الفنان التشكيلي المبدع كمال الدين بيهزاد

كتب/ أ.د. محمد البخاري _ طشقند

أصدر الرئيس الأوزبكي قرارا في أبريل/نيسان عام 2020 حول إجراءات تحسين الفنون الجميلة والتطبيقية في أوزبكستان. والهدف الرئيسي من القرار كان إحياء التراث الشعبي في مجال الفنون التتشكيلية والتطبيقية وتمكين الشعب للوصول إلى التراث الفني الثري لكمال الدين بهزاد وتخليد ذكرى كبار الفنانين الأوزبك وإعداد الكوادر في مجال الفنون التشكيلية والتطبيقية. والاحتفال بذكرى مرور 565 عاما على ميلاد كمال الدين بهزاد الفنان التشكيلي الخالد في أكتوبر/تشرين أول عام 2020. وشكلت لجنة برئاسة نائب رئيس الوزراء للاحتفال بهذه الذكرى. وصادق القرار على برنامج الإجراءات الإضافية لتحسين الأعمال في مجال الفنون التشكيلية والتطبيقية.


ومن المعروف أن كمال الدين بيهزاد (1455-1535م) كان فناناً تشكيلياً بارزاً من أصول فارسية مارس رسم المنمنمات في هيرات من عام 1468م وحتى عام 1506م، وكان من أكبر أساتذة مدرسة هيرات للرسم، ولهذا اعتبر في الغرب “رفائيل الشرق”. ولم تتوفر أية معلومات عن حياة كمال الدين بيهزاد، ولم يعثر على أي معلومات عنه كنبها معاصروه، وكل ما عرف أنه ولد في أسرة حرفيين.
ومن المعلومات التي ذكرها المؤرخين أن بيهزاد نشأ يتيماً منذ سن مبكرة، وتولى تربيته الخطاط والفنان التشكيلي المعروف آنذاك ميرك نقاش خوراساني، الذي شغل منصب عالي «كتاب دار» أي رئيس المكتبة في بلاط السلطان حسين بايقره، وجاء في بعض المصادر أنه كان من الفنانين التشكيليين لدى سعيد أحمد تبريزي، الذي يدين بيهزاد له بمستوى فنه الرفيع.
كما أثرت شخصية علي شير نوائي كثيراً على تكوين شخصية بيهزاد وتصوراته الفكرية إلى حد كبير، وكان علي شير نوائي وزيراً وشاعراً تخصص في العلوم الإنسانية، في الأجواء الإبداعية التي تميزت بها الحياة أثناء حكم السلطان حسين بايقره.
وفي عام 1480م خرجت من بين جدران مكتبة السلطان حسين بايقرة عدة مخطوطات شارك كمال الدين بيهزاد فيها برسوماته، وفي منمنمات تلك المخطوطات أظهر بيهزاد نفسه كأستاذ في تصوير مشاهد المعارك، وكأستاذ في رسم الشخصيات البشرية وخصائصها الفردية، وتميز بالعديد من التصورات الفنية الجديدة.
وفي تسعينات القرن الخامس عشر الميلادي أصدر السلطان حسين بايقرة أمراً بتعينه رئيساً لـ”كتاب خانة” السلطان، التي ضمت المكتبة وورشة نسخ الكتب، وبذلك تمكن بيهزاد ليس من تنفيذ منمنماته ورسومه فقط، بل والقيام بقيادة المشاريع وتوجيه أعمال الفنانين التشكيليين الآخرين.
وفي 1506م توفي السلطان حسين بايقرة، وبعد شهر من وفاته احتل الأوزبك بقيادة زعيمهم محمد شيباني خان هيرات، وحافظ بيهزاد على رئاسة كتاب خانه كما في السابق، بموافقة شيباني خان، وبقيت لنا من ذلك الوقت لوحة صورت شيباني خان رسمها الفنان بيهزاد.
وخلال الأعوام 1507-1510م انتقل بيهزاد إلى بخارى وراء شيباني خان مع الكثير من الفنانين التشكيليين من هيرات. وفي عام 1510م انتصر مؤسس الأسرة الصفوية الشاه إسماعيل الأول (حكم خلال الأعوام 1501- 1524) على شيباني خان وقتله، وبعدها انتقل بيهزاد إلى تبريز عاصمة الإمبراطورية الفارسية الجديدة. لتصل شهرة بيهزاد خلالها إلى ذروتها.
وخلال الفترة الممتدة من عام 1520 وحتى عام 1522م وصل بيهزاد إلى بلاط الشاه إسماعيل. ومع وصوله وجد بيهزاد ورشة جاهزة جهزت لإنتاج المخطوطات. وفي عام 1522 وبقرار من الشاه إسماعيل عين بيهزاد رئيساً لـ”كتاب خانه” الشاه. ولكن بعد وصوله بسنتين توفي الشاه إسماعيل فجأة عن عمر ناهز الـ 37 عاماً في عام 1524م، وبعدها وكما هو معتاد ارتبطت إبداعان بيهزاد باسم الحاكم الصفوي التالي، الشاه تاخماسبا الأول (تولى الحكم من عام 1525م وحتى عام 1576م)، واستمر بيهزاد بالخدمة تحت رعايته في ورشة الشاه حتى وفاته.
