احياء تقاليد فن المنمنمات في الفنون التشكيلية الأوزبكية – 4

كتب/أ.د. محمد البخاري _ طشقند

وتميزت أعمال شاه محمود محمد جانوف المنمنمة المطلية بخصوصية من البداية بألوانها اللامعة والقوية. واستخدامه أساساً لخمسة أو ستة ألوان منها: الأحمر، والذهبي، والأزرق، والأخضر، أحيتها في بعض الأحيان الحركة القوية لخطوط تلك الألوان الجميلة، لتعطيها في كل مرة شكلاً جديداً مبنياً من حيث اللون على أساس الظل. وبامتلاكه مهارة استخدام الألوان، والخطوط، والمواضيع، أصبح ودون أدنى شك وريثاً للمدرسة الكلاسيكية للمنمنمات الإسلامية وأحد مجدديها في أوزبكستان خلال ثمانينات القرن العشرين. وهي الصفة الخاصة الدقيقة التي تمتعت بها أعماله عام 1985 من خلال فكر فني مبني على أساس الرؤية الحديثة وتقنياتها.


ولم تتوقف تجارب شاه محمود محمد جانوف في هذه المرحلة عند هذا الحد، بل تعدتها إلى إنتاج رسوم للمخطوطات الفريدة المعدة للإصدار، ولأعمال الأدباء الكلاسيكيين القدامى في آسيا الوسطى، تحاكي بدقة تنفيذها الأصل القديم، وتتفوق عليه. ومن أجل ذلك استخدم نوعاً خاصاً من الورق، صنعه معتمداً على التقنيات القديمة التي أحسن اكتشاف أسرارها، ونفذ عليها رسوماً لصفحات، عكست أوج تفاصيل الموضوع الذي كتب نصه على صفحات جديدة للكتاب المخطوط، وبعد التغليف، صنع له غلافاً آخر ممتازاً. وبهذه “التقنية” أنتجت عام 1983 كتباً أخذت عن المخطوطات القديمة لمؤلفات علماء القرون الوسطى، أمثال: محمود قشقاري “ديواني لغات الترك”، ومجموعة الأساطير القديمة “كليلة ودمنة” (مجموعة قصص مخطوطة باللغة العربية من القرن الـ 8 الميلادي محفوظة في مكتبة المخطوطات بمعهد أبي ريحان البيروني.) وبيعت تلك الكتب عام 1985 لإحدى الشركات في الولايات المتحدة الأمريكية.
وتمكن الفنان ولأول مرة من مراعاة النواحي الأثنوغرافية بدقة، عندما صمم الملامح الفردية للشخصية التاريخية محمود قشقاري من كل النواحي. التي رسمها عامودياً على الصفحة الأولى للكتاب بتقنية “سيوح قلمي”، المميزة لمنمنمات الماضي. ولم يغفل شاه محمود محمد جانوف النواحي السيكولوجية الخاصة للشخصية، فالوجه تميز بالحكمة، مع مسحة ساخرة تعكس الطيبة، والثقة بالنفس، وعبر عن شخصيته القوية. اللحية الملساء، والوضعية الحرة والهادئة، عكست الرجولة المميزة للشخصية. مفصحاً عن نفسه من خلال هذه اللوحة كفنان تشكيلي ورسام ماهر، يتمتع بحساسية شفافة، ومعرفة عميقة بتاريخ، وأدب، والتركيبة السكانية لذلك العصر الذي عاش فيه محمود قشقاري.
واستخدم شاه محمود محمد جانوف في كل تكوين منمنم، من تكوينات الكتب المخطوطة خطوطاً صعبة، أظهرت حركة الشخصية الرئيسية في اللوحة، وعبرت عن انهماكه في العمل. وهو ما نراه على وجه الخصوص في الحركة المعبرة بلوحة الراقصة، التي عكست الإحساس المرهف للفنان وفهمه العميق لتقاليد المنمنمات الكلاسيكية.
