خاطرة في الصداقة (2)

بروكسل

كتب الباحث/ فريد حسن

لقد كانت تجاربي الشخصية في الصداقة تجسيدا واقعيا بعيدا عن الخيال والتنظير والقصص التي تروى عن الصداقة التي يخالط كثيرا منها شيء من الخيال أو الرغبة في إثبات فكرة ما لصاحب الفكرة الذي يرغب في توصيف الصداقة وحدودها وأشكالها ومضمونها وعدد الأصدقاء وجدواهم من عدمه ؟
وسآتي على مثالين أحدهما في الصداقة الوفية ، والآخر في الصداقة الوقتية الآنية التي تغادر بمغادرة الظروف التي جمعت الأشخاص ؟
أولا مثال على صديق سلبي :
صديق لي كان زميلي في دار المعلمين بحلب لمدة ثلاث سنوات – ثم أربع سنوات في جامعة دمشق وفي نفس الكلية والاختصاص – إضافة إلى سهرات وجلسات فنية في بيته الذي كان قريبا من دار المعلمين بحلب حيث كان يستأجر زميلان من زملائي من طلاب دار المعلمين بيتا في دار أهله – وكنت أمر عليهم في طريقي الصباحي إلى دار المعلمين في كثير من الأوقات – حيث نتشاور في دروسنا ومشاكل الشباب والدراسة بل مشاكل السياسة وخاصة في ظل حكومة الانفصال ( عن وحدة مصر وسورية ) وكنا جميعا من معارضي الانفصال والمدافعين عن الوحدة – وفي كل لقاءاتنا كنت أشعر بأنني أمام صديق يقدرني ويحترمني ويشعرني بأننا أصدقاء ؟
لكن كل لقاءاتنا وسهراتنا وجلساتنا ظهر لي أنها كانت سطحية وتمثيلية عند حادثة محددة :
لقد كنا في الستينات طلابا في جامعة دمشق – وكنت أنا وهو في صف واحد وفرع واحد وكان كلانا طالبا يدرس دراسة حرة في الجامعة – أي دون أن نداوم في الجامعة كوننا في نفس الوقت نعمل معلمين في المرحلة الابتدائية ؟
كانت الكتب الجامعية تعاني أحيانا من أزمات عدم توفرها ( خاصة عندما يتكاسل الأستاذ عن طباعة كراس يضم مادته ) فيوجه الطلاب إلى كتاب أو أكثر من تأليفه أو تأليف غيره – يكون موجودا في المكتبات كمرجع لمادته – وفي إحدى المرات كان أحد الكتب محدود العدد حيث لم تكفِ الكمية لعدد الطلاب الكبير حينئذ – وكان المؤلف قد وزع أعدادا في القاهرة وبيروت – وكنت أنا ممن لم يتمكنوا من شراء نسخة منه في دمشق – وحاولت إحضارها من بيروت أو القاهرة وفشلت .

وعندها كان لابد لي من البحث عند زملائي الذين تمكنوا من الحصول عليها – وقد تبين لي أن زميلي وصديقي المذكور عنده النسخة التي أبحث عنها – فاستبشرت خيرا وتوجهت إليه – وطلبت منه أن يعيرني الكتاب فترة قصيرة من الزمن حيث أقوم بقراءته سريعا وألخصه كي لا أحتاج إليه مرة أخرى – لكنه أبى أن يعيرني الكتاب رغم وجود فترة طويلة تفصلنا عن الامتحان – وقد عرضت عليه عدة ضمانات تجعله يطمئن على عدم ضياعه أو إتلافه – حتى أني عرضت عليه حلا أخيرا أن أدرس معه في دمشق في أحد مقاصف دمشق – لكنه قطع علي كل الطرق – علما أنني كنت بأمس الحاجة أن أنجح ذلك العام وإلا يلغى تأجيلي الدراسي عن خدمة العلم ،فأساق إلى الخدمة قبل إنهاء دراستي – بل قد أخسر كل الدراسة لأنني قد لا أتابع الدراسة فيما لو رسبت وسحبت للخدمة العسكرية حيث أقضي سنتين ونصف فيها – وكنت متزوجا وسيكون عندي أولاد مما سيجعل دراستي مستبعدة لو سحبت للخدمة العسكرية .

ورغم كل هذا امتنع من كنت اعتبره صديقا عن أي نوع من التعاون ،وأنقذني من هذه الورطة زميلة لم أكن أعرفها من قبل – طلبت منها الكتاب لمدة أسبوع – فوافقت وقمت بتجليد الكتاب وحافظت عليه ورددته لها في الموعد المحدد – وشكرتها وصارت من أعز الأصدقاء ؟
أما الصديق الذي منعني من رؤية كتابه فقد لقنني درسا عميقا في اختيار الأصدقاء.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design