احياء تقاليد فن المنمنمات في الفنون التشكيلية الأوزبكية – 3

كتب/أ.د. محمد البخاري _ طشقند

ونستطيع أن نعتبر محاولات رئيس ورشة النقاشين في رابطة “أسطى” آنذاك، فنان الشعب الأوزبكستاني جليل حكيموف، الذي نفذ بعض النقوش غير الكبيرة بألوان جافة على أساس من صفار البيض وعروق الذهب، من التجارب الناجحة. التي تكررت مرة أخرى باستخدام الألوان الزيتية، وهو ما يشبه إلى حد كبير تقنية المنمنمات الإسلامية المطلية، وتقنية الرسوم الملونة، الموجودة في أساس وسائل التعبير الفني، التي استخدمها فنانو هذا التقليد الفني الرفيع. وجاءت مطابقة تقريباً وفي الكثير من النواحي لأعمال رسامي القرون الوسطى المسلمين. وهو ما نقتنع به من خلال دراسة أساليب وخصائص الأعمال المميزة الموجودة اليوم في متحف علي شير نوائي للآداب التابع للمجمع العلمي الأوزبكستاني، الذي حرص مؤسسه الراحل حميد سليمانوف على جمع كل نماذج وأشكال منمنمات الكتب القديمة للعالم الإسلامي.


