التشكيلية والخزافة إبتسام بنا لكيلاني : تجربتي تنتصر للفكرة بدل الشكل حاورها / علي صحن عبدالعزيز

شغوفة في إبراز مفردات جمالية أعمالها التشكيلية والخزفية ، وهذه المهمة مسألة غاية في المهام التي تسعى إليها ( إبتسام بنالكيلاني) ، بل وتقف في طليعة الأدوات الفنية التي تؤكد هويتها ، فكانت تجربتها في حقيقة الأمر مسرحاً لتجسيد الواقع بلغة لونية تشخيصية وواقعية ، وبعيدة كل البعد عن الغموض والطلاسم التي لا يفهمها سوى السامري من وجهة نظره العقيمة ، هذا جانب ، أما الجانب الآخر فإنها تقودك إلى عمق تجربتها المملؤة برائحة اللون في مذهب تشكيلي سوريالي ، والذي يعتبر من أولى إهتمامات النقاد كمسعى للتحرر من المدارس التشكيلية الكلاسكية ، وإقامة فن تشكيلي مرن في علاقته مع مقامات تاريخ الفن التشكيلي بشكل عام . (جورنال الحرية) كان لها جولة حوار معها في تجربتها التشكيلية والخزف .

قيل بأن الكتاب خير جليس، ماهو جليسك أو نديمك بالفن التشكيلي ؟
– علاوة على الكتاب، فإن جليسي الدائم هو هاتفي المحمول الذي يفسح لي مجال مشاهدة الجديد والقديم في الأعمال الفنية في جل أصقاع العالم.
هل يمكننا أعتبار اللوحة التشكيلية ملكاً للفنان نفسه؟
– اللوحة ملكاً للفنان في محرابه، وعند خروجها تصبح ملكاً مشترك لأنها ستدخل في فلك الذوق والتأويل، ( هذا طبعا لا ينفى العائدات المالية التي له فيه الحق الكامل).
في بداياتك الأولى ، ماهو شعورك عندما خطفك سحر اللون في دواخله الوجدانية ؟
– هو شعور مختلط بين الإنجذاب والرهبة، أنجذبت لسحره وقدرته على أسر الوجدان، وشعرت برهبة التقرب منه والإقتداء بعظماء الرسم ، لأن اللون والفن بصفة عامة لهما طقوسها الخاصة التي يجب توافرها حتى يتجاوب معك ويعطيك أسراره.


أي المدارس التشكيلية يمكنك أن تتنفسين بها أكثر، ولماذا ؟
– المدرسة السريالية: لأنها تتماشى مع أفكاري، فأنا أحبذ الخوض في رسم الإحساس والشعور وتشكيل اللامرئي وغزو باطن الذات والخوض في إثارة قضايا وجودية لاسيما منها علاقة (الأنا والآخر) وهي علاقات تحس ولا ترى، فمثلا الحب والكراهية كلها مفاهيم منطوقة ولا تلمس.
اللون ولادته عندك ، إحساس نفسي أو عاطفي أو إجتماعي ؟ – ولادة اللون أو خيار تحديد مكانه وطرق تواصله مع قرينه في لوحاتي هي نتاج إحساس نفسي، وبذات القدر تنتج عن قرار ذهني يراعي شروط التوظيف وآليات التوزيع داخل المساحة أو الكتلة.
بعض التشكيليات تميل إلى اللون الأبيض ، ما مدى سفره بين ريشتك وأصابعك؟
– اللون الأبيض يسجل حضوره بكثافة في أعمالي الخزفية، وهو خيار فني بإمتياز عائد طبعاً إلى خصوصية هذا اللون وما يبطنه من رمزية.
سر تبوحين به إلى لوحتك بعد إنجازها ؟
– هو ليس سر، بقدر ما فضح للمنتظر أو للمنشود من العمل ككل، فقد لا تكتمل الرغبات والإنتظارات من العمل، فأدخل معها في حوار مباشر ووسيط في ذلك الريشة – إن كان عملاً زيتياً- واليد – إن كان خزفاً- بغية التغير أو الإضافة، وهكذا يكون العمل في لحظة مكاشفة ومصارحة ليرشدني إلى النواقص أو مواطن الكمال به .
