مظاهرات .. ضد مجهول !

بقلم د. إلهــام سيــف الدولــة حمــدان _  أستاذ ورئيس قسم الإنتاج الإبداعي بأكاديمية الفنون

بالتأكيد .. سيقوم المؤرخون بالتسجيل في صفحات التاريخ” باب الغرائب والعجائب”؛ لأول حالة فريدة من نوعها في مصر وربما في العالم؛ لبعض القطعان ـ المُسيَّسة والموجهة بـ “الريموت كونترول” ـ ممن يشبهون البشر في هيئتهم ولغتهم وحناجرهم الملوثة بكراهية الوطن، وينتظم العشرات القليلة منهم في مسيرة هلامية تشق الشوارع فيما يشبه الغيبوبة الدماغية للمناداة بإسقاط الخائن الدكتاتور: “فيروس كورونا” ! ويبدو أنهم ” شربوا الكحول ” ولم ” يتطهَّرُوا ” به !

والعجيب في تلك المسيرات انها بدأت في مدينة الإسكندرية ـ بعد أن أنعم الله عليها بدخول الإسلام السلفي في الثلث الأول من القرن الواحد والعشرين! ـ ؛ والأعجب أنهم يتوجهون إلى”الله” ــ سبحانه خالق كل شيء ــ بالتكبير والدعاء ليرفع “مقته وغضبه على البلاد والعباد”، وتناسى هؤلاء أن الدعاء والتضرع إلى الله لايكون بهذا المظهر التمثيلي الفج؛ ولكنه جاء امتثالاً لبعض الدعوات التحريضية بإثارة القلاقل واستعراض الوجود للتأكيد بأنهم مازالوا على قيد الحياة والكراهية داخل المجتمع المصري، هذه الدعوات القادمة عبر صفحات التواصل الاجتماعي؛ لتلتقطها وتنقلها كاميرات الشاشات المشبوهة في القنوات المعادية المعروفة من جماعات الإخوان المسلمين وذيولهم من الهاربين في عواصم العالم؛ وهي العواصم التي تفتح أبوابها وبنوكها لكل العناصرالإرهابية الهاربة، والشعب المصري على يقينٍ تام أنهم أشد خطرًا على الوطن من كل فيروسات وأوبئة العالم .

وتناسى هؤلاء أيضًا أن التضرع والدعاء إلى الله لابد أن يكون في خلوة روحية خاشعة صادقة مع النفس ــ وبخاصة بعد إصدار قرارات الدولة بمنع التجمعات لمواجهة انتشارالوباء ومحاصرته وضرورة الالتزام بها ــ وليس بتلك المسيرات الهلامية المُغرضة التي يركب ظهرها بعض الغوغاء أو أصحاب سلامة النوايا من العامة والبسطاء؛ الذين ينجرفون كغثاء السيل مع تيار كل مايتعلق بمظاهر الدين وطقوس العقيدة .

ويبقى السؤال الذي أتوجه به لهؤلاء المجاذيب : هل يحتاج “الله” ـ جل جلاله ـ إلى مظاهرات صاخبة في الشوارع .. كي يستمع إلى الدعاء ؟

لقد دعا نبي الله”يونس” ـ المعروف باسم “ذا النون” وهو في ظلماتٍ ثلاث : ظلمة الليل وظلمة بطن الحوت وظلمة أعماق البحر؛ فاستجاب الله لدعائه ومناجاته لشدة وقوة إيمانه ويقينه بنصرة الله له، وجاء القرآن الكريم خير دليل على أن الدعاء المُخلص ـ بلا مظهرية كاذبة ـ هو السبيل إلى النجاة؛ إذ جاء في كتابه الكريم : ” وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ “( سورة الأنبياء 87/88 ) .

ومن المطالبات الطريفة في هذه ” المظهريات ” تلك الهتافات الممجوجة التي تطالب جموع المسلمين بـضرورة “الرجوع إلى الله” لينصرالأمة ويكشف الغُمَّة ! وكأن جموع المسلمين قد غادروا ــ إلى غير رجعة ــ حضرة الله وبيوته؛ ويقبعون في معيَّة الشيطان يرتكبون المعاصي ويمارسون الفحشاء جهارًا نهارًا؛ فحلَّت عليهم اللعنة وافترسهم “كورونا” بين فكَّيه؛ برغم الحالات القليلة التي ظهرت على البعض وتعافي غالبيتهم والحمد لله، ولكن الغوغاء يريدون تصوير الموضوع على أن مانحن فيه .. هو بروفة جنرال ليوم القيامة .. سبحان الله في قذارة ضمائرهم !

هل تناسى “هؤلاء” الذين يطالبون بالعودة إلى الله؛ أن مصر بلد “الأزهر الشريف” الذي تتلمذ بين جدرانه الألوف من علماء الفقة والشريعة وعلماء المذاهب الإثني عشر وأشهرهم المجتهدين أصحاب المذاهب الأربعة للأئمة : أبي حنيفة النعماني، ابن مالك ، ابن حنبل، الشافعي؛ هؤلاء الأئمة الذين استقوا أصول مذاهبهم من القرآن والسُّنة النبوية وأقوال الصحابة والمجتهدين من بعدهم ؟ ولا زلنا نسير على منهاجهم القويم ولم نترك الاعتصام بحبل الله وبابه؛ لأنه الملجأ والملاذ وصاحب الفضل والنعم .. وهو عليمٌ بذات الصدور.. فأي رجوع تطلبون؟

وكعادة المصريين أولاد البلد وشهرتهم في كيفية رؤيتهم ورأيهم في الأحداث المحيطة بهم؛ انطلقت على ألسنتهم في مجالسهم “النكتة أو الطُّرفة اللاذعة” التي تقول : إن “الإسكندرانية” ـ أي شعب الإسكندرية ـ يحاولون تقليد جيرانهم ” الطلاينة ” ـ أي شعب إيطاليا ـ فيما صنعوه أثناء فترة الحجر الصحي الذي فرضته الحكومة لمواجهة تفشي “فيروس كورونا” بينهم بشكل مكثف ومرعب؛ وخرجوا إلى الشرفات ـ وليس الشوارع ـ ليعزفوا الموسيقا لتخفيف حدة التوتر والألم لدى المصابين وتعزية أهل المفقودين؛ ولكنهم لم يناصبوا الدولة العداء أوالخروج على أوامرها؛ كما فعل” السفهاء منَّا “_وليسوا منا_ في شوارع مدينة الإسكندرية عروس البحر الأبيض المتوسط !

ستضحك الأجيال القادمة كثيرًا؛ عندما تقرأ ماسيسجله كُتَّاب التاريخ في صفحاته في “باب الغرائب والعجائب”؛ ويعرفون أننا تجاوزنا كل المحن والشدائد وتعافينا كل العافية بأنفسنا وبمصرنا الحبيبة التي تهون في سبيلها كل المُهج والأرواح .

وربما في مطلع الألفية الثالثة .. سيطل أحد أحفاد الأحفاد من خلف غلاف كتاب قديم .. ليقول : أمي .. أكانت هناك حقًا مسيرات في الشوارع ومظاهرات تطالبنا بـ “الرجوع إلى الله” ؟! لترد الأم : بلى .. ولكن ألم أنصحك بعدم قراءة “باب العجائب والغرائب” في كتب التاريخ ؟

وصدق من قال : شر البليَّــــة .. مايُضحك !

ولكم منِّي كل التمنيات الطيبة بالصحة والسلامة يا شعب مصر العظيم

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design