الأمن المعلوماتي جزء من الأمن القومي الجزء 3

بحث كتبه: أ.د. محمد البخاري
في جميع مراحل التطور التاريخي كانت المعلوماتية هدفاً من أهداف الصراعات القائمة. وجرى الصراع المعلوماتي عملياً خلال كل الحروب. والمضمون الأساسي للصراع المعلوماتي كان ولوقت طويل يتمثل بتصرفات يقوم بها الجانبين للقيام بالإستطلاع ومواجهته. ومع بداية تشكل الساحة المعلوماتية العالمية لوحظت تغيرات كمية ونوعية في الصراعات المعلوماتية. وأحدثت الثورة العلمية والتقنية انقلاباً حقيقياً في مجال توفير المعلومات للنشاطات الإنسانية. وظهرت معلومات جماهيرية، هي عبارة عن معلومات موجهة لدائرة غير محدودة من الأشخاص: مطبوعة، أو مسموعة، أو مرئية، وغيرها. وأحدثت وسائل لنشرها السريع. ولكن يجب التمييز بين المفهوم الواسع والضيق للصراع المعلوماتي كمصطلح (في المجالات العسكرية أو الدفاعية). لأن الفكرة الواسعة للصراع المعلوماتي، هي شكل من أشكال الصراع، تستخدم فيه طرق خاصة (نفسية، وسياسية، واقتصادية، ودبلوماسية، وعسكرية، وغيرها)، وطرق ووسائل أخرى للتأثير على الوسط المعلوماتي للجهات المتصارعة، وحماية المصالح الخاصة، والوصول إلى الأهداف الاستراتيجية والتكتيكية الموضوعة.
والصراع المعلوماتي في المجال العسكري عبارة عن جملة من الإجراءآت تتخذ للحصول على المعلومات، وللتأثير المعلوماتي، وحماية المعلومات، تجري كلها من خلال فكرة وخطة واحدة تتمثل بالإستيلاء على المعلومات، والمحافظة على التفوق المعلوماتي على الخصم أثناء الإستعداد أو أثناء سير العمليات (القتالية) العسكرية، والسيطرة على الساحة المعلوماتية (عالمياً، وإقليمياً، والأقاليم المجاورة، وعلى المستوى القومي).
ولكن يجب التمييز بين شكلين من الصراعات المعلوماتية في المجال العسكري وهما:
– معلوماتية تكنولوجية: يكون الهدف الرئيسي منها أثناء القيام بالصراع المعلوماتي التكنولوجي، التأثير على النظام المعلوماتي التكنولوجي وحمايته كـ(نظم الإتصال، ونظم الاتصالات السلكية واللاسلكية، ووسائط الحرب الإلكترونية، وغيرها)؛
– ومعلوماتية نفسية: الهدف الرئيسي منها التأثير في الصراع المعلوماتي النفسي وحمايته، على نفسية أفراد القوات المسلحة، والخدمات الخاصة، وسكان الأطراف المتصارعة، ونظم تشكيل الوعي الاجتماعي، والرأي العام، وعملية اتخاذ القرارات.
ويتضمن الصراع المعلوماتي في المجالات العسكرية ثلاثة أقسام، هي:
أولاً: جملة إجراءآت تتخذ بهدف الحصول على معلومات عن الخصم في ظروف الصراع المعلوماتي؛
وجمع المعلومات عن قواته وأسلحته؛
والتعامل مع المعلومات وتبادلها بين أجهزة (نقاط) الإدارة من أجل تنظيم والقيام بالعمليات الحربية.
وفي هذه الحالة يجب أن تكون المعلومات مؤكدة، ودقيقة وكاملة، وأن يتم اختيارها في وقت الحصول عليها. ومن المنطقي تسمية المهام المشار إليها بـ”توفير المعلومات عن القوات والأسلحة”.
ثانياً: التأثير المعلوماتي. ويتضمن إجراءآت تتخذ لمنع الوصول، والتعامل، وتبادل المعلومات، وإدخال المعلومات المضللة.
ثالثاً: إجراءآت حماية المعلومات، وتتضمن إجراءآت منع حجب المعلومات الضرورية لأداء الإدارة لمهامها، وحجب المعلومات المضللة، المنشورة والمدخلة إلى نظام المعلوماتية للإدارة. مع الأخذ بعين الإعتبار، أن العمل في إعداد نظرية الصراع المعلوماتي، يجري على المستويات: الإستراتيجية، والعملياتية، والتكتيكية. وعلى المستوى الإستراتيجي أساساً، ويجب أن تعمل الأجهزة العليا لسلطات الدولة، والخدمات الخاصة والقطعات العسكرية، خلالها على المستويين العملياتي والتكتيكي.