ماذا يمثل الرجل في لوحاتك؟
– الرجل، هو عنصر من العناصر المهمة التي تمثل محاور معالجاتي الفنية، فإن لم يكن حضوره شكلاً فإنه يحضر في المضمون وفحوى العمل، فكما سبق وقلت من محاور عملي الإشتغال على علاقة ( الأنا بالآخر) وهو طبعا ركيزة أساسية فيها.
إلا تعتقدين بأن السعادة الحقيقة تكمن في خدمة الناس ، ما مدى قرب هذه الجدلية من خدمة قضايا المرأة عندك ؟
-طبعاً لا يضاهي ذلك أي شعور، أما بالنسبة لطرح قضايا المرأة في تجربتي فهي عديدة وتمتد لعدة مجالات منها: الإنتماء / الهوية / مكانتها في المجتمع لاسيما منها الشرقي وغيرها.
متى تمنحين روحك قسطاً من الراحة؟
– الراحة شيئاً لا يدرك في المجتمع المعاصر ، فالمرأة العربية تقسم وقتها على عدة مجالات ( العائلة / المهنة / الهوية و الطموح)، لذلك كيّفت نفسي لتعانق الراحة في محرابي الفني .
أنت بين فنانة تشكيلية وسيدة البيت، متى يقف قطارك عند هاتين المحطتين؟
– دائماً أسير بينهما، وقد يقف في محطة البيت أكثر منه في محطة المحراب، هكذا هي حواء قد تجبر على الإيفاء بالالتزامات العائلية على الإنصياع لرغباتها الذاتية.
إلا تعتقدين بأن كثرة إقامة المعارض التشكيلية، يمكن أن ترهق الفنان التشكيلي وتنقلب ضده سلبياَ؟
– ،بالتأكيد ترهقه ، كما أنها يمكن أن تنقلب عليه سلباً ممكن؛ حين يجد نفسه يكرر ذاته ويستنسخ تصوراته، أما إن كان لكل عمل ضوابطه وأهدافه وغايته فإن ذلك من شأنه أن يوسع أفق الفنان ويفسح له المجال لتطوير نفسه وبسط هواجسه وتصوراته الفكرية والجمالية.
ثيمة التعامل مع الجسد، رهينة بالبيئة المحيطة بك،أم بمستوى الوعي الذي تتمنين أن فيه اعمالك الفنية؟
– الوعي بالجسد، هو شيئاً مرتبط بالذهن وبطاقة الذات على أستيعابه والقدرة على تحقيق التصالح معه، وهذا لا ينفي طبعاً الثقافة المحيطة بك التي قد تحد من جموح تصورك إزاء هذا المكون الوجودي وتقيض رقعة توظيفه، لاسيما في المجتمعات العربية.
بأعتبارك استاذة جامعية، ما مدى توافق المناهج الدراسية مع الطلبة، وهل لمستي منهم مطلبات بتغيرها ؟
-أهم شيء أن يتضح الهدف الأساسي من المنهج ، هل نحن ننشئ فنان؟
أو نؤهل طالب للإنخراط في سوق الشغل؟ لكن الملاحظ أن المناهج الدراسية في معاهد الفنون لم تضع خطاً فاصلاُ بين هذين الهدفين، ولعل هذا عائد إلى الوضع الاقتصادي للبلدان العربية التي تحاول أن تضع مناهج تتلاءم مع فرضية التشغيل أكثر منها نحت كيان فني، عملياً أرجح أن يكون التكوين في معاهد الفنون موجه لكوين الطالب للألتحاق بسوق الشغل – مع الأسف – فالواقع يفرض ذلك، لأن الفن في الوطن العربي لا يمكن أن يكون مولد رزق دائم.
أرى بعض الأعمال التشكيلية في تونس متأثرة بالثقافة الفرنسية ، متى يزول ذلك الثقل ليكون فن التشكيل التونسي يحمل الهوية العربية ؟
– بالعكس الفن بتونس منفتح على كُل الأجناس التعبيرية العربية والعالمية، والدليل على ذلك أن الثقافة الفرنسية لم تؤثر على سير خط الفن التونسي حتى أثناء فترة الاستعمار، فمدرسة تونس – وهي الهيكل الأول الذي نشر الفن بتونس- لم تكن ملتزمة بإتباع أفكار المستعمر الفرنسي، بل إنها إنتصرت لقضايا مجتمعها ، ثم إن الفنان التونسي قد إنخرط هو الآخر في إثارة الهوية العربية الإسلامية التي نشأة مع المدرسة الحروفية العربية في النصف الثاني من القرن الماضي بقيادة شاكر حسن آل سعيد، وأذكر علي سبيل المثال لا الحصر ( نجا المهداوي / نجيب بالخوجة وغيرهم)، لكن الملاحظ أن الجيل الجديد من الفنانين التونسيين صاروا مقتنعين أو بالأحرى منتصرين لكونية الفن، فهو ممارسة إنسانية كونية لا هوية ولا انتماء لها.
