الأمن المعلوماتي جزء من الأمن القومي الجزء 2 بحث كتبه: أ.د. محمد البخاري

للنظر في أفضليات وتوجهات تداخل مشاكل الأمن القومي وضعت العلوم التطبيقية أمامها مهمة إعداد اتجاهات جديدة تماماً لهذه المشاكل، أطلق عليها تسمية “الأمن النفسي”. في الوقت الذي طبقت فيه الفيدرالية الروسية نظاماً دقيقاً لتوفير المستوى المطلوب للدفاع عن مواقع الأمن (الشخصية، والإجتماعية، والحكومية)، الذي جرى إحداثه من خلال قانون “الأمن”. ومع ذلك لم يدرج مفهوم “الأمن النفسي” في هذا القانون وغيره من النصوص القانونية المتعلقة بالأمن القومي الروسي. ولكن الذي جرى في الآونة الأخيرة كان تسريع عملية إجراء تبدلات قاعدية على الإجراءآت التي تحتاجها فعلاً لحل قضايا المعلوماتية النفسية وحماية الأمن القومي الروسي، وحماية سلوك السكان والعسكريين من التأثيرات السلبية للمعلوماتية النفسية المعادية. بعد أن أحدثت وسائل جديدة للتأثير على نفسية الناس، والإدارة، وسلوكهم في الوقت الراهن. ومن خلال هذه العملية أخذت بالظهور معلومات عن البرامج الأمريكية “م ك – أولترا”، وأرتيشوك، والبرامج المشابهة لها، التي أعدت في: فرنسا، وألمانيا، وإسرائيل، واليابان، وغيرها من دول العالم.
وفجأة زادت إمكانية التأثير على نفسية الإنسان خلال السنوات الأخيرة. ومن الأسباب الرئيسية لهذه الزيادة كان النجاح الكبير الذي تحقق في المجالات:
– النفسية؛
– والإيحاء النفسي؛
– والطاقة الحيوية؛
– وغيرها من الظواهر النفسية الفيزيولوجية.
واتسع خلالها البحث عن أشكال وطرق جديدة للتأثير على نفسية الإنسان، والتأثير على مجموعات كبيرة من الناس في عدد كبير من الدول وحتى المتقدمة في العالم. واحتلت الولايات المتحدة الأمريكية مكاناً رائداً في هذا المجال؛ لأنها تملك أوسع شبكة من المؤسسات، والمراكز، والمختبرات، والجمعيات، للقيام بأبحاث نظرية وتطبيقية لحل المهام العسكرية. ومن ضمنