الفنان الأوزبكي الكبير باطير زاكيروف كتبها في طشقند: أ.د. محمد البخاري


باطير كريموفيتش زاكيروف، مطرب أوزبكي بارز، وفنان تشكيلي، وأديب. وحصل على لقب “فنان الشعب بجمهورية أوزبكستان السوفييتية الإشتراكية عام 1965. وغنى أغنيات من مختلف الفنون الغنائية من أغاني شعبية أوزبكية، وأغنيات من تأليفه الخاص، وأغنيات لملحنين ومؤلفين من أوزبكستان وروسيا، وأغاني استعراضية، وغنى أغاني أجنبية بلغاتها الأصلية.
وأطلق على معشوق الشعب الأوزبكي لقب “العندليب الأوزبكي”، وتجاوز عشق المستمعين له حدود وطنه، وأحبه كل من سمعه، ولم يزالوا يذكرونه حتى اليوم في أماكن بعيدة عن أرض وطنه. وهذا يعني أن المطرب لم يزل مع عشاقه، وسيبقى شاباً إلى الأبد وسيظل عشاقه يستمعون لأغانيه دائماً.


والفنان التشكيلي الشهير، والمطرب، والشخصية الأدبية، وفنان الشعب الأوزبكستاني باطير زاكيروف، ولد بتاريخ 26/4/1936 في طشقند. ودرس في المعهد الموسيقي العالي بطشقند، بقسم الصوتيات. ودرس في كلية الإخراج بمعهد أوستروفسكي المسرحي الفني بطشقند. وفي عام 1956 أنشأ فرقة للشباب أطلق عليها اسم “الشباب” وسرعان ما اكتسب شهرة في أوسع الأوساط. ويقال أن كل من سمع صوت المطرب مرة واحدة من الصعب عليه أن ينساه، وأن لا يقع في حب أغانيه. وأغاني باطير زاكيروف كانت مثالاً في النقاء الغنائي، وتميزت بفرادتها. وتميز صوت “العندليب” بنبرة مخملية تدخل في أعماق القلوب.
وفي المهرجان العالمي للشباب والطلاب الذي جرى في موسكو عام 1957، غنى المطرب باطير زاكيروف وللمرة الأولى أغنيته “التانغو العربي”. وسجلت الأغنية على إسطوانات، ولم تزل واسعة الإنتشار حتى اليوم، وأحبها الكثيرون من محبي موهبته الفذة.
وكان باطير زاكيروف مطرباً مشهوراً في الاتحاد السوفييتي كمغني لأغاني من مختلف الأنواع الغنائة في نهاية الخمسينات وستينات القرن الماضي. وأهدته الطبيعة الكثير من المواهب، وكان الأكثر سطوعاً بينها صوته الفريد. وغنى عملياً أغاني الأوبرا، والأغاني الشعبية الأوزبكية، وأغاني الملحنين السوفييت، والأغاني الأجنبية. وكان صوته يسمع على موجات أثير الإذاعتين المسموعة والمرئية، وتمتعت حفلات فرقته الموسيقية بنجاحات ضخمة، وكان من الصعب جداً حضور حفلاتها. والمطرب أذهل الجميع ببرنامجه الغنائي والموسيقي الفني، الذي ضم إلى جانب الأغاني الأوزبكية، غير القابلة للتقليد ولا يمكن لأحد أن ينافس جمالها وتعبيرها وأدائها حتى الآن. غنى خلال ستينات القرن الماضي أغنيات أوزبكية إستعراضية، وإيطالية، وفرنسية، وإسبانية، وروسية، ويونانية، وعربية، بلغاتها الأصلية.
وكان باطير زاكيروف أحد منظمي الأوركستر الإستعراضي الحكومي الأوزبكستاني. ومعه بدأ تطور فنون الموسيقى الإستعراضية الأوزبكية، التي تميزت بخصائصها القومية المتميزة، وبموضوعاتها القومية. وفي عام 1972 أنشأ في طشقند أول فرقة للـ”ميوزيك هول” في الشرق، وكان مديرها، ومخرجها، ومديرها الفني ومطربها المنفرد. وكان قادراً على إنهاض همة الموسيقيين والجمهور نحو الفلكلور الشرقي، وقام بتجميعهم حول الإتجاه الإستعراضي الحديث. ولم يكد المطرب يبلغ الـ 30 من عمره، حتى حصل في عام 1965 على لقب فنان الشعب الأوزبكستاني.
