الأرواح الأربعة

كتب/ عامر فرسو

وهي تسحبُ أصابعَها من بين يديه قالت: لا عليك.. فقط أنقذ الطفلين.
كانت عالقةً حتى أعلى جذعِها تحتَ أنقاضِ منزلهم المُدَمّر منذ بضعةِ ساعاتٍ، لم يهدأ هديرُ الطائراتِ في سماء المدينةِ ولا خفّ دويُّ القنابلِ والتفجيرات في تلك اللّيلة.. انبلجَ الفجرُ وهو ما يزالُ يحاولُ جاهداً إنقاذها، كانت الطّلقاتُ تجتاحُ المكانَ من كلّ الجهاتِ فلا ضابطّ للحظاتِ الخراب الأخيرةِ في المعارك..
الجبهاتُ تتداخلُ وتنعدمُ أمامَ المنهزمِ سبلُ الخلاصِ سوى من ثغرة الدّمارِ الأكثرِ فتكاً بالبشر والحجر، كانَ وجهُها يلامسُ صفحةَ الأرضِ المليئةِ بالحصى والغبارِ، فسَحَبَ المنديلَ عن شعرِها وجمعَهُ تحتَ وجهها تاركاً شعرَها سافراً لضوءِ صباحِ الرّزايا، لفظتْ أنفاسَها الأخيرةَ وعيناها على التوأمينِ الغارقينِ في بكاءٍ يزيدُ من لوعتها في لحظةِ الموتِ، أطبقَ بيديه جفنَيها تاركاً في ذاكرة نظرتِها الأخيرةِ صورةَ طفلين وزوجٍ لا يحيط بهم سوى غيومُ دخانِ القذائفِ وأكسيةٌ من الغبار، حملَ الطّفلين تاركاً مصيرَ جثّةِ زوجتهِ لرحمةِ نيرانِ الحربِ علّها تحترقُ فهو أرحمُ من أن تغدو أكلاً للكلابِ الشّاردةِ.. هذا ما كان يعنُّ لهُ في تلكَ اللّحظةِ المؤلمةِ وهو يتخطّى بابَ بيتِه المنهارِ خارجاً إلى وجهة ما علّهُ ينقذُ الطّفلين، تجاوزَ شارعينِ مليئين بالحجارة والسّيارات المحترقة حتى التقى بجموعٍ هاربةٍ بدورِها.. انضمَّ إلى وجهتهم من دون أنْ يعلمَ أين يقصدون، فقط كانَ العويلُ والبكاءُ والحيرةُ قواسمَ هويّتهم المشتركة، التفتَ كالملسوعِ إلى الخلفِ عندما تفاجأ بأحدهم يصرخُ متألماً، وهوَ ينكبُّ بوجههِ على الأرضِ صريعاً، ورشقاتٌ من الرّصاصِ تنهمرُ.. فألقى بنفسه والطفلين خلفَ عربةٍ عسكريّةٍ محترقةٍ.. هدأ أزيزُالرّصاصِ، ولم يهدأ بُكاءُ الطّفلين، ضمّهما إلى صدره وشاركهما البكاءَ، نظرَإلى السّماءِ فلم تكن غيوم الغبار، والدّخان تتيحُ له مناجاةَ ربٍّ طالما عرفَ أنّه اتّخذَ من السّماء عرشاً، صرخَ بأعلى صوتِه: يا رب.. أرئِفْ بطفلين يُصارِعانِ للبقاءِ والخلاصِ بالدّمع والألم.. لم ينهي دعاءَه حتّى كادَ قلبُه أنْ ينخلعَ عندما انفجرَ على مقربةٍ من مكمنِه قذيفةٌ غاصت الأرجاءَ بلسانِ نيرانِها حتّى اصطدمت ببقايا الأبنية المتهدمة، وارتدّت كصاعقةٍ مدويّة، فقفزَ كالمجنونِ نحوَ الأمامِ راكضاً، تصيّدته رشقاتٌ من الرّصاصِ، وأصابت إحداها أحدَ الطّفلين، فندت عنه صرخةُ ألمٍ أحرقت قلبَ الوالدِ الضّائعِ في عتمة المصيبةِ، ألقى بنفسِه تحتَ درجِ بنايةٍ منهارةٍ والطفلانِ مازالا في حضنِه مغلقاً عليهما يديه كأنَّهما سلاسلُ قُدّت من اللّحم والدّمِ، كانَ الطّفلُ المُصابُ غارقاً في صمت الموت بينما الآخرُ غارقاً في صمتِ الإعياءِ من البكاءِ، جالَ الدّمعُ في عينيه وهو يرى صورةَ الموتِ والحياةِ في طفليه، لا يعلمُ كم من الوقتِ مضى إلاّ أنّ الشّمسَ كانت قد علت منتصفَ السّماءِ عندما هدأتِ القذائفُ تماماً ولم تعد الطّلقاتُ تنهمرُ على المكان،تركَ الطّفلين، وسار بحذرٍ بين أنقاضِ الغرفِ المنهارةِ، داسَ على لعبةٍ لأطفالٍ صغارٍ أخرجت صفيراً جعلت قلبَه ينتفض، تجمّدَ مكانَه، نظرَ أسفل قدميه كانت دميةً صغيرةً تشاركُ موتى البشرِ مصيرَهم، تناولَها من الأرضِ نفضَ الغبارَ عنها، وضعها في هزّازة منقلبةٍ على جنبها، وأكمل بحثه، كانت مداميكُ البناء المنهارةِ قد سدّت مدخلَ المطبخِ حيثُ كانَ البرّادُ يتراءى له، أزاحَ بعضَها بصعوبةٍ حتّى دخل المطبخَ، وقبلَ أنْ يفتحَ بابَ البرّادِ اخترقَ مشطَ قدمِهِ سيخٌ حديديٌّ جعلتْهُ ينهارُ على الأرضِ من فورِه فاقداً الوعيَ.. مرّت بُرهةٌ منَ الوقتِ شعرَ بعُتمةٍ ينبثقُ من منتصفِها ضوءٌ يتبدّدُ كحلقاتٍ حتّى انكشفَ لهُ المكانُ من جديدٍ، أدارَ بنظرهِ المكانَ،توقّفت عيناه على البرّادِ ليتذكّر ما حدث، أحاطِ بكلتا يديه قدَمه وبقلبٍ هلعٍ أغمضَ عينيه وشدّها للأعلى، تحرّرت قدمه مخلفة بركةٌ من الدّماءِ، نزّت شفتاه دماً وهو يعضّ عليها بنواجذه والألمُ يحرقُ كلّ جسده، صامتاً مدّ يده في الفراغ يستنجدُ بكلّ ذرّةٍ في وجوده، انقضت برهةُ الموت مهزومةً، سحبَ حزامَ بنطالِه وشدّها أعلى الجرح، ظلّ ساكناً لبعضِ الوقت.. تسلّق بعينيهِ نحوَ البرّاد من جديدٍ وهو يتذكّر طفلّه الحيَّ، دفعَ البابَ بيدِه، سقطت قنينةُ ماءٍ واستقرّت بالقربِ منه، حملّها ولم يطاوعه قلبُه أنْ يشربَ قبلَ أن يصلَ إلى طفله، قامَ مستنداً على بقايا طاولةٍ متحطّمةٍ يتفّقد البرّاد وجدَ كيساً من الخبزِ اليابس، حملَه على عجلٍ وبمشقّةٍ عادَ إلى طفليه الميّتِ والحيّ، سقى طفله الذي بالكادِ تحرّكت شفتاه، لمْ يشربْ هو بل ظلّت عيناه يعاينُ محيّا طفلِه الميّت، بلّل يديه، مسحَ بها وجهَه، ونقّط بضعَ قطراتٍ في فمِه الفاغرِ بوهنٍ كانَ الموتُ وقتّها ناصعاً فاضحاً الحياةَ، انتابته نوبةُ بكاءٍ وصرخَ باسم زوجته، ثمّ انكمشَ على نفسِه كمن يعاني من الحمّى حتّى اخترقَ المكانَ دويٌّ هائلٌ مخلّفاً غباراً غطّى كلّ شيءٍ، انقشعَ الغبارُ بعدَ لحظاتٍ طويلةٍ فألقى بنفسِه على الطّفلينِ حملّهما، وبقدمٍ يعضُّها الألمُ ركضَ خارجاً لمسافةٍ طويلةٍ كانَ اللّيلُ وقتَها قد سحبَ رداءَ عتمتِهِ على المكانِ، تعثّر هنا وهناك وأعياهُ التّعبُ، كانت أصواتُ آلاتِ الحربِ بمختلف أنواعِها تضجُّ بفراغِ المدينةِ الّتي كانت تُعرف بدرّة الفراتِ، جلسَ على الأرضِ والبكاءُ يخنقه، قرّرَ أنْ يتركَ طفلَه الميّتَ لينقذَ الآخرَ، نهضَ إلى جدارٍ متهدّمٍ أزاحَ بعضَ الحجارة الكبيرة وجمعَ الكثيرَ من الحصى والأتربة بيديه، وضعَ الطّفلَ أسفلَ الجدار، أحاطه بحجارة تغطيه من الجانبين، خلع قميصه وسجى به طفله ثم هال عليه كومة الأتربة والحصى الصغيرة، بيدٍ مرتعشةٍ وقلب يتمزّقُ حملَ طفله الآخرَ وركض بحرقة نحو بقعة ضوءٍ بعيدةٍ، هدّه الجوع والألمُ سقطَ مغشيّاً عليه، لم يشعر إلاّ وضياءُ الشّمس يكشف له نهر الفرات، كانَ أزيزُ الرّصاص يبلغُ مسمعَه من الجهة الأخرى للمدينة، تنفّس الصّعداء وعلم أنّه قد ابتعدَ عن الجيب الأخير للمعارك، كان ثمّة أناسٌ بعيدين عنه يسيرون بدورهم جهةَ النهر، حملَ الطّفلَ، بلغَ النّهرَ، بلّلَ يدَه ليمسحَ وجهه تفاجأ بزرقةِ لونِه وبرودته، بخوفٍ وهلعٍ وضعَه على الأرضِ، أزاحَ اللّباسَ عن جسدِه، كانَ أثرُ الرّصاصة في صدرِ ذاكَ الطّفل بجانبِ النّهر أكثرَ بلاغةً من كلّ كلامٍ يفصحُ عن هُويّةِ الطّفلِ الّذي دُفنَ حيّاً أسفلَ جدارٍ في مدينةٍ تُنازعُ في آخرِ معاركِ وجودِها، تصفّد جسمُه بعرقٍ باردٍ، واجتاحته رعشةٌ من أخمصِ قدميه حتّى شعرِ رأسه، حسّ بحرقةٍ تلتهبُ وتجولُ في أمعائه، انتفضَ كلُّ جسدِه فنهضَ كالملسوعِ، وسارَ في النّهر حتّى غاصَ وتوارى تاركاً خلفَه جثّة الطّفلِ المُصابِ بالطّلقةِ بعينينِ مفتوحتينِ نحوَ الشّمسِ.
عامودا – سوريا 2019

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design