وهنا لابد أن نشير إلى ناحية هامة تنبه لها الفنان عند تصوير الإنسان، وهي محاولته الناجحة في عكس الظروف السيكولوجية للشخصيات من خلال الوضعية، والمنظر الجانبي. فنراه يعرض بدقة الأحاسيس والمشاعر في حركة عضلات الوجه، وحركة اليدين والإيماءآت المختلفة، وحركة الملابس، وتطريزاتها، واختيار ألوانها وغيرها من التفاصيل الدقيقة. وتقيده بالتعابير الإيمائية القديمة المثيرة للدهشة، من مواقف التفكير العميق (الإصبع عند الفم)، وهيجان الأحاسيس الرقيقة (فقدان الوعي)، والنشوة (في الرقص)، والمصيبة والتعبير عن الألم (رفع الأيدي إلى أعلى، تمزيق الملابس، الرأس المكشوفة). ولم يقتصر الفنان على الحركات الإيمائية، التي سادت في منمنمات الماضي وحسب، ولم يركز اهتمامه على التفاصيل الثانوية، بل استخدم كل الوسائل التي تعبر عن وحدة التكوين بالكامل. فالأهم بالنسبة له، على ما نعتقد، كان التعبير عن كل تفاصيل الموضوع في كل تكوين بدءاً من الأهم من أجل تكامل الموضوع مع العالم الداخلي للإنسان، وطبيعته وسلوكه. لأن كل أبطال شاه محمود محمد جانوف كانوا من الناس الذين عاشوا بالفعل مع أفراحهم وأتراحهم، وخلجاتهم واضطراباتهم ومشاغلهم الذاتية.
وتطلب إعداد الكتب المخطوطة للنشر توظيف كل الأحاسيس والغنى الفكري والفني والجمالي والإبداعي الذي تمتع به شاه محمود محمد جانوف، واحتاج توظيف قدراته الفردية الإبداعية لابتكار التعبير المميز لكل المعاني ضمن الإطار الموضوعي المحدد للمنمنمات. ونجح شاه محمود محمد جانوف بذلك من خلال حرصه الشديد على التقيد بتقاليد هذا الفن القومي الأصيل، البعيدة كل البعد عن ضيق الأفق، فالشخصيات من حيث الحجم متشابهة في التكوين بكامله، بغض النظر عن موضعها في اللوحة. إضافة لتقيده بتقاليد المنمنمات في استخدام النماذج والنقوش الكلاسيكية، وخاصة عند اختياره لأشكال الشخصيات الثانوية غير المحددة كما هو شائع في المنمنمات التركية المدورة الأشكال، كالوجوه المنتفخة، والعيون قليلة الارتفاع، والفم الصغير القريب من الأنف، والذقن العريضة.
ولتجنب تكرار الأشكال المكتشفة حرص الفنان على جمع كمية كبيرة من المواد الاثنوغرافية، وحرص على دراسة مختلف مدارس المنمنمات السلجوقية للقرن الحادي عشر الميلادي، واعتمد على دراساته لأعمال أساتذة الرسم في القرون الوسطى. وبعد أن اكتشف خصائص وأساليب تلك المدارس القديمة، اختار الفنان الشكل الاثنوغرافي المناسب لأعماله المعبرة عن تلك المرحلة. وظهر ذلك في الملابس، التي تذكر بشخصيات النقوش الجدارية الباقية في آثار المدن القديمة البائدة في أوزبكستان كأفراسياب، وبينجي قند، وفي التكوينات الضخمة التي نفذت فيما بعد بهذا الأسلوب الفني الرائع.
ومن المميزات الملفتة للنظر في أعمال الرواد في تلك المرحلة، اهتمامهم بتصوير المضمون الفكري للكتاب المخطوط، بواسطة الرسوم المعبرة في التكوين، مع انسياب رائع للرسوم، وتميز الألوان، للوصول من خلال هذا الأسلوب المتميز والدقيق إلى مستوى إعطاء مسحة خفيفة لأفكار مؤلف المخطوطة، على عكس أسلوب الرسامين القدامى الذين كان هدفهم الأساسي تزيين صفحات الكتاب المخطوط وحسب، دون التعرض للمضمون الفكري الذي تحتويه صفحاته.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design