كيف نقودُ الكون؟

السويد

كتب/ صبري يوسف

طروحات اشتراكيّة فضفاضة قادت الكثير من شعوب العالم إلى فقرٍ مدقع ونهبت القيادات وما تزالُ ثروات وخيرات البلاد حتّى الوقت الرّاهن! تتسابقُ سياسات الكثير من دول العالم في طرح نفسها دولاً اشتراكية وتروِّج للاشتراكيّة في كلِّ برامجها ومشاريعها وخططها السَّنويّة والخمسيّة وكأنّها ستلامسُ زرقة السّماء في تطبيق الاشتراكيّة بكلِّ معانيها.

 لكن أغلب هذه الدُّول لا تطبِّق الاشتراكيّة وهي بعيدة عن تطلُّعاتها الاشتراكيّة بُعدَ الأرضِ عن السّماء، لا بل نراها كيف تنحو منحى بورجوازيّاً ونرى بين بعضِ مواطنيها وقيادييها مَنْ يمتلكون ميزانيّات تعجزُ الدّول نفسها أن تمتلكَ ميزانيّة بعض أفراد مواطنيها بما فيهم الزُّعماء أنفسهم، فأيّة اشتراكيّة هذه الّتي تطرحها بعض الدُّول وهي تنهبُ نفسها بنفسها وتنهبُ خيرات البلاد وتطحنُ رؤوسَ العبادِ؟

  لهذا أضحكُ في عبِّي عندما أقرأ هذا المفهوم العميق، وأرى أنّها نكتة سمجة من النّكاتِ الّتي طرحتْها الكثير من بلدانِ العالم، فأينَ هي اشتراكيّات تلك الدُّول وهي تنهبُ خيرات البلاد وتقصُّ رقاب شعوبها على أكثرِ من صعيد ومجال؟ ناهيكم عن زجِّ البلادِ بين حينٍ وآخر في حروبٍ ليس لهم فيها ناقة ولا جمل، وتزدادُ فقراً وخلخلةً وتخلُّفاً وتقهقراً عاماً بعد عام، وأكثر ما لفتَ انتباهي تركيزهم المستمر على عبارةِ البروليتاريا، وترديد عبارة الطّبقة الكادحة وعيد العمال وهم يتبجّحون عالياً في لفظِ عبارةِ الطّبقة الكادحة، ومع أنّني كنتُ وما أزال وسأبقى من الطَّبقة الكادحة، فأنا كنتُ ابن فلّاح بسيط وأعتبر نفسي بصيغة ما بمثابة فلّاح أو عامل من عمّال هذا العالم، مع أنَّ عملي منحصرٌ في سياقِ الكتابة والتَّدريس، ولكنّ حقيقة الأمر وصلتُ إلى مرحلة الملل في موضوع طروحات بعض الماركسيّين أيّام زمان، أو الشّيوعيّين أو الدُّول الاشتراكيّة الّتي تركِّز على الطَّبقة الكادحة ومتشبّثة بهذه العبارة إلى درجةٍ شعرتُ وكأنّها تعتزُّ بالطّبقة الكادحة وبالفقرِ تحديداً، وتشعر وهي تطرحُ الطّبقة الكادحة على أنّها طبقة فقيرة وهي عماد الوطن وهذه الشّعارات الفضفاضة أرهقت كاهل الطَّبقة الكادحة والفلّاحيّة وقد وصل ببعضهم أن يقولَ: الأرض لمَن يعمل فيها!

 أين هي هذه الأرض الّتي هي لمَن يعمل فيها وأين هم الفلّاحون في الدُّول الاشتراكيّة والأرض لهم؟ وأريد الاستخلاص إلى نتيجة طريفة وهي أنَّ أغلب الدُّول الاشتراكيّة وتحديداً الشّيوعيّة ومن سار في فلكها في بعضِ الدُّول العربيّة، لم ألمس في برامجها سوى تكريس الفقر المدقع للعمّال والفلّاحين والطّبقة الكادحة، وهم أي القياديون في حالة نعيم باذخ، وتفوقُ ميزانيّاتهم أكبر بورجوازيي ورأسماليّي العالم، ولهذا أودُّ القول: لماذا منذ قرون والدُّول الاشتراكيّة تطرح اصطلاح الطّبقة العاملة والفلّاحية وتدافع عنها بشراسة في توجّهاتها وكلامها وبرامجها على الورق، ولكن على أرض الواقع فإنّ أغلب هذه الطَّبقة الكادحة كانت وما تزال في أغلب هذه الدّول تتضوَّرُ جوعاً، فهل من المعقول أن تكون قيادات هذه الدُّول من أغنى أغنياء العالم ومواطنيهم من الطّبقة الكادحة المسحوقة، ويعتبرونهم عماد الوطن، فقد كانوا وما زالوا في حالة مزرية كما نراهم في أغلب الدُّول الاشتراكيّة.