يقول (دوتورف )كل واحد منا يخبئ شيئاَ ما، ما الأشياء الجميلة التي يمكنك مخاطبتها في أعمالك الخزفية؟
– أخاطب القيم الإنسانية، أنتصر للمبادئ ومعالجة القضايا المشتركة ، فأعمالي الخزفية هي كيان مستقل بذاته مشحون بالدلالات والأفكار التي تتخذ هذه الزوايا لطرح سؤال ما الإنسان؟ وكيف يكون؟
أي المواد الخزفية طواعية في أعمالك ؟
– الخزف كله مواد طيعة، تنتهي طواعيتها بدخولها الفرن ، لذلك يجب أن يدقن الخزاف سبل وآليات توظيفها لتستجيب مع أفكاره وتتوائم مع رؤاه الجمالية والذهنية قبل رحلة انصهارها مع النار بالفرن.
هل تسعين إلى أن تكون أعمالك الخزفية بشأن تكونين الإنسان مجزءة ما بين الرأس والجسد كل على إنفراد؟
– كما قلت سلفاً ، أنا فنانة تهتم بمعالجة قضايا وجودية وجمالية، أي أن تجربتي تنتصر للفكرة بدل الشكل، لذلك قد أزيح في أغلب الأحيان على أبجديات الإلتزام التقني برسم الجسد، ولهذا قد تجده في أعمالي مهشماً / غريباً / مجرد إشارة / مجزئاُ / مشوهاً / هجين .
ثلاثة أشياء تتنمنين ان تمتلكيها؟
– حقيقة أتمنى أن أمتلك: وقتي / مساحتي الذاتية / تذكرة سفر لزيارة جل المتاحف والمعارض الفنية.
ما هو إنطباعك عن الحركة التشكيلية في العراق؟
– العراق أرض الثقافة والبدايات ،فأنا خزافة والخزف نشأ في بابل، والفنان العراقي له حضور وصيت كبير في العالم والوطن العربي، يكفي أن نذكر “شاكر حسن آل سعيد ” أو ” جواد سليم”، هذا إلى جانب أن لهم حضور مميز في تونس فالعديد منهم درسوا أو يدرسون بمعاهد الفنون عندنا، وعلاقتي بهم أكثر من طيبة ، وأستحضر هنا الفنان الرائع “علي رضا سعيد” وزميلي بالمعهد النحات “محمد غسان”.
هل أنت راضية عن نفسك؟
– الحمد لله، الرضاء التام شيء لا يدرك ، وأنا راضية بالمساحة التي خصصها لي القدر.
ما مدى تعاطف المرأة التونسية مع الحركة التشكيلية بشكل عام ؟
– المرأة التونسية تسجل حضورها بكثافة في الحركة التشكيلية التونسية لاسيما في الثلاثة العقود الأخيرة، وأضحت أكثر مواكبة لتطوراتها ومتابعة لمنجزاتها، ومساهمة فعالة في بناء مسارها . نبذة مختصرة عنك ؟
-إبتسام بنالكيلاني فنانة تشكيلية حاصلة على الدكتوراه أصيلة مدينة نابل بتونس، أدرس بالمعهد العالي للفنون والحرف بسليانة، لي العديد من المشاريع الفنية في كل الأجناس التعبيرية ( الرسم الزيتي / الحفر الفني / النحت / الخزف ) شاركت مؤخرا بعدة معارض إلكترونية عربية. كما لي بعض النصوص والدراسات النقدية في ذات التخصص .
كلمة أخيرة . – أخيراً أشكرك على هذا الحوار الشيق وكذلك أشكر كل الزملاء معك في أسرة التحرير، ومن خلالك أهدي سلامي إلى أرض دجلة والفرات.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design