وهناك فرق بين مفهومي “الصراع المعلوماتي” و”الحرب المعلوماتية”. فالصراع المعلوماتي عبارة عن جملة من العمليات المشتركة تستخدم فيها: القوة، ووسائط الصراع المعلوماتي، في الصراع المسلح. ويتميز الصراع المعلوماتي عن الصراع المسلح، بأنه يجري في أوقات السلم، وفي أوقات الحرب. وينمو دور ومكانة الصراع المعلوماتي في نظام توفير الأمن القومي لأي دولة باستمرار. ومن بين الدول البارزة في العالم التي تملك مقدرات معلوماتية قوية في الوقت الراهن الولايات المتحدة الأمريكية خاصة، واليابان، وفرنسا، وألمانيا، تمكنها من تحقيق أهدافها السياسية، بسبب غياب المعايير في القانون الدولي للقيام بالصراع المعلوماتي.
ومن أجل حماية المواقع الاجتماعية من التأثير السلبي أثناء الصراع المعلوماتي العالمي من الضروري إحداث نظام يكفل الحماية من المعلوماتية النفسية كجزء لا يتجزأ من الأمن القومي. وكنظام يوفر حماية نفسية السكان والمواطنين والعسكريين من تأثير المعلوماتية النفسية السلبية. ومهمته الرئيسية، توفير الأمن النفسي للأفراد، والمجتمع، والدولة. ويجري التأثير المعلوماتي النفسي عن طريق إنتاج ونشر معلومات موجهة خاصة، تؤثر مباشرة (إيجاباً أو سلباً) على وظائف وتطور الوسط المعلوماتي والنفسي للمجتمع، ونفسية وسلوك السكان، والعسكريين. وتنوع التأثير المعلوماتي والنفسي، يبقى كتأثير دعائي نفسي.
ومع ظهور وسائل الإعلام الجماهيرية الإلكترونية وتطورها السريع، إزداد دور الرأي العام بشدة، وأصبح يؤثر أكثر مما مضى على التفاعلات الإجتماعية والسياسية، وعلى خصائص ووظائف الوسط المعلوماتي والنفسي في المجتمع، وعلى الأوضاع النفسية للعسكريين أثناء الصراعات المسلحة. ولهذا يعتبر نظام تشكيل الرأي العام من المواقع الأساسية لتوفير المعلوماتية النفسية. ومن الضروري دراسة خصائص تشكل ووظائف الرأي العام أثناء الصراعات المسلحة باستمرار، وعلى أساس نتائجها إعداد طرق عملية لتوفير الأمن النفسي للعسكريين. وأحدث انتشار المعلوماتية بشكل واسع في صفوف القوات المسلحة وضعاً نوعياً جديداً لتطوير الشؤون العسكرية. ولاستعراض ما جرى عملياً يمكن الإشارة إلى الصراعات المسلحة والحروب التي جرت خلال السنوات العشر الأخيرة من القرن العشرين، ومطلع القرن الـ 21. وتحليلها من كل الجوانب المرئية لنستنتج أنها كانت تعتمد بالكثير على أساليب القيام بالمواجهات المعلوماتية خلال سير العمليات القتالية على أي مستوى في العالم المعاصر.
ومن دراسة الصراعات المسلحة خلال النصف الثاني من القرن العشرين، ومطلع القرن الـ 21، (لبنان، يوغسلافيا، العراق، السودان، مصر، تونس، ليبيا، اليمن، سورية، وغيرها) نرى أن جهود استخدام قوى ووسائل التأثير المعلوماتي والنفسي انتقلت إلى مرحلة متقدمة جداً وأصبحت تجري قبل فترة زمنية طويلة من بدء العمليات العسكرية (شهر أو شهرين، وحتى لعدة سنوات)، ورافقها ظهور وسائط وأساليب جديدة للتأثير المعلوماتي النفسي اطلق عليها اسم (الأسلحة المعلوماتية). والأسلحة المعلوماتية، هي آدوات ووسائط، مهمتها تحميل الجهات المتصارعة خسائر كبيرة أثناء الصراع المعلوماتي عن طريق التأثير المعلوماتي الخطر. وأهداف تأثير الأسلحة المعلوماتية يمكن ان تكون:
– نظم تقنيات المعلوماتية؛
– ونظم تحليل المعلومات؛
– ونظم تقنيات المعلوماتية، ومن ضمنها الإنسان؛
– ونظم تحليل المعلومات، ومن ضمنها الإنسان؛
– والموارد المعلوماتية؛
– ونظم تشكيل الوعي والرأي العام، التي تعتمد على وسائل الإعلام الجماهيرية والدعائية؛
– ونفسية الإنسان.
وفي كل الحالات التي تستخدم فيها الأسلحة المعلوماتية بشكل مباشر أو غير مباشر للتأثير على نفسية الإنسان (أو الجماعات الإجتماعية)، يجري الحديث عن التأثير المعلوماتي النفسي. رافتقها في معظم دول العالم المعاصرة نظم لآراء مختلفة حول توفير الأمن المعلوماتي والنفسي القومي،، وكلها أظهرت قلة فاعليتها عملياً. ومن الضروري وبشكل عاجل اتخاذ إجراءآت حاسمة، والقيام بأعمال بحثية علمية، وتنظيم مؤتمرات علمية تطبيقية بهدف إيجاد تقنيات فعالة لتوفير الأمن المعلوماتي للدولة في ظروف الصراعات المعلوماتية النفسية القائمة على المستوى العالمي.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design