 فأين هي هذه الشّعارات الّتي تقول الأرض لمن يعمل فيها؟ وأين هي ممتلكات العمَّال والفلّاحين والطّبقة الكادحة؟ ألم تبِع الدُّول الاشتراكيّة أو الماركسيّة والشّيوعيّة لهم شعارات وهم يتضوَّرون جوعاً؟

وخلاصة الكلام، إنَّ أغلب إيديولوجيّات العالم على ما يبدو هو كلام في كلام وشعارات برّاقة وكلام فارغ في الكثير من توجّهاته على أرض الواقع، والسُّؤال إزاء هذه المعضلة العويصة، لماذا لم تخطِّط هذه الدُّول وكل دول العالم في تقديم ما يحتاجه المواطن من مأكل ومشرب وملبس وطبابة ورعاية وتعليم وكل ما يحتاجه المواطن منذ أن يولد حتى رحيله؟

 ولا أظنُّ أنَّ أيّة دول مهما كانت فقيرة في العالم خلال سنة وسنين وعقد وقرن وقرنين وقرون تظل فقيرة، ومعدومة ومواطنها يتضوُّرُ جوعاً، ما لم تكُن القيادات السِّياسيّة في هذه البلاد هي الّتي تنهب البلاد بما فيهم أفريقيا وسائر البلاد العربيّة وكل بلاد العالم، لأنَّه لا يوجد أي أرض في العالم إلّا فيها الأرض الزّراعيّة والأنهار والمعادن والمعامل والمصانع والنّفط وبالتّالي لها مردود ما، وأضرب مثلاً العالم العربي يعتبر من أغنى دول العالم في الأرض والنّفط والطّاقة البشريّة والمائيّة والزِّراعيّة والشّمس وكل ما يتعلّق بالخيرات الوفيرة ومع هذا نرى في أغلب الدُّول العربيّة والأفريقيّة المواطن في حالة يرثى لها وكذلك دول أوروبا الشَّرقيّة والدُّول الاشتراكيّة والشّيوعيّة باستثناءات بسيطة بما فيهم الاتحاد السّوفييتي أيّام زمان كان اتحاداً واحداً، كانت حسرة المواطن والمواطنة أن ترى قرنية الدُّولار في يديه/ ويديها! كل هذا يقودنا إلى أنَّ سياسات العالم بما يتعلّق بطرح الاشتراكيّة والتَّركيز على الطَّبقة الكادحة هو مجرّد شعارات لم يتم تطبيقها نهائيّاً إلّا في بعض الدُّول وبشكل طفيف، ولهذا أعود مؤكِّداً على الكثير من الطُّروحات المتعلِّقة بالاشتراكيّة والحرِّيّة والدِّيمقراطية كانت توجُّهات ورقيّة كلاميّة تبيع الكلام والشّعارات لهؤلاء المساكين الّذين كانوا وما زالوا يرزحون تحت نير استعمار قياداتهم وأرى أنّ هذه الأنظمة تقريباً بمعظمها كانت تستعمر البلاد وكأنّها استعمار حقيقي تستعمر بلادها، لأنّها كانت تنهب نفسها بنفسها، ولهذا نراها الآن تتخبّط في توجّهاتها وبرامجها الفاشلة، وهي في حالة حروب وصراعات مع نفسها ومع جيرانها ومع الكثير من دول العالم وكلّ السّبب عائد على نظام حكمها وسياساتها الفاشلة في طرح شعارات اشتراكية ووطنية وما شابه من بيع الكلام، وكانت وما تزال بعيدة عن الاشتراكيّة والوطنية ولا يعني لها الوطن والمواطن أي شيء، بدليل أنَّ هناك الكثير من هذه القيادات كما قلنا أغنى من الدُّول نفسها ولديهم اقتصاد يفوق اقتصاد دولهم ويفوق اقتصاد أغنى أغنياء الكون، فلماذا لا يرصدون ميزانيّاتهم الفرديّة كقياديين في مشاريع عملاقة في بلداهم ويطوِّروا بلادهم ومواطنيهم ويعيشوا مثل سائر الدُّول النّاهضة وينهضون ببلدانهم أفضل مليار مرّة من أن يذهبوا في ستّين داهية هم وبلداهم كما نرى في الكثير من دول العالم؟ ولهذا أعود إلى أنّ قيادة الكون ليست على ما يرام في الكثير من دول العالم وتحتاج البشرية إلى تطبيق الاشتراكيّة بطريقة عادلة وحقيقيّة، بعيداً عن بيع الشِّعارات والطُّروحات الخلّبيّة والدَّجل والنّفاق على مواطنيهم، وكم أشعر بالأسى والشّفقة على الكثير من بلدان العالم العربي وغيرها من بلدان العالم، إذ فيها من الدّخل القومي ما لم يتوفّر في أغنى بلدان أوروبا، مع هذا لا يستطيع مواطنوها شراء صفد بيض! إلى متى ستغوصُ الكثير من بلدان العالم في أعماق الرّماد؟ الموضوع واضح وضوح الشّمس وقد بدأ المواطن الطّفل في عمر عشر سنوات يعرف كل شيء ولا يوجد أي شي مخفي على طفل، فكيفَ ما يزالون في وادٍ ومواطنيهم في أعماق الجحيم؟ عيب وستين مليار مليون عيب، أن يمتلك قيادي ما كذا مليون وكذا مليار دولار ومواطن آخر لا يستطيع شراء صفد بيض أو شراء كيلو لحم لأولاده؟!

