ربما أنانية

كتبت/ نيسان سليم رأفت _ العراق

نظراً لتناقص الوقت ، و الوطن و
الرفاق
لم أعد أؤمن بواقع واحد .. اكتب اليوم نصاًّ فارغاً مكتظاًّ برائحة كلّ الذين ستغيّبهم هذه الارض لاحقاً ، و ربما انا من يسبقهم
وبما أننا أصبحنا نتعامل مع الموت بهذا اليسر
‏‎أعترف بأنني لطالما كتبت لإرضاء نفسي، لإفراغها من آلامها وعذاباتها وخطاياها، لجدولة الأفكار وترتيب الأولويات، وإزاحة جبل الجليد عن قلبي، لكن؛ لم أعد أستطيع ممارستها بهذه الأنانية_ ربما أنانية_ لست أدري.
‏‎أوقفت الكتابة فترة قصيرة، لم أحتَجها، أو ربما عثرتُ على ممارسات أخرى تخفف ثقل الأشياء عني، ربما أوجدتني بأماكن تريحني، ذلك أن الكتابة تعريني كما الخريف يعرّي الشجر، تخضعني لها أكثر مما أخضعها لي، والخضوع يريح أحيانًا.
‏‎لكن الأمور تتغيّر بسرعة، وخصوصًا في أيامنا هذه، مذ ولدنا ونحن في صراع مع الخوف
الخوف من الغرف المغلقة.
من الأنابيب التي تقطّر الهواء بمشقة في الرئتين. الخوف أن يلوّح لي من أحب من وراء زجاج الباب دون أن أتمكن من الغوص في أحضانه
وأخاف، أكثر ما أخاف
أن أكون أنا الواقفة خلف الزجاج، سليمة معافاة
رئتاي ضعيفتان. يداي أيضاً. لا أريد أن ألوّح لأحد.
بسبب كل هذا تغيرت علاقتي مع الكتابة.
‏‎ربما هي من تحتاجني أكثر مما أنا أحتاجها، ربما لم تولد معي لأكتب لي وعني، لأكتب لأشياء أكبر، وأعمق لمن تستحقه الكتابة أكثر مني.
‏‎للذين يحملون عذابات أكبر، وجراح عتيقة
، للذين تصدح السماوات بدعائهم ونجواهم في دور العبادة، في خلواتهم في غرفهم الضيقة، الرطبة، الخانقة..
‏‎للأشخاص الذين يضعون الورود على القبور، ويرحلون على عجلٍ، يهرولون هربًا من الحنين والتذكار والندم.
‏‎ربما عليّ أن أكتب من أجل صديقتي التي تقيم لنفسها ملهاة من نوع آخر، تقوم بإعداد الحلوى للجميع، كي لا تفكر بما يحزّ في نفسها، وبصراخ الحب الذي يحتضر في قلبها، كي تبعد الفراغ عن أيامها، دون أن ينتبه أحدًا..
‏‎وللواتي يَحِكن حزنهن مع الكروشيه، لصديقاتي اللواتي يرافقهن القلق دومًا، للهالات السوداء في وجوه الجميع،
للعجوز الغافي قرب عربة رزقه٠للفقراء، للتعساء من الأغنياء، للأصحاء الوحيدين في المصحات العقلية، للمرضى الذين يستيقظون صباحًا ويمشون غافلين نحو الرزنامة، يضعون إكس على خانات الأيام التي مضت،
بأنتطار يومٍ تترك خانة كما هي
لقد ماتت رموز المدن الجميلة ولَم تعد ناطحات السحاب مثيرة وبيوت الله أفرغت من مصليها
وقطع الوصل دليل محبتنا
حتى أصبحنا نخاف النهاية فكيف ستكون النهاية

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design