تحية مشرقية … لذكرى مغربية

جورنال الحرية

شعر : محمد قجة من سورية

خلّ في الشرق وجهه المحبوبا
وامضِ بي فترةً نعيش الغروبا

دعْ رداءَ الصباح يغسلُه اللـ
ـيلُ لعلّ الرداءَ يغدو قشيبا

ليس يبقى الشروقُ في لونه الز
اهي قضى العمر مشرقاً ومغيبا

رُبّ ليلٍ ذرعتَه مثْقلَ الخطو
فخلّفتَ فيه جَنْياً رطيبا

وصباحٍ سلكتَه لترى فيه
-على كثرة الضياء- شحوبا

هبْنيَ العمرَ فرصةً ولتكنْ
ليلاً يجلو وراءه فجراً قريبا

أنا لا أعشق الظلام ولكن
أوَ تقوى الشموسُ ألاّ تغيبا

أنا في الليل مومياءٌ لأني
لم يردْني الصباح فيه خصيبا

تنحني السروةُ العتيّة للـ
ـريحِ إذا ما أطال فيها الهبوبا

بل لقد ترتمي إذا آدَها الـ
ـعصفُ فلا ترسل الشكاة نحيبا

هو عُرف الحياة: تبحثُ عمّا
طابَ فيها وإن غدوتَ غريبا

تبرحُ الدارَ، والأحبةُ باقون
وخطوُ الزمان يمضي رتيبا

ودموع الفراق تحرق أجـ
ـفاناً وتَفري مشاعراً وقلوبا

نظرات الرحيل ذوْبٌ من النـ
ـارِ يشفُّ الشقاء والتعذيبا

وخُطا الراحلين آهاتُ غصنٍ
ظلَّ يبكي الربيع حتى يؤوبا

لم أغادرْ مع الرحيل جذوري
إنّ لي في الأعماق غرْساً صليبا

بسطَ البعدُ لي جناحَ اخضرارٍ
واعداً بالعطاء قفْراً جديبا

ومشى بي والأرض عني تناءى
باسطاً في السحاب خصباً وطِيْبا

بسمتْ لي عيناه، مُدتْ يداهُ
فحثثتُ الخطا أريد الوثوبا

وأنا أعرفُ ابتسامته طيفاً
سيخبو وكفّه لن تُتيبا

هكذا العيشُ: لستَ تبصرُ فيه
الغيثَ إلاّ بغيمةٍ مصحوبا

فخُذ القطرةَ النديّةَ منه
وليكنْ وجهُهُ عَبوساً غَضوبا

نحن في المغرب القصيّ جنود
نهدم الجهل ، نعمُر التعريبا

سلخوا في رحابه عمرَ أجـ
ـيالٍ أحالوه مُنهكاً منهوبا

ما دَروا أن في الرماد بقايا
النار تخفي لهم لهيبا عصيبا

قد أرادوه مغرباً أعجميّاً
وعلى سيفِ ظلْمهم مصلوبا

ووراء القرون تاريخُ شعبٍ
لِبني العُرْب لم يزلْ منسوبا

سمرةُ الشمسِ، والعيون وميضُ الـ
ليلِ، ظلَّ الإباء فيها وجيبا

كم أرادتْ يدُ الدخيل لها
خنقاً وشاءت لروحها تذويبا

وإذا ما ردّ العروبة في (الأو
راس) ينزو، وكان شيئاً عجيبا

غسلَ الأرض من قذى كلِّ بَغْيٍ
ومضى يغسل النفوسَ أريبا

نحن في الغربة البعيدة شملٌ
ما استطاعت له يدٌ تخريبا

وحّدَ الفكرَ والشعورَ لدى الـ
أصحابِ روحاً وأنفُساً وقلوبا

من جذور الشهباء جئنا قلوبا
تنثر الحبّ، تلتقي المحبوبا

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design