هل هذا جائز ووارد، أين هي الطروحات الاشتراكية في هذه السياقات؟ أليس من الأفضل لو جاء استعمار ما من دولة ما من دول العالم واستعمر هذه الدُّول الَّتي تنهب مواطنيها ويستعمرها الاستعمار من أن يستعمرها قائدها السياسي العبقري في النّهب والسّرقة إلى أن تصبح ميزانياته بلاءً عليه وعلى أسرته؟!

سؤال بسيط أوجّهه إلى قياديي العالم الاشتراكي، ما فائدة مليارات المليارات الّتي يمتلكها أي قائد سياسي في العالم وشعبه يتضوّر جوعاً؟! برأيي لا فائدة من ملياراته، لا له ولا لأولاده ولا لسلالته! لأنّ الإنسان يستطيع أن يعيش بميزانيّة بسيطة ويعيش بكرامته، فالمال الفاحش هو بلوة البلوات في العائلة وفي متفرّعات العائلة كما نراه في الكثير من بلدان العالم، وينشب عليه ومنه حروباً وصراعات بين الأطراف المباشرة وغير المباشرة وبين الدُّول والقارّات، ولهذا فإنَّ أفضل حل هو أن يعيش القيادي بقناعة ويحقّقُ لمواطنه الرُّؤية والمفهوم الاشتراكي الحقيقي بدون أي لف ودوران وبدون دجل ونفاق ومن دون أن يردِّد عبارة البروليتاريا إلى درجةٍ جعلنا أن نكره هذا الاصطلاح وكأنّه علّة العلل علينا! لأنّه لو كانت طبقة العمّال والفلّاحين مهمّة عند هؤلاء الّذين صدَّعوا رؤوسنا بها، لأعطوا حقّ العمّال والفلَّاحين وأصبحوا من الطّبقة الرّاقية وتجاوزوا واقعهم المزري وأصبحوا من الطّبقة الرّاقية مثلهم مثل الطّبقات الرّاقية، وأنا ضدّ نظريّة أن يطرح المرء على مدى قرون الاهتمام بالفلّاح والعامل وعيد العمال وفي النّتيجة يزداد العمّال فقراً على فقر والقياديِّين يمتلكون ميزانيّات تعجر دولٌ أن تمتلكها، لهذا أرى أنّ قيادة الكون تسير نحو منزلقات الجحيم ولابد من تصويبها ووضعها في المسار الصّحيح ولا يمكن أن تعود إلى مسارها الصّحيح إلّا باستعادة ميزانيّات القيادات الّتي نهبوا بلدانهم منذ قرون أباً عن جد ويعيدونها ويوزّعونها على شعوبهم بشكل عادل وديمقراطي، عندها سأقنتع أنَّ هناك رؤية اشتراكيّة وديمقراطيّة وعدالة ومساواة في هذه البلدان، وإلّا فأعتبرها دولاً قائمة على النَّصب والاحتيال والسّرقات وتقودُ بلدانها إلى أعماقِ منزلقاتِ الجحيم!

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design