ونتيجة للسياسة الحكومية التي اتبعت خلال العهد السوفييتي والقاضية بإيفاد الفنانين الأوزبك الشباب إلى روسيا، ودعوة الفنانين الروس إلى أوزبكستان، وهو ما حدث أكثر من مرة، للتعرف على تقنيات المنمنمات في فيدوسكينو، وباليخ، وغيرها من مراكز الفنون الروسية، وجرت اعتباراً من عام 1937 لإقامة علاقات مهنية شكلاً، ولسرقة وطمس معالم الهوية الثقافية الإسلامية والقومية في المنطقة جوهراً. وبدأت تلك المحاولات عندما دعي الفنان التشكيلي الباليخي تشيبورين ي.، في نهاية ـثلاثينات القرن العشرين من قبل متحف الفنون الحكومي الأوزبكستاني، لتدريس الفنانين الشباب الأوزبك تقنيات وأسرار الرسوم المطلية الروسية. وكانت من أولى نتائج تلك الصلات، ظهور أعمال الفنان التشكيلي الأوزبكي عليموف ك.، التي شارك بها في المعرض الاتحادي للفنانين الهواة، الذي أقيم عام 1939 بموسكو. وشملت تكوينات “الراقصة”، و”امرأة وطفل”، و”في المقهى”، نفذها كلها على شرائح خاصة من عجينة الورق المقوى “بابيه ماشيه”.
ومع بدايات العقد الثامن من القرن العشرين أخذ المتخصصون الشباب الأوزبك، بالخروج عن تقاليد الثقافة الفنية الروسية القديمة التي سبق واستوعبوها، منتقلين من فن الأيقونة الباليخية الروسية، إلى تقنيات الرسوم المنمنمة القومية، وأساليب الكتابة وتجهيز الألوان الممزوجة بصفار البيض، وإذابة عروق الذهب ووضعها على سطوح اللوحات بتقنيات حديثة خاصة بفن الرسوم المنمنمة لآسيا المركزية.
وظهرت الصعوبة الأخرى أمام الورشة التجريبية العلمية الإنتاجية، عند اختيار النماذج المقبولة من وجهة نظر صناعة اليوم، وفي اختيار الألوان المناسبة، والابتعاد عن الخلفية السوداء التقليدية للتكوينات المختلفة. وإضافة أشكال جديدة من التكوينات الخالية من الخلفية السوداء التقليدية، والتخلي عن الحجم في المنظر العام، موجهين جل إهتماهم نحو المساحة والموضوع في اللوحة، ومضيفين طرقاً جديدة لإعداد الألوان، بالأخضر الفاتح أو الخلفية البيضاء، مضيفين إليها مختلف الألوان النباتية، المخلوطة بصفار البيض وصمغ أشجار المشمش. إضافة لاستيعابهم تقنيات صنع الأشكال القومية من عجينة الورق المقوى. واستمر البحث للعثور على أسلوب خاص بهم متميز، يعتمد على النماذج الكلاسيكية القديمة، من خلال المواضيع التي تمس مشاعر وأحاسيس إنسان اليوم.
وظهرت الأعمال الأولى للرواد المتحمسين لفنون المنمنمات المطلية في أوزبكستان، أمثال: نياز علي خال ماتوف، وشاه محمود محمد جانوف، وعبد الواسط قمباروف، ومنيرة ساطي بلدييفا، وغيرت كمالوف، وعبد الغني ألداشوف، الذين عملوا تحت إشراف فنان الشعب الأوزبكستاني الراحل تشينغيز أحماروف. وخلال فترة قصيرة تمكن الفنانون المنضوون في رابطة “أسطى”، من فناني المنمنمات الأوزبكستانية من امتلاك الشكل المتميز والواضح لهذا الفن العريق، وأنجزوا خلال تلك الحقبة أعمالاً كثيرة رائعة.
وخلال مرحلة الأعمال التأسيسية في رابطة “أسطى” تم توفير الإمكانيات اللازمة لاكتشاف وتجميع كل القوى الفنية المبدعة في الجمهورية، التي يهمها الحفاظ على التراث الثقافي الأوزبكي. الأمر الذي جذب اهتمام الأوساط الفنية، وخاصة أولئك الذين تشبعت أعمالهم بروح التقاليد الفنية القومية العريقة والتراث الروحي الذي تركه لهم أساتذة فنون المنمنمات الإسلامية خلال عصر الازدهار بما وراء النهر.
ومن الأعمال المتميزة لتلك الطليعة التي أخذت على عاتقها مهمة بعث وتطوير فن المنمنمات، وإبداع شكله الحديث في أوزبكستان، نستطيع ذكر أعمال الفنان التشكيلي شاه محمود محمد جانوف. الذي بدأت قصته مع فنون المنمنمات وهو فتى يكاد يبلغ من العمر 13 ربيعاً، متأثراً بما رآه في متحف علي شير نوائي للآداب في طشقند. وتحت هذا التأثير بدأ التلميذ الفتي باختبار إمكانياته في رسم المنمنمات من خلال المواضيع التي اختارها لنفسه من الأدب الأوزبكي القديم. وكان أول ما وقع عليه اختياره “ديواني لغاتي الترك” لمحمود قشقاري (القرن الـ 11 الميلادي)، وتضمن نصوصاً لحكايات قديمة، وأغاني، وقصائد ملحمية.
ومع مرور الزمن قرر الفنان الشاب الاستمرار في الرسم، وأبدعت ريشته سلسلة من الرسوم المنمنمة، طالت أعمالاً أدبية متنوعة حتى نهايات القرن الـ 20، مستخدماً مواضيع مستمدة من مؤلفات: يوسف حاجب، وأحمد يسوي. ورابغوزي، ودوربيك، وفرقت وغيرهم. بميل واضح للمواضيع المستمدة من أشعار رجل الدولة والأديب الكبير في القرون الوسطى علي شير نوائي. وقد يكون وراء ذلك الباعث الاحتفالات الكبيرة التي جرت في عام 1968 بمناسبة مرور 525 على ميلاد علي شير نوائي. تلك المناسبة التي استعد لها شاه محمود بـ 50 مشروع لوحة بالألوان المائية، كانت كلها قريبة من أسلوب المنمنمات. وأدى إعجاب البروفيسور حميد سليمانوف آنذاك بها، أن أطلق عليه لقب “به زاد” القرن الـ 20 لتقوية تلك الانطلاقة عنده. وسرعان ما دعي الفنان الشاب شاه محمود محمد جانوف للعمل في المتحف، لتتوفر له بذلك الظروف المناسبة لمتابعة تجاربه المبدعة، وفي نفس الوقت متابعة التحصيل العلمي في معهد ب. بينكوفا المتوسط الفني بطشقند.
وفي عام 1981 دعي محمد جانوف للمشاركة في أعمال الورشة العلمية التجريبية للمنمنمات المطلية التي أسست في رابطة “أسطى”، وهناك أنتج تحت إشراف تشنغيز أحماروف أول عمل تجريبي ناجح بتقنية التصوير المطلي بالورنيش. مستفيداً مما تكون لديه من خبرة اكتسبها عن طريق الإطلاع على النماذج القديمة لمنمنمات وزخارف الكتب، ومختلف مدارسها الفنية، والطرق القديمة لتحضير الألوان، وامتلاكه لبعض خفايا تقنيات وطرق عمل أساتذة هذا الفن العريق، والخبرة التي تكونت لديه خلال عمله في متحف علي شير نوائي، وخبرات المدرسة الأكاديمية لفن التصوير التشكيلي التي درسها في المعهد المتوسط الفني بطشقند.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design