القيمة الثقافية والإجتماعية لوسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية الدولية، ضمن عملية التبادل الإعلامي الدولي.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design