احياء تقاليد فن المنمنمات في الفنون التشكيلية الأوزبكية – 5

كتب/ أ.د. محمد البخاري _ طشقند

وظهر هذا اللون الفني بوضوح في أعمال شاه محمود محمد جانوف التي طوع فيه كل المساحة الخالية من صفحات الكتاب المخطوط. بطريقة اتبع فيها أسلوب المزج الواسع بين عناصر التكوين أكثر من تحديده لطبيعة اللوحة ذاتها. ليترك للمشاهد حرية المشاركة في عملية فك رموز التكوين، وفهم مضمونه المعبر عن فكرة اللوحة، جامعاً في نفس الوقت بين المتعة الفنية، وسعة الخيال الثقافي والمعرفي، الذين من دونهم لا يمكن “حل الرموز” المعبر عنها في طبيعة الرسوم المنفذة في التكوين، ولو أننا نرى أن الفنان في بعض الأحيان قد لجأ لخصوصية الإيحاء المعبر عنه في الأشكال والديكورات، وفي تفاصيل الرموز المستمدة من الفن الشعبي في كل تكوين من تكوينات لوحاته.


وهنا يمكنني أن أتفق مع وجهة نظر فيمارن ب. ف. التي تضمنها كتابه “فن الدول العربية وإيران في القرون 12 -17″، في التأكيد بأن هذا الأسلوب بالذات يعتبر خلاصة لكل مشاكل صعوبة فهم الثقافة الفنية المتميزة للعالم الإسلامي عن غيرها من مدارس الفنون العالمية، والمعبرة عن وحدة في المفاهيم والأفكار الزخرفية والتصويرية، التي جمعت بين استخدام التقاليد التجميلية المحلية العريقة والأساليب التقنية المبتكرة الجديدة.
ومن ناحية أخرى نرى أن شاه محمود محمد جانوف قد استطاع أن يعبر في أعماله عن المعنى التاريخي الحقيقي للموضوع الذي يعالجه. رغم أنه لم يركز على تفاصيل التأثيرات الخارجية على تطور الحدث، بنزعة نحو الارتقاء أكثر نحو العناصر الفلسفية العميقة والروحية للمضمون الفكري في الكتاب المخطوط، من خلال لغة المنمنمات في الفن التشكيلي المعاصر، بطريقته الخاصة المعبرة عن أسلوبه الفني الخاص.
ففي أعماله التي عالج فيها مواضيع مستمدة من الشعر الإسلامي، سواء أكانت بأسلوب فن الغرافيك أو الأرابسك أو بتقنية الرسوم المنمنمة، نرى أنه ركز على عنصر اللون الذي استطاع من خلاله عكس الفكرة الرئيسية للتكوين، وتكوين مشاعر خاصة ضمن اللوحة. وهو ما نلمسه بشكل واضح من خلال تأمل تكويناته الرائعة في لوحات “معركة اسفانديار مع التنين” و”التحام اسفانديار مع المقاتلين” (1982-1983) التي صور فيها المشاهد الرئيسية لملحمة “شاه نامة” للفردوسي.
في نفس الوقت نلاحظ من خلال الحلول التي استعمل فيها شاه محمود محمد جانوف اللون للتعبير في منمنماته، أنه استخدم مختلف الأساليب التي تعتمد على لغة الغرافيك، ووزع فيها بمهارة كبيرة وبشكل متوازن من حيث القيمة الفنية بين اللون والمساحة. وهو ما نلمسه في لوحته “سد الإسكندر” المستمدة من قصيدة علي شير نوائي التي تحمل نفس الاسم. حيث استطاع من خلال استخدام الأساليب الفنية لفن الغرافيك زيادة عمق التعبير عن الأحاسيس، وتحديد الفرصة المناسبة لزيادة التأثير السريع، مما ساعده على الولوج في المحيط الحقيقي للموضوع داخل التكوين العام للوحة. واستخدم كل الإمكانيات المتاحة في التفاصيل الأساسية للتكوين، دون إغفال التقاليد التي سارت عليها المنمنمات الإسلامية في القرون الوسطى، ومراعاة مبادئ لغة التعبير الفنية الحديثة، مشكلاً بذلك أسلوبه الفني المتميز الخاص به.
