طيور الجمال

كتب الدكتور/ محمود شوبر _ العراق

ذات يوم ليس ببعيد همس بأذني صديقي والذي اعتز به كثيرا قائلا(اليوم سوف افاجئك بشيء) وانا اثق بمايقوله لأنه من الناس القلائل الذين خبرتهم يقولون الحق ويميلون للحقيقة كونها واقعهم المعاش، وبما اني اعرف ميوله للفن وعشقه للجمال والذي دفعه مسبقاً ان يقتني مني شخصياً العديد من الاعمال التي اعتز كونها اصبحت ضمن مجموعته التي ابتدأها صغيرة وتوسعت لتشمل اسماء كبيرة ومهمة بضمنها اعمال من الجيل الريادي، وهنا خمنت انه قد اقتنى عملاً ويود ان يعرف رأيي به.

فعلا وبعد ان فرغنا من التزامانا وقتها اخرج هاتفه النقال قائلاً ؛(دكتور اريد رأيك الصريح بهذا العمل) وهو على يقين انني اصدقه القول بهذا الجانب ولعدة اسباب اهمها الجانب المهني كونه يسألني عن شيء هو في ضمن اختصاص عملي ودراستي والاخر هو الامانة التي يثقل بها كاهلي كون ان الاعمال التي يقتنيها عادة ماتكون مقابل اسعار ليس بالهين اعطاء رأي غير مصيب امامها.

عادة ما اثق بتقييم العمل و(بشكل شخصي اتكلم هنا) بردة الفعل الاولى، فالعمل الناجح هو الذي يصيبني ب(الصعقة) التي تكون اثر الاندهاش، هذا الاندهاش هو العنوان العريض لنجاح العمل بالنسبة لي ، ومن ثم اتماهى مع تفاصيليه الجزئية مثلما تقول النظرية(الجشتالتية) في قراءة العمل جمالياً.لكي افهم تفكيكيا خارطة بناء العمل ومن ثم ابني تصوراً شاملاً عن كيفية تفكير الفنان صاحب العمل ومزاجه المهيمن على ذاته اثناء عملية البوح او السكب التي تكون مثلا (حبلاً سرياً) يمتد مابين روحه وخامة العمل. والذي يتفق عليه بعالم الفنون الجميلة او في فن الرسم واقصد هنا (العمل الفني بالتأكيد) انه قائم من ثلاثة اركان رئيسية هي ؛ 1.المادة 2.الصورة 3.التعبير.

اذكر انني وقتها اخذت منه (هاتفه النقال) وصحت بصوت عالي (واو)!
ضحك صاحبي مفاخرا ان خياره بالاقتناء كان صحيحاً دون الاستعانة ببوصلته في (الشراء) والتي غالبا مايكون صاحب هذا المقال.

ڤيڤيان الصايغ

اسم لا اعرفه سابقاً وقبل هذه الواقعة (المفاجأة) التي قدمها لي صاحبي باعتزاز عالي، ولست من عادتي ان اكتب عن الفنانين الذين لا اعرفهم او دعني اقول الفنانين الذين لم ادخل الى مشاغلهم واجالسهم كي اكون قريباً من طريقة فهمه للفن وثقافته الفنية التي اعوّل عليها كثيرا بانتاج العمل الفني ، إذ ان الفن بتصوري هو ليس مجرد املاء سطوح باشكال جميلة فقط ، او هو استعراض مهاري لخبرات يكتسبها الرسام بحكم العمل الطويل بمشغله وحسب ، بل هويتعدى ذلك باتجاه تأثيث معرفي واخلاقي يسمو به الفنان بفضاءات بحثه الدائم الى المناطق البكر التي تؤهله ان يعلن عن نفسه للاخرين بأنه قادر على الابتكار والهروب الى الامام من كل ضواغط الاعاقة التي من شأنها الاطاحة بحرية التفكير الحر، وكذلك الانسلال الرشيق من ثقل المتوارث من الاجيال التي سبقت، وهذا المحذور الذي نرى انه اشبه ب(الخندق) الذي يفشل محاولات الكثيرين من الوصول الى ما اسميناه انفاً (مناطق بكر).

