الضمير الوطني..الغائب !

بقلم/ أ.د الهام سيف الدولة حمدان _ أستاذ ورئيس قسم الإنتاج الإبداعي بأكاديمية الفنون

قال “فلان” عن “علان” : إنه قليل الأدب !
وبرغم أن تلك العبارة لاتشكل مايسمَّي ـ في منطق السلك القضائي ـ بالسب أو القذف، إلا أن “ترتان”انفعل انفعالاً شديدًا؛ و تصدَّى بعصبية للرد على قائل العبارة او شبهة التهمة الموجهة، متهمًا إياه بأنه يمتدح هذا الـ “علاَّن” ولا يُنقص من قدره ولا يصفه بما يجب! وعند محاولة استيضاح الغرض من هذا الرد الذي يبدوغريبًا؛ قال “ترتان” : إن “علاّنَّا هذا ليس “قليل الأدب” ولكنه “عديم الأدب” ! وانعدام الأدب ينبـُع من موت “الضمير ” لديه.. فالضمير الحي اليقظ يحتوي في طياته كل القيم الجمالية التي نطلق عليها لفظة “الأخلاق” وهي المُفترض أن يكون عليها الإنسان/الإنسان ! لنلمس في سلوكياته الصفاء والنقاء والقناعة والرضا والرحمة والتراحم والحب وعدم الكراهية وعدم الجشع والالتزام بالمباديء السامية والأحكام السارية على محيط مجتمعه عُرفًا وقانونًا ! ألا ترى أن هذا الـ “علان” يتاجر في الأسواق ــ في محال تجارته الواسعة بأرجاء المدينة ــ بأوجاع الناس خلال تلك الأزمة الفيروسية التي يمر بها الوطن والعالم؛ والتي استحضر لها العلماء من قواميس اللغة غير المتداولة كلمة “جائحة” كناية عن شدة البلاء وقسوته ؟ بلى .. ولكنها بحسب منطق رأس المال تجارة مشروعة، ورأس المال لاقلب له ولا يعرف سوى لغة الربح “والبحر يحب الزيادة” بحسب المثل الشائع !

وصحيح أن آليات السوق تتحكم فيها نظرية العرض والطلب الظالمة وبخاصة في دول العالم الثالث؛ وتخضع لما يسمى في علم الاقتصاد بقانون ” المنفعة الحدية “؛ بمعنى أنه لو كانت القوة الشرائية لدى مشتر لكيلو من الطماطم تحت سعر ثلاثة جنيهات؛ فإنه في حال ارتفاع السعر إلى خمسة حنيهات؛ فإن القوة الشرائية لديه لن تسمح له إلا بالحصول على نصف كيلو فقط باثنين ونصف من الجنيهات؛ أما من يملك المال فإنه يستطيع أن يشتري آخر عشرين كيلو في السوق تحت سعر خمسة جنيهات بإجمالي مائة جنيه ! والفقير “يضرب دماغه في أقرب حيط ” ! وليذهب فقراء المجتمع إلى حيث ألقت .

وهنا سينبري مندفعا من يقول : وأين دور الأجهزة الرقابية في الدولة على الأسواق والأسعار وجشع التجار ؟ نعم .. الدولة وأجهزتها الرقابية وجمعية حماية المستهلك : سعرا وجودة مسئولة في الشكل .. ولكن من الذي يتحكم في المضمون ؟ وكيف تراقب أجهزة الدولة التجار والتغلب على حمى الجشع المتفشية في تركيبتهم ؛ في أقاصي القرى والنجوع والكفور المترامية على جسد خريطة الوطن من أقصاه إلى أقصاه ؟

وهنا لابد وأن يبرز دور ” الضمير الوطني ” في أعماق النفوس لأفراد الأمة الشرفاء للتعاون الصادق _ مع الدولة _ لا جتياز محنة الوباء والحظر المفروض للحماية والوقاية ؛ وحتى تتفرغ أجهزة الدولة العلمية والطبية والتموينية ومنظمات المجتمع المدني لمحاولة حصار الأزمة وتوفير متطلبات المجتمع الحياتية؛ بدلا من إضاعة الوقت والجهد في متابعة وتعقب عديمي الأدب من التجار الجشعين !

وللأسف .. فإن انعدام الضمير لايقتصر على تجار المستلزمات السلعية الضرورية للإعاشة؛ ولكنه يقفز إلى صفوف من يقدمون “المستلزمات الخدمية ” وتشمل قائمتهم الطويلة _بعض _ الصيادلة والأطباء ومعامل التحاليل الطبية ومنتجي أدوات الوقاية المطلوبة للجماهير التي تسارع إلى حماية صحتهم وأرواحهم وأرواح ذويهم بالحصول على تلك الأدوات .. لتقفز الأسعار إلى عشرة أضعاف السعر الرسمي ” واذا كان عاجبك ” ! فهناك على الأبواب الآلاف ممن يتوقون للحصول عليها بأعلى سعر ! وأيضا نقول : ليذهب فقراء الوطن إلى أعماق الجحيم ! لتنتفخ جيوب “عديمي الأدب” وحساباتهم البنكية ؛ ليظهر من جديد طبقة ” أغنياء الحرب” التي طفحت على سطح المجتمع في أربعينيات القرن الماضي وانتهاء الحرب العالمية الثانية .. ويبدو أن أحفادهم مازالوا يواصلون التخاصم مع خصال الأخلاق الحميدة ؛ والتمادي في طريقهم الشائك والمعوج .

إنني _ كمواطنة مصرية أتعايش مع مشاكل المجتمع يوميا _ أهيب بأجهزة الدولة الأمنية سرعة التضافر مع الأجهزة الرقابية للسيطرة بقوة الإنسانية _ قبل القانون _ لردع هؤلاء بالحسنى أولا ثم تطبيق ماتنص عليه مواد القانون إذ لم يرتدعوا ؛ وفي اعتقادي أنه لن يتثنى ذلك إلا بإعطاء سلطة الضبطية القضائية لممثلي الأحياء الشعبية في المحليات ؛ والتي غاب دورها منذ سنوات بعيدة ؛ وآن الأوان لتفعيل اختصاصاتها وأعمالها .

إننا مازلنا _ كدولة وأفراد _ نتعامل بمبدأ الطيبة والتسامح في حقوقنا والتغاضي عن جشع التجار ولو بأحكام غرامات مادية لاتتجاوز خردلة فيما يحرزونه من مكاسب؛ ولعلنا قرأنا أن رئيس إحدى الدول الكافرة والملحدة _ كما يطلق عليها بعض الأدعياء _ أثناء مروره بسوق عاصمته ؛ وجد لدى أحد الباعة ثمرة تفاح معطوبة _ فأمر على الفور بإعدامه رميا بالرصاص على مرأى ومسمع من تجار السوق !

ولا نريد بالطبع أن نصل إلى هذه المرحلة القاسية .. ولكننا نعرض الفارق الرهيب بين معاملاتنا _ نحن المسلمين _ ومعاملات ماتوصمونهم بالكفرة الملحدين ! وهم في حقيقة الأمر أشد حنانا والتزاما بمتطلبات شعوبهم ؛ على عكس مانراه يحدث في أسواقنا ونحن في قمة المحنة .. وفي أشد الحاجة إلى .. عودة الضمير الوطني.. الغائب !

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design