وفي عام 1535م أو 1536م توفي كمال الدين بيهزاد. الذي تميزت إبداعاته بالواقعية الطبيعية، وكانت أكثر دقة في فهمه للمناظر الطبيعية وإعطائه الحركة الحية لأجسام الإنسان والحيوان في رسوماته. وفي لوحاته الأخرى استخدم الخطوط التقليدية التي وضعها فنانون سابقون واعتمد على تلك الخطوط في بناء لوحاته، وأنتج لوحات فريدة «لوحات تبهر بكمالها وتطورها، وتصوير شخصياتها الحية. وسعة أفكارها».
ومن الخصائص التي تميزت بها لوحات بيهزاد أنه أدخل في منمنماته الكثير من الشخصيات الجديدة، وصور التفاصيل المعمارية، وأحرز تقدماً في إطار تصويره للعالم، وأدخل عمقاً تصويرياً في لوحاته. ووزع الشخصيات حول الوسط بشكل بيضوي. وزاد من حيويتها بالوقفات والحركات، مما أوجد وسطاً حياً للحركة في لوحاته. وتمكن بيهزاد من تفاصيل اللوحة، وحتى الشخصيات، وهو ما أعطى فضاءاً سحرياً للوحاته. ولإعطاء انطباع عميق لعبت وقفات وحركات وجوه شخصيات اللوحة. ولعبت واجهات المباني، والمنمنمات، والجدران الجانبية، والجسور، ومصطبات الجلوس وغيرها دوراً مهماً وكبيراً جداً في تفاصيل اللوحة لتصوير العمق والمساحة في اللوحات التي رسمها بيهزاد.
وعكست لوحات بيهزاد المننمة تطور تام من خلال اختياره للألوان. وقبل كل شيء كان غناها بالألوان والديكورات الهندسية. وتنوع تناغمها، وتنوع وإنسجام ألوان لوحاته، وإستخدامه الوفير للون الذهبي الذي أعطى فاعلية مبهرة لألوانه. ومع ذلك خخصص مركز اللوحة للشخصيات الرئيسية في الموضوع، لشد انتباه المشاهد، ووزع ألوانه بشكل متوازن على خلفية شخصيات اللوحة من أجل إعطائها مسحة من الكمال التام.
وعاش بيهزاد حياة إبداعية رائعة، وزود كتب الكثير من الكتاب والشعراء بالصور. وتحتفظ بمنمنماته اليوم مكتبة تشيستر بيتي في لندن، والمكتبة القومية التي تحتفظ بـ 8 منمنمات في مؤلف علي يازدي «زافارنامة»، المكرسة لحياة وأعمال الأمير تيمور.
واستخدمت في لوحات بيهزاد التشكيلية المنمنمة واقعية دقيقة، وألوان بمسحة بديعة، وخطوط إنسيابية، مع حركة في توزيع البقع اللونية، وكلها تعطي لوحاته مسحة موسيقية شاعرية رائعة ترفع من قيمتها الفنية. وتمتلئ لوحاته المنمنمة بالتناغم والحياة الهادئة. وتتحدث كلها عن السعادة. وتصور العديد من المنمنمات شاعرية وتناغم الأشكال والمضامين من خلال المواضيع الممتعة التي اختارها للوحاته.
ورسم بيهزاد الكثير من الرسوم التي زينت مؤلفات نوائي، ونظامي. ورسم لوحات تصور حسين بايقره، وشيباني خان، والشعراء خاطري، وجامعي، وصور جملة في الفنون المسرحية للشعراء، ومن بينها لوحاته عن نوائي وبابور.
وقدمت الألوان الفريدة لأعمال كمال الدين بيهزاد إسهاماً كبيراً في تطوير الفنون الجميلة العالمية، وحتى الآن تبهر اللوحات التي رسمها هذا الفنان العظيم، وتعتبر في كل الأوقات مصدراً للإلهام ومثال يحتذى للكثير من الفنانين. وقدم تلاميذ الفنان سلطان محمد، وقاسم علي، ومولانو درويش محمد، إسهاماً كبيراً في تطوير مدرسة المنمنمات الشرقية. وتتمتع أعمال كمال الدين بيهزاد حتى اليوم بأهمية كبيرة ليس في تطوير الفنون التشكيلية الإسلامية وحسب، بل وفي مستقبل النمو المعنوي والروحي للشعب الأوزبكي المعاصر.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design