الفن السوري الحديث اعتقد ان مرجعياته تكاد تكون متشابهة تاريخياً مع المرجعيات الخصبة لفن بلاد مابين النهرين ويكاد يكون ينهل من نفس المعين الحضاري لهذه الرقعة الملتقية زمكانياً بمفردات عديدة، واعتقد ايضاً ومن خلال الاطلاع على واقع الحركة التشكيلية نرى الهيمنة واضحة لبعض الاسماء الريادية مثلما الحال في الفن العراقي الحديث، واذكر على سبيل المثال لا الحصر الراحليين (لؤي كيالي) و(فاتح المدرس) اللذان اكتسبا نجومية وشهرة دعت الكثيرين من فناني سوريا الخوض بما خاضوا به هؤلاء النجوم والذين وصلت اعمالهم للمزادات العالمية، مما تسبب في انحسار عملية البحث والرجوع الى الذات التي تكون اكثر صدقا بالوصول الى المتلقي. إذ ان المقلد مهما تكن اجادته بالتقليد يبقى متقوقعاً في بوتقة التقليد الصماء التي سرعان ماتتلاشى من ذاكرة الاخرين. وارجو ان لايكون هذا الكلام بمثابة التعميم ، فعلى الصعيد الشخصي تربطني علاقات مع فنانين سوريين كبار لهم حضورهم العربي والاقليمي والعالمي، ولكنني احاول تقريب فكرة (التأثر) والتي تكون واردة جدا في التجارب الشابة والفتية والتي يمر بها الجميع من الفنانين ، ولكن هناك من يبقى منغمساً بها واسيراً لسطوتها والاخر الذي سرعان مايتجاوزها مغادرا الى مديات اخرى.

المثير بالحركة التشكيلية السورية المعاصرة هو الاسماء الكثيرة من (الشباب) والذين يتنافسون فيما بينهم منافسة اقل مايقال عنها (جادة) لاثبات وجودهم في هذه المساحة الجغرافية (الولادة) للفن والفنانين، وهذا يجعل الامر عسيراًعلى هؤلاء الشباب إذ انه يحملهم مسؤوليات اخرى مضافةعلى تخصصهم مقارنة بأقرانهم في اماكن اخرى لا اريد ذكرها الان، كونها بدأت تتآلف حديثاً مع موضوعة الفنون وبالتالي نرى ان مجمل الذين يشتغلون بهذا الاختصاص لايتجاوز عدد اصابع اليدين مثلا.
اما في سوريا فالقضية مختلفة تماماً. فهناك شغف عالي بالفن يضاف له تاريخ من العراقة والاصالة الذي بدوره يشحذ الرؤى لاستحضاره كل حين. فأن تكون فناناً تشكيليا بمعنى انك تتحمل تبعات قرارك وتتحصن بكل ما أوتيت من معرفة وثقافة لكي تكون مميزاً في سرب طيور الجمال.

واعتقد ان الفنانة ڤيڤيان تعرف جيداً هذا الذي اشرت اليه ، بحيث آلت على نفسها ان تحلق ضمن هذا السرب الجميل بأكثر رشاقة واكثر ذكاء ، للتمكن من المطاولة والبقاء، والاستفادة بما انتهى اليه الاخرين لتبني عليه ليس الاثر بالاثر وأنما بالتمحيص والدراية القبلية التي توصل الى الدراية البعدية ، التي من خلالها تنمي لديها قدرة الحدس في الاستنباط والحكم الذي يؤهلها ان تمسك ادواتها بطريقة العارف الواثق من خط سيره بالاتجاه المغاير لنسقية السرب وقافزا باتجاه نقطة الوصول الغير معلومة.

