كورونا يعظ

بقلم/ أمجد فتيان

كورونا : الآن تصرخ وينتابك هلع رهيب لا يصدق، تنتحب باكيا وتعترف بأخطائك، وصورة الحياة تحتفى فى ظلمات ليس لها آخر.
كورونا :فلتعلم أنى مأمور بذلك، فلتعلم آن الموت ليس له وقت معلوم، ولكن الموت كالروح العابرة عندما تأتى فليس لها من نذير
المريض :الموت الذى يصارعنى، أنت من أتيت به لجسدى الضعيف، أنت من أقعدتنى فى تلك الحجرة المميتة، حرمتنى من أطفالى الصغار وزوجتى، وجعلتنى بين كل لحظة وأخرى أتوجع من ألم قاس.
المريض :أنا لست من يختار هذا وذاك، ولكنى عندما أتسلل إلى أجسادكم فلا أرحمها إلا أن يأتى الشفاء من عند ربكم.
المريض : بالله عليك صارحنى أهذا غضب من الله؟
كورونا : لا أعلم فأنا جند من جنود رب العزة، ولكن كل شيء له حد. .
المريض :ماذا تقصد بكل شيء له حد!
كورونا :كنتم فى رغد من العيش، كنتم تنعمون بالأمن، كنتم فى نعم لا تعد ولا تحصى، ولكن تأثرتم بها تأثرا شديدا. وافتتنتم بها افتتانا عظيما، فأصبحتم بها أكثر شرا لا أكثر حمدا، فدبت فيكم الخبائث والشرور.
المريض :وما ذنب الضعفاء والمستضعفين، ليس لهم حيلة ولا مكر، ما ذنب كل هؤلاء، أيفعل منا الآثام والخطايا والفواحش؟،ثم يؤخذ بذنوبهم الأبرياء منا!!!.
كورونا : أنت تغفل عن واقع النفس الإنسانية وتغفل الحكمة الإلهية من ذلك.
كورونا: ليس جمعيهم وجلون كالحمامة، وليسوا أبرياء كل البراءة، من ارتضى حياة العبث والمجون والطمع والظلم، وارتضى العرى والكذب فليرتض أيضا السخط والغضب.
كورونا :أما من فر إلى الله بقلب يحمل الخير والبر وبنفس تتوق إلى الزهد والعفاف فليرض بقدر الله، حتى يرى بنفسه ما يسره فى الدنيا والآخرة.
كورونا :وربى أراد لكم الجنوح إليه، جنوح التائبين والمستغفرين والمتضرعين، وأراد لكم الهداية والرشد فى صلاة تؤدونها، وكل صدقة تنفقونها وكل معروف تقومون به.
المريض :فعلت كل ما فى وسعى حتى لا تنال منى، غسلت يدى فى اليوم مائة مرة، كنت لا أصوبها نحو وجهى وأنفى وعيني، حدثنى بالله عليك كيف نلت منى؟؟
كورونا: مع كل حرصك هذا، فى إحدى المرات تركت مقابض الأبواب بغير تعقيم، فمكثت عالقا عليها حتى لامست يدك، ومن هنا تسللت إلى أنفك، وسكنت فى حلقك أربع ساعات، كنت خائفا من أن تتناول مشروبا دافئا، فيجرنى إلى المعدة، وعليه فلن أبقى حيا، ولكنك أطلقت سراحى لأعبث كما يروق لى برئتيك، فتكاثرت بها حتى دمرت كل أنسجتها.
المريض :أترى كيف فعلت برجل طويل القامة مثلى، متناسق اعضاء الجسم، عملاق ذي خدين نضرين وأسنان كالعاج، أترى كيف فعلت برجل ذي صوت قوى مجلجل ورنان صريح، وذي ضحكة مدويه ولهجة فى الكلام سريعة منطلقة.
المريض : أعترف أننى كنت أعيش حياة الفوضى، حياة لا يحكمها الدين ولا تنصاع إلى المبادئ، كنت أستعمل فكرى فى ثلب الآخرين وتعييرهم وتحقيرهم والتهكم عليهم، كنت إنسانا شرس الطبع، كالح المزاج، لاذع اللسان، حقودا لا يشفى لى غليل.
المريض :الآن كل الناس انفضوا من حولى، فما بقى لى فى الحياة إلا أنت والقدر الذى ينتظرنى، أتوسل إليك ربى أن تصرف هذا اللعين عنى، فأنت القادر عليه وحدك، أتوسل إليك ربى ألا تحرمنى من رؤية صغارى، ولا من رؤية والدي وأرحامى، فإن كتبت على الموت فاجعلها ميتة بها صلاة تصلى وفيها عبادك يشيعونها وعلى قبرى أحباب يودعونها.
كورونا :الآن تقول ربى، وعندما أوقدت الفتن وقطعت الرحم وأطلقت التهم على الأبرياء، وبايعت النفاق على أرض المصالح واغتياب الأقران بالقول الآثم والنميمة السيئة، ألم تعلم بوجوده!
المريض :كفاك تأنيبا، اذكرنى عند ربك بالحسنى، كفاك تأنيبا، كيف أتحمل قسوة كلامك وقسوة الالم الذى ينهش جسدى، اذكرنى عند ربك بالحسنى.
اكورونا :بنو البشر ظنوا أنهم ملوك جبابرة، ولكنهم لا يدركون أن العوران فى مملكة العميان ملوك، فأنا الأقل من البعوضة، جعلتهم جميعا فى جحورهم فى قاع من الحزن والكرب والكمد واليأس.
المريض : أنا لست من الطغاة ولا من الجبابرة، ولم أسفك دما قط، أنا فى النهاية عبد انحرف عن الطريق الصحيح، ودنا أكثر من الرث والقبيح، لم تشعرنى أن كل الذين أصبتهم أشرار ومذنبون!
كورونا :منهم الصالحون ومنهم دون ذلك، ولكن لا نعرف حكمة الله فى شئون عباده فهل هو غضب وسخط أم ابتلاء وصبر.
المريض :أستحلفك بالذى خلقك أن تدع جسدى يتعافى من هول ما فعلته به، فعندما أبرأ منك فلا مكان فى نفسى إلا للخير، سأهجر العالم بجميع ما فيه من مغريات وشهوات وما به من ترف باطل، ورخاء سخيف ودعة كاذبة، وهناء مزعوم، وأمضى إلى حياة مع الخالق كلها صلاة وتسبيح وفروض وطاعات حتى يصفح عنى ويغفر لى.
كورونا : لماذا تضحك هكذا!
المريض : كيف لمجرم ان يمد يده لمذنب قعيد!!!

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design