رمضان في حلب

كتب الباحث/ محمد قجة _ سوريا

رأيته في جلبابه الأسود يمشي حائرا بين الركام والفراغ . اقتربت منه وقلت : مرحبا بك ايها الشهر الكريم في حلب المحروسة , ولكن لماذا أراك بثيابك السوداء .
صوب رمضان نظراته الي وقال :
كنت آتيكم كل عام مبتهجا مرتديا ثيابي البيضاء والخضراء والوردية . وكنت أطوف بين الناس في زحمة الأسواق أصغي لأصواتهم وأتابع حركاتهم النشطة . كنت اقف امام مئذنة جامعكم الأموي الكبير أترقب المؤذن وهو يصدح : الله أكبر . كنت أرى البسمة على وجوه الأطفال , ولمسة النقاء على وجوه الناس وهم يتعبدون بصيام أيامي وان كانت ساعاتها طويلة وحارة .
كنت اراكم تتسابقون الى ماكولاتكم الرمضانية التي تميزت بها مدينتكم … واليوم الاحظ انها صارت حلما للكثيرين منكم بعد هذا الغلاء الفاحش والفساد.الجائر
وها أنا اليوم أطوف لأرى الأسواق فلا أرى فيها البهجة ولا أرى الفوانيس تبدد ظلام الليل الذي حرمتموه الضياء بنزاعاتكم . وآتي لسماع الأذان فلا أرى مئذنة الأموي
ولا أسمع صوت مؤذنها . أين منارة جامعكم التي بقيت ألف سنة ولم تنل منها يد الدمار ثم أتيتم أنتم فحولتموها الى ركام . دخلت أبحث عن منبر صلاح الدين فلم أجد له أثرا في جامعكم العظيم .
ولكننا ايها الشهر الكريم رمضان شرعنا بترميم جامعنا الاموي .. وتستطيع ان ترى المئذنة وقد بدات تتطاول وتستعيد حجارتها القديمة .
ويعاود رمضان حديثه الحزين :
كنتم تستقبلونني بالمباهج وطلقات الترحيب بمدفع رمضان .
وها أنتم اليوم تستقبلونني بوجوه مكتئبة وعيون حائرة ومتاعب طاحنة … وانا اعلم ان الازمات والدمار والنهب قد اصابت منكم وآلمتكم وهجّرت ابناءكم … وزاد عليها هذا الوباء الذي اجتاح العالم … وكأن الكوارث التي مرت بكم لم تكن كافية لاختبار صبركم واحتمالكم ..
متى تستفيقون ….. متى أعود اليكم وقد أنارت قلوبكم وبيوتكم وشوارعكم وارتويتم بعد ظمأ ظالم عانيتم منه بلا مبرر . لن أنتظر العام القادم . ولعلكم تفرحونني بأخباركم قبل أن أغادركم في آخر أيامي .
وداعا أهل حلب الكرام , ونلتقي وقد زالت محنتكم السوداء التي لم يشهد التاريخ مثيﻻ لهولها وفظاعتها وجنونها .

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design