حينما يكون الرسم (موقفاً) تكون ثقتي به ثقة تطال اليقين ، وهذا بالنسبة لي هو الفيصل بين الرسم (السياحي) والرسم (الجاد) ، وارى ان هذه بداية جيدة لفهم العلائق الثاوية او الظاهرة التي تشي بها اعمال (ڤيڤيان) وبوعي متقدم حتى على تجربتها بعالم الفن، فهي تحاول جاهدة في استنفاذ كل طاقتها الفكرية لتصهرها مع طاقتها الروحية الكامنة في منظومة العواطف التي تعتريها لتذهب بنا بعيدا عن لوحة اعتادت أعيننا لمشاهدتها، وهذا وحده يتطلب سعياً حثيثا وجاداً يضاف له الكثير من الوقت التي تعمل عليه بذكاء الموهوب بتخطيه وتجاوزه. إذ انها ومن خلال معرضها الاخير الذي استهواني اسمه كثيرا(تريكواز) حيث انها تقصدت الاستسهال بالمسمى لتغوينا بالدخول معها الى عوالمها التي اراها (موحشة) يعتريها الصمت (الصاخب) الذي يرشح من خلاله ان كل مايمر امامنا من اعمال وخطوط والوان قد عرضت على (مرجل ) يأن في وسطه بوح كثير عن الحرب والخراب، ووجع من السنين العجاف التي جعلت الوان الجمال اكثر تقشفاً واكثر اندثار. ولعمري انها نجحت في الاعلان المبكر عن وجودها (الطري) الذي سرعان ما اشتد ليعجب الزرّاع شكلاً ومضمومنا.

اعتقد ان فنانتنا تبتسم حينما تقرأ مقولة (مونيه) {نحن نرسم كما تغرد العصافير}. فلم يعد تحت ازيز الرصاص وجود لتلك العصافير، الوجود المتبنى هو الصوت الكامن في روح الفنان المتشبث بالحياة والذي يتطلع دائما الى سلم عالي يستطيع الصعود عليه ل(يلونها) بما يحب من الوان البقاء، واعتقد انها نجحت بالصعود على هذا السلم الافتراضي حيث الشمس لتستدين منها بعض خطوطها الملتوية وتزخرف بها خلفيات لوحاتها التي ادهشني طول آناتها في تبطينها بمايحتمل من سماكات اللون وانفعالات الريشة التي نرى حركتها في كل مساحات الخامة تكون واثقة ومدروسة رغم ازاحتها الصادقة الى العقل مستندة الى وثوقية البوح التي تهجر به الروح واعني هنا (روح الفنان الصادق). ولا شيء اكثر تأثيراً وايغالاً بالتأثير من الصدق سواء كان انفعالاً او اثراً وذلك لكون العمل الفني بحقيقته الاولى ماهو الا خطاباً ومايجعل الخطاب قريباً منا هو علو مصداقيته وأن كانت ضمن مقننات تشفيرية وهو ماتعتمد عليه (الصايغ) في ارسال رسائلها الينا نحن معشر المتلقيين.

تعودنا ان الثناء بالكتابة الاكاديمية يكون مذموماً اغلب الاحيان، وبما انني لم اكتب بالمنهج الاكاديمي ولم اعتمد اتجاهاً نقدياً فيما كتبته الان، فيحق لي ان اتوعدكم وبكل ثقة ان الغد القريب سوف يحمل لنا مفاجأة كتلك التي فاجئني بها صاحبي، سوف يحمل بين طياته حضور لتجربة رصينة ومؤثرة علينا من الان التهيؤ لخزن اسمها في (برامجيات) ذاكرتنا،تجربة اقل مايقال بحقها انها تجربة واعدة سوف تحمل الينا الكثير من الجمال انها تجربة (ڤيڤيان الصايغ).

 

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design