وكان باطير زاكيروف موهوباً في العديد من المجالات الإبداعية: الفنون التشكيلية، والإخراج، والخيال الفني. وشارك في الأفلام السينمائية. ومن أشهر الأفلام التي شارك في بطولتها فيلم “شباب العبقري”، الذي أخرجه المخرج إليور إيشمحميدوف عام 1982.
وأثناء حياته تجول باطير زاكيروف كثيراً في أوزبكستان وفي دول الإتحاد السوفييتي السابق، وهنا لابد من ذكر أن أسرة زاكيروف كانت كلها من الموهوبين ومنهم: والده كريم زاكيروف، وشقيقه نوفل زاكيروف، وشقيقته لويزا زاكيروفا، وشقيقه فاروق زاكيروف. ومع الأسف غادر باطير زاكيروف الحياة مبكراً، إذ كان يعاني من مرض عضال منذ صباه، ومع ذلك تمكن من فعل الكثير مما كان يريد فعله. وودعت طشقند المطرب يوم 22/1/1985، ووري الثرى بمقبرة تشيغتاي.
وبقرار من الرئيس الأوزبكستاني آنذاك إسلام كريموف حصل باطير زاكيروف على وسام “بيوك خيزماتلار أتشون” بعد وفاته. و حظي بأعلى وسام وهو حب الشعب، والذكرى الطيبة. وتخليداً لذكرى مرور 75 عاماً على ميلاد باطير زاكيروف أحيت الفرقة الموسيقية للمعهد الموسيقي الحكومي العالي بطشقند حفلاً فنياً تضمن فقرات من برنامجه الفني يوم 21/4/2011.
وفي عام 1982 سعدت بالتعرف على هذا النابغة الأوزبكي عندما كنت أكتب مقالات عن الحركة الثقافية والفنية والأدبية في أوزبكستان لنشرها في الصحافة العربية، وذات مرة حملت له إلى بيته صحيفة عربية كتبت عنه وعن فيلم “شباب العبقري”، مع ترجمتها إلى اللغة الروسية، وهناك تعرفت حينها على والدته، وزوجته، وإبنته الصغيرة، وشقيقه فاروق زاكيروف، رئيس فرقة الفنون الإستعراضية “ياللا” الشهيرة، وإبنه بختيار زاكيروف الذي كان لم يزل يدرس فنون التمثيل السينمائي في موسكو آنذاك. وبعدها وبدعوة منه حضرت حفلاً فنياً أقامته فرقة الفنون الإستعراضية “ياللا” على مسرح سفردلوفا بطشقند، غنى خلاله باطير زاكيروف بعض أغانية الجميلة ومن بينها أغنية التانغو العربي التي تبدأ بـ”يازهرة في سؤالي…”. وبعدها كان حلم المطرب الكبير أن يغني إحدى قصائد الشاعر العربي الكبير نزار قباني، وطلب مني آنذاك تعليمه نطق كلماتها بدقة، ولكن المنية سبقت حلمه وغادر الحياة قبل تحقيقه.
وفي عام 1989 كتب الكاتب الأوزبكي الشهير عاشور علي جوراييف عن باطير زاكيروف رواية وثائقية غنائية كاملة ورائعة أطلق عليها اسم “عاصفة في القلب”. وهذه الرواية لا يمكن قراءتها دون إضطراب، ودون الاحساس بالألم في القلب ودون شعور بالأسف على وداع هذا المطرب العبقري للحياة بشكل مبكر. وعلى صفحات الرواية تنتصب أمامنا قامة إنسان رائع وفنان تشكيلي متميز، وبكل ما تعنيه الكلمات: فنان، وفنان تشكيلي، وشاعر، وروائي، وكاتب كلمات أغنيات الأوبرا.
وفي واحدة من فصول الرواية تحدثت المؤلف عن جولة باطير زاكيروف الفنية في باريس ضمن ميوزيك هول موسكو. وعندها كان من حصة الفنان الأوزبكي نجاح منقطع النظير. وقارنته الصحف بشارل أزنافور. وقالت عنه نجمة الموسيقى الإستعراضية الفرنسية لينا رينو، “فنان كبير”. ومدحت مارينا فلادي إستعراضاته الفنية التي قدمها هناك بشكل جيد. وقدم له أقتراح بتقديم استعراض غنائي فردي على مسرح “أولمبيا”. وكان تركيز الإنتباه عليه وحده شرف كبير له.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design