ولكننا مع ذلك نلاحظ في بعض أعمال هذا الفنان غياب طيف الظل، وعدم مراعاته للتقيد بالتناسب الحجمي في التركيب بشكل عام في بعض الحالات. فنراه يبني التكوين من خلال بقع لونية استخدم فيها مجموعة محدودة من الألوان انطلاقاً من العلاقة المشتركة والأساس المشترك بينها. بحيث يستحوذ أي لون منها على مجموعة الألوان المستخدمة.
وينفرد شاه محمود محمد جانوف بتركيزه على تركيبة ألوان متساوية عند تبادل الخطوط الدافئة والباردة في اللوحة، وبدقة متناهية نراها تقتصر على اللون الأزرق الغامق أو على المحيط الأبيض، الذي يمكن أن يكون تحت تأثير أسلوب أستاذه الكبير الراحل تشنغيز أحماروف.
ويذهب شاه محمود محمد جانوف في استخدام الألوان بعيداً من خلال الاستعانة بالإمكانيات الفنية الغنية لخطوط الغرافيك من أجل إعطاء أعماله قوة كبيرة وتأثير أكبر. وهو ما نستطيع أن نراه بوضوح في لوحته “رستام والأسد” (1982) المستمدة من قصيدة الفردوسي “شاه نامة”، فالألوان هنا ساعدته على رفع مستوى طبيعة الأحاسيس المصورة في اللوحة. حيث تشير الخطوط لمحيط مستمد من فن الغرافيك، نفذه بسهولة ونعومة، زادت من تعبير الألوان المستخدمة في اللوحة. وكلها تعبر عن أسلوب تميز به في أعماله التي عكست إمكانيات تصويرية كبيرة.
ولا يجوز هنا أن لا نشير إلى أنه كان دائماً يستخدم في تكويناته أفكاراً ومخططات مستمدة من المنمنمات الإسلامية في تركيا وإيران وباكستان والهند. وعلى سبيل المثال: نرى في لوحاته التي تصور الطبيعية، محيط حاد الشكل من الرسوم المحيطة الموشاة بالعقد النباتية أو الأزهار، استخدم فيها ببراعة الألوان الذهبية الرقيقة لتصوير السماء، والغيوم، وعبر عن المحيط بخصل مجعدة من الألوان. ولو أن هذا المنظر الطبيعي بحد ذاته سهل، ولكنه يصادف أشكالاً مجردة متشابكة مع الفراغ، ولا تمثل أجسام معينة، ولكنها على خلفية محايدة تماماً. وهو ما يمكن اكتشافه في لوحة “قايومارس مع ابنه خوشانغ” (1982) المستمدة من قصيدة الفردوسي “شاه نامة”.
وبشكل عام نرى في كل تكويناته ندرة تصوير المباني من الخارج أو من الداخل، مستبدلاً إياها بخلفية تصور القمر والطبيعة. وهذه الطبيعة الخاصة في أسلوبه نراها تتكرر في لوحاته “أوف” الصيد (1983)، و”بازيم” الاحتفال (1983)، حيث صب الفنان جل اهتمامه نحو الطبيعة، والتعابير المميزة لشخصيات اللوحة.
وفي الأعمال الأخرى أخذت الرسومات الطابع التزييني فيها، وحاول الفنان من خلالها استخدام الألوان على سطح اللوحة بطبقات متساوية يختفي فيها ظلال الألوان، وتغيب عنها التفاصيل، وتركز على الأسلوب المميز للفنان بمهارة استخدم الألوان الخاصة به، والمخلوطة بصفار البيض بكثافات مختلفة، بحيث تحتوي الطبقة الأكثر انسياباً على الألوان المائية الشفافة، وبينما تذكرنا الطبقة الكثيفة بالطلاء.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design