الشاعر والشخصية السياسية الأوزبكية إركين وحيدوف

كتب أ.د. محمد البخاري _ طشقند

الشاعر والشخصية السياسية الأوزبكية إركين وحيدوف من الشخصيات اللامعة في الأدب الأوزبكي المعاصر. ويعتبر شعره وبحق استمراراً لفن الغزل الشعري الكلاسيكي التقليدي الأوزبكي، الذي يعبر عن حب الوطن وفضائه الجميل، والإيمان بالمستقبل المشرق للوطن الذي كان وبقي في صلب إبداعاته الشعرية.


ولد إركين وحيدوف بتاريخ 28/12/1936 في تومان ألتي آريك، بأسرة معلم في المدرسة الابتدائية. وتلقى تعليمه من عام 1955 وحتى عام 1960 بكلية الآداب في جامعة طشقند الحكومية (حالياً جامعة ميرزة ألوغ بيك القومية). وبعد تخرجه منها عمل في مختلف دور النشر والصحف والمجلات، وكان أول رئيس تحرير لمجلة “يوشليك” (الشباب) عام 1982.
ويعبر الشاعر وبسطوع عن مواقفه حيال وطنه. وتمتلئ أشعاره بالقلق حيال مستقبل الشباب في وطنه أوزبكستان، بسعي دائم يراعي التفاعلات الروحية والأخلاقية الجارية في الحياة المعاصرة في بلده. وخاصة في أشعاره:
– “البرج” التي تحدث فيها عن ضرورة الحفاظ على الماضي في ذاكرة أبناء بلده؛
– و”الليل في سمرقند” التي تحدث فيها عن العلاقة الوثيقة بي العصور التي مرت بها بلاده؛
– و”الأسطورة الشرقية” التي تحدث فيها عن جوهر الحياة الإنسانية؛
– و”قلب الشاعر” و”أباي” و”الأشعار الضائعة” التي تحدث فيها عن أهمية المشاعر الوطنية.
وشغل الهجاء مكانة ملحوظة في إبداعاته الشعرية، وفي سلسلة أشعاره الساخرة “نكات قرية دانش ” تحدث عن أم موسى، وسخر من التملق، والخيانة، والبخل، وشراء الذمم. وجاء جمال أشعاره من تنوع ملاحظاته الدقيقة، وعمق تفكيره بها، وخصوصية الوسائل التي عبر عنها في أشعاره.
وفي قصيدته “النعامة”، لعب الشاعر باسم هذا الطير باللغة الأوزبكية، والمؤلف من كلمتين، الجمل، والطير. لتولد معها أبيات شعرية قصيرة، تعبر بدقة عن أولئك الناس الذين لا قيمة لهم في المجتمع، من الانتهازيين والجبناء. واستحقت قصائده العاطفية دائماً الإهتمام. واعتبر وبحق من مطوري أسلوب الغزل الكلاسيكي الأوزبكي، ومن الأمثلة على ذلك أشعاره ” بكى العندليب طيلة الليل”، و”البرعم” حيث قدم الشعر الغزلي، عبر الورود، وفرهاد ومجنون، وأعطى صورة مميزة للحب المأساوي، وركز على ذكر اسمه في الأبيات الشعرية الأخيرة، مثل:
نعم نمى دم إركين،
زهرة في حديقة حبك.
وحافظ إركين وحيدوف في أشعاره على التقاليد الشعرية الأوزبكية، وصور حبه الشاعري الأصيل. وفي أشعاره “النبع” صور للقراء فتاة، تجلس عند النبع، ومن خلالها صور خلفية واقعية، وصور عواطفه من خلال استعراض تاريخ الحب، وكان أكثر دقة في تصويره لانتظار الحب. وشبه حب أبطال أشعاره العاطفية كجزء من النبع المتدفق من أعماق الأرض. وقدم أبطال اشعاره وهم ينتظرون الأحاسيس المضيئة.
وفي اشعاره “بلدي الحر أوزبكستان” أنشد الشاعر لأغلى ما حصل عليه الشعب الأوزبكستاني، وهو الحرية والإستقلال. وتوجه في أشعاره نحو الماضي التاريخي لأرض وطنه، مشيراً لـ”جحافل الشر المفترسة التي داست أرض وطنه مخلفة فيها جروحاً مرئية”. وفخر الشاعر بالمساعي الجارية في بلاده منذ القدم نحو حرية وازدهار الوطن، وعبر في ملاحم “ألباميش” و”تور أوغلي” عما يجري في الوقت الراهن، مشاركاً مباشر في تلك الأحداث مشاركة عضوية. وقارن بدقة بين الوطن والأسطورة البطولية للحصان المجنح، رمز القدرة، والقوة والحرية.
وتعبيراً عن الإعتراف بدور الشاعر استحق عام 1999 لقب بطل أوزبكستان.
ومن مؤلفاته: المجموعة الشعرية الأولى: “تنفس الصباح” عام 1961. ومجموعاته الشعرية: “أغنية لك” عام 1962؛ و”القلب والعقل” عام 1963؛ و”صراخ القلب” عام 1964؛ و”كلمات عاطفية” عام 1965؛ و”قصيدة كتبت في الخيمة” عام 1966؛ و”ديوان الشباب” عام 1969؛ و”تشاروغبون” عام 1970؛ و”الكواكب الحية” عام 1978؛ و”الشاطئ الشرقي” عام 1981؛ ز”رسالة للمستقبل” عام 1983؛ و”الحب” عام 1984؛ و”شباب اليوم” عام 1986؛ و”الآلام” عام 1991؛ و”الأفضل الحقيقة المرة” عام 1992.
ومن مؤلفاته المسرحية: “الجدار الذهبي”؛ و”مأساة اسطنبول”؛ و”التميمة الثانية”.
وترجم إركين وحيدوف إلى اللغة الأوزبكية: ماساة غوته “فاوست”؛ واشعار س. يسينين، وأ. تفاردوفسكي، وم. إقبال، ورسول حمزاتوف، وغ. إمينس، وغيرهم من الشعراء العالميين.
وبقي أن أشير إلى اللقاء الأول الذي جمعني بالشاعر الأوزبكي الكبير إركين وحيدوف عندما كنت طالباً بكلية الصحافة بجامعة طشقند الحكومية، وأعددت حينها مع يوسف حمداموف أحد المدرسين الشباب في الكلية مقالة عن الشبيبة في سورية، وزرناه معاً في مكتبه بمجلة “يوشليك” وسلمناه المقالة التي نشرت في أول عدد صدر بعد ذلك اللقاء. وفي عام 1984 ترجمت مقالة نشرتها إحدى الصحف المحلية الصادرة في طشقند وتحدث فيها عن انطباعاته لزيارته سورية ضمن وفد اتحاد الكتاب السوفييت، ونشرتها إحدى الصحف الدمشقية تحت عنوان “مع الشاعر إركين وحيدوف” وزرته حينها في مكتبه بالمجلة وسلمته نسخة من الصحيفة. وفي تسعينات القرن الماضي شاءت الأقدار ليكون ابنه خورشيد بين الطلاب اللذين درستهم اللغة العربية في كلية اللغات الشرقية بجامعة طشقند الحكومية، وذات مرة فوجئت بدعوة حملها ابنه تدعوني لزيارته في بيته، وكانت جلسة حميمية على مائدة الغداء تحدث خلالها إركين وحيدوف عن ذكرياته وانطباعاته التي تركتها لديه زيارته لسورية، وعن الأدباء والشعراء العرب اللذين التقى بهم في طشقند ودمشق وأماكن أخرى من العالم.
وطبعاً شغلت السياسة إركين وحيدوف عن الأعمال الإبداعية الشعرية بعد انتخابه عضواً في البرلمان الأوزبكستاني بعد الإستقلال. وعمل بشكل مثمر في مناصب سياسية مسؤولة، منها:
– منصب رئيس لجنة في المجلس الأعلى الأوزبكستاني من عام 1990 وحتى عام 1995،
– ومنصب رئيس لجنة المجلس الأعلى الأوزبكستاني للشؤون الدولية والعلاقات بين البرلمانات من عام 1995 وحتى عام 2005،
– ومنصب رئيس لجنة مجلس الشيوخ في المجلس الأعلى الاوزبكستاني لشؤون العلوم، والتعليم، والثقافة، والرياضة من عام 2005 وحتى عام 2009.
وخلال حياته حرص الأديب الموهوب والمنظم الخبير إركين وحيدوف على تقديم الرعاية والتشجيع للكثير من المواهب الشابة.
وقيمت الدولة خدمات إركين وحيدوف في تطوير الأداب والفنون الأوزبكية بجدارة. ومنحته ألقاب:
– شاعر الشعب الأوزبكستاني،
– وبطل أوزبكستان.
وقلد أوسمة:
– “دوستليك”،
– و”بيوك خيزماتلاري أوتشون”.
وتوفي في طشفند بتاريخ 30/5/2016. وستبقى الأعمال الأدبية الساطعة للشاعر البارز، والمربي الحريص، والرجل الصادق والمتواضع أركين وحيدوف خالدة دائماً في قلوب أجيال شعب وطنه أوزبكستان.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design