تفتح باب بيتك

كتب الدكتور/ محمود شوبر _ العراق

قبل ان يداهمني النوم داهمني (المصيبة) علي وجيه بنص الرثاء المختلف هذا.

ابدعت ابا معنى الجميل

بابُها
*
أصلُ البابِ الغلقُ، تلك روحُهُ، وحينَ ينفتحُ بابُ بيتِكَ ينغلقُ بابُ التاريخ، ساعداكَ يقطرانِ ماءَ الوضوء، والأوزّ المتناثرُ في الدارِ ما نجحَ بأن يُعيدَكَ لبيتٍ ينامُ فيهِ معصومانِ يتيمان، وبنتٌ سيلتفُّ على عضدِها سوطٌ بعد سنوات.
لا الصوائحُ أعادتْكَ، ولا بكاءُ النوائح، وما استطاعَ المسمارُ إيقافَ ثوبك، حديدٌ مغروزٌ بالباب، كلّمه الخشاب وقال له: أوقفه، وما استطاع. كنتَ تلينُ الحديدُ بطريقةٍ ما، لا كما داوود، كنتَ تلينه برقّةٍ، امتدّت حتى لقلب ابن أبي الحديد، الساكنِ خارج شيعتك، والمستقرّ داخلها أكثر من أكثرهم.
كلُّ بابٍ في حياتِكَ كان باباً آخر، فما بابُ ابن عمّك، حين اقتحمتْهُ رجالٌ وحديدٌ، إلاّ طُمأنينة، وأنتَ تتدثّرُ بفراشِهِ، وما بابُ أمّ يتيميكِ إلاّ جرحٌ على طول الزمان، وحين استرحتَ من الأبواب، كان بابُ خيبر ملهاتَكَ، وسيرتك.
لكنها أبوابٌ كثيرةٌ، سوداء وبيضاء، ودونَ لون، وأبوابٌ على وجهها الذلّ، كنتَ تُطعِمُهُ الدقيق والسمن، كي يبتسم صباحاً ويُطلق أطفالاً صغاراً جائعين، يعودون إليه مطمئنّين.
لك بابُكَ الذهبيّ، المشذّر بالأزرقِ والأبيات النجفيّة القديمة، ولك بابكَ الخشبيّ في منزلِكَ الكوفيّ، بابُكَ الذي ما انغلق بوجه أحد، وما قال لضيفٍ أو محتاج إلاّ خيرا.
ما فُتحتْ بابٌ إلاّ وكنتَ يدها، وما أغلِق باب إلاّ وكنتَ سِتْرَهُ ومروءته، ما كانت مدينةُ علمٍ لدى ابن عمّك إلاّ لأنك بابُها، وما كنتَ نقطةً تحت باء البسملة إلاّ لأنك بابها.
تفتحُ بابِ بيتك، وراءكَ الأوزّ الصوائح، والمسمارُ الذليلُ الذي ما أوقفك، وساعداك المبلّلان بماء الوضوء، وتسيرُ إلى المسجد، ثمّة بابٌ للمسجد، يدخلُهُ الكل، ويبتسمُ لكَ حين تدخلُ أنت، كان هناك رجلٌ نائمٌ على بطنه، وكأنه بابٌ مقلوب، وثمّة في المحراب فجوةٌ كبيرةٌ، كأنها بابٌ مفقود، أو سبيلاً إلى باب فردوسٍ، لم تتبلّل لحيتُكَ طمعاً فيه، وما قلتَ إنني مذنبٌ لأجله، بل لأن مَن هناك، كان يتصلُ بك كثيراً، لفرطِ أنك صرتَ تشبهُهُ، أو صار يشبهك، لدرجة جنون مُحبّيك، الذين فتحوا باب اسمك على اسمه، وصاروا مزيجاً منهما.
اسمُكَ بابٌ، ويداكَ المخشوشنتان، أيها الفلاّحُ خاصفُ النعل، بابٌ أيضاً، تمسحُ على هامةِ مساكين الكوفة، وتظلّلُ وجهَ نصرانيّ فقير، وترتفعُ بسيفٍ ستتركه بعد سنين.
بابٌ مخذول، بابٌ يبكي مسامير نادمة، وأوزّ يصيح، والنائمُ قامَ واقفاً، وقف ليغلقَ باب التاريخ، ليغلقه على رجلٍ كان باباً لكلّ شيء، باباً ينفتحُ بين الله والعبد، وبين الأرض والسماء، وبين العيّ والبلاغة، وبين النكرانِ والوفاء.
علي وجيه

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design