احياء تقاليد فن المنمنمات في الفنون التشكيلية الأوزبكية – 2

كتب/ أ.د. محمد البخاري _ طشقند

يرجع الفضل الأول لحركة بعث فنون المنمنمات في جمهورية أوزبكستان للنماذج النادرة على صفحات الكتب التي تحدثنا عن تلك الفترة الذهبية من تاريخ العالم الإسلامي والمحفوظة ضمن كنوز المخطوطات الإسلامية النفيسة التي حرص عليها، وحافظ عليها أبناء المنطقة في العديد من مكتبات المخطوطات في جمهوريات آسيا المركزية (أوزبكستان، وقازاقستان، وقرغيزستان، وطاجيكستان، وتركمانستان.) وبقيت شاهداً حياً على الفنون الإسلامية حتى اليوم. وتعتبر النماذج المحفوظة في مكتبة المخطوطات بمعهد أبي ريحان البيروني للاستشراق التابع لأكاديمية العلوم في جمهورية أوزبكستان، ومكتبة الإدارة الدينية للمسلمين (الإدارة الدينية لمسلمي آسيا الوسطى وقازاقستان السوفييتية خلال فترة الحكم السوفييتية.)، وبعض المتاحف في المنطقة من النماذج الفريدة بين المجموعات الموجودة في مختلف دول العالم، لأنه وكما هو معروف أن المنمنمات الإسلامية الجميلة كانت من بين الفنون المميزة التي زينت صفحات وأغلفة الكتب المخطوطة خلال عصر ازدهار الفنون الجميلة الإسلامية في ما وراء النهر.
ورافق فترة الصحوة القومية في أوزبكستان تفاوت كبير في آراء النقاد حول تاريخ فنون المنمنمات الإسلامية المتميز بجماله، وساد اعتقاد بـ “أن فنون المنمنمات الإسلامية خلال القرون الوسطى كانت محصورة في تزيين صفحات الكتب، وفي بعض النقوش والزخارف الأخرى المنفذة بتقنية خاصة”، وظل هذا الاعتقاد حتى أثبت الفنان التشكيلي الكبير الراحل تشنغيز أحماروف وتلامذته الشباب وبشكل قاطع “أن هذا الفن العريق كان موجوداً وبقوة في المنطقة”، وأن ما حدث في الماضي جرى تحت تأثير الأحداث التي عصفت بالمنطقة خلال تلك الحقبة التاريخية، من حروب داخلية مدمرة وما رافقها من إراقة للدماء، ودمار شديد في العمران، وأدت تلك الحروب إلى خلو مناطق شاسعة من ما وراء النهر تقريباً من السكان. وخاصة خلال الفترة التاريخية التي رافقت انهيار حكم الأسرة التيمورية فيما وراء النهر، خلال القرن السادس عشر، واستمر حتى بدايات الاحتلال الروسي لتركستان في أواسط القرن التاسع عشر. وهو الاحتلال الذي بقي جاثماً في المنطقة حتى مطلع تسعينات القرن العشرين وتعرض خلاله التراث الثقافي لأبناء المنطقة إلى نهب وتدمير مخطط. وأدى بالنتيجة إلى ضياع نماذج أعمال فريدة لأساتذة فنون المنمنمات التي صورت أشياء جامدة وكائنات حية خلال تلك الفترة الهامة من تاريخ المنطقة في القرون الوسطى.
ولكننا ومن خلال بعض اللقيات الأثرية المحفوظة في متحف الفنون الجميلة الحكومي بجمهورية أوزبكستان. نستطيع التعرف اليوم على نماذج رائعة من تلك الفنون العريقة، وأن نتعرف أيضا على نماذج أخرى، من خلال النقوش التي تزين أغلفة الكتب المخطوطة من القرون الوسطى، بتقنية الورق المعجون والمعروفة باسم “جلدي روغاني”، والموجودة اليوم ضمن مجموعة معهد أبي ريحان البيروني للاستشراق التابع للمجمع العلمي الأوزبكستاني.


وكلها تثبت ودون أي جدل، بأن هذا اللون من ألوان الفنون الجميلة، كان شائعاً ومزدهراً هناك في وقت من الأوقات. وتمثله النقوش النباتية والهندسية، التي وشت الفراغات على أدوات الاستعمال اليومي المصنوعة من عجينة الورق المقوى والسيراميك. وهي الحقيقة التي أشارت إليها الناقدة الفنية دولينسكايا ف.، في مقالة لها عن فنون المنمنمات بآسيا المركزية، ونشرتها في مطلع النصف الثاني من القرن العشرين على صفحات مجلة زفيزدا فاستوكا (نجمة الشرق) التي تصدر في طشقند حتى اليوم، وأشارت فيها إلى أنه: “إضافة للأغلفة الجلدية، صنعت أغلفة رائعة من عجينة الورق، الموشاة بالرسوم”.
وحقيقة هامة أخرى أشار إليها المؤرخ والباحث الأوزبكي إسماعيلوف إ. م.، عندما خرج باستنتاج قال فيه: “أن ما يميز الأغلفة المطلية الكشميرية، والإيرانية، عن غيرها من الأغلفة التي صنعت في بلدان المنطقة، احتواءها على رسوم طبيعية، وصور لكائنات حية. بينما تميزت أغلفة المخطوطات المصنوعة في ما وراء النهر باحتواء سطوحها على رسوم نباتية ونقوش ملونة، غطت كل مساحة الغلاف”.
ومن الناحية العملية نرى أن تجهيز الأشكال بتقنيات فنون المنمنمات كان معروف من خلال بعض المصادر التاريخية القديمة عن الحقبة التاريخية الممتدة من القرن 13 وحتى القرن 15 الميلاديين، ومن خلال الوصوف التقنية الكثيرة التي تشير إلى هذه الحقيقة.
ولكن الصعوبة التي واجهت المجددين المعاصرين في عملية تجهيز واستخدام الألوان، وتحديد العناصر الضرورية الداخلة في مواد النقوش المذهبة، أن تلك العناصر كانت كلها مجهولة بالنسبة لهم في العديد من جوانبها. ومع ذلك بدأت المحاولات الأولى مع نهاية السبعينات من القرن العشرين في طشقند، وفي آن معاً في كل من ورشات “أسطى” حيث جرت محاولات لإعداد وإنتاج مصنوعات فنية منمنمة مطلية، وفي منشآت وزارة الصناعات المحلية، والصناعات الخفيفة، وفي مصنع الهدايا القومية “سوفينير”، وفي ورشات النقوش المنمنمة، لإنتاج نسخ كثيرة من الأعمال الفنية التي استمدت مواضيع لها من قصائد شعراء القرون الوسطى العظام في العالم الإسلامي.
ونفذت تلك النقوش بالألوان المائية على سطوح خشبية، طليت بعد ذلك بالورنيش. ولكنها كانت عبارة عن هدايا تذكارية، صنعت دون التقيد بتقاليد فنون المنمنمات الإسلامية في ما وراء النهر، وبمستويات فنية منخفضة. وتأثرت بعض تلك الأعمال التي نفذت في ورشات “أسطى” ببعض مبادئ مدرسة باليخ الروسية للرسم، وظهرت جلية في أعمال الزوجين أ. وف. فينوغرادوف، اللذان لم يتمكنا في أعمالهما من الوصول إلى العمق الفلسفي والروحي للشعر الإسلامي الذي كانا يجهلا عمق معانيه وتعبيراته الروحية، ولم يتمكنا من تصويره، ولا من تصوير الطبيعة الإسلامية الخاصة لتلك الحقبة التاريخية، ولم يتمكنا من إخراج التكوين الفني المتبع في أساليب الرسامين القدامى في المنطقة، والسبب أنهما لم يحاولا فهم واستيعاب الجوانب الأساسية للثقافة الفنية الإسلامية. ولم تتعدى تلك الأعمال إطار كونها صوراً مشوهة جمعت خصائص مدارس فنون المنمنمات الإسلامية والمنمنمات الروسية، كمدارس فيدوسكينو، وباليخ، وخولويا، المتوارثة عن تقاليد فن الأيقونة والفن الشعبي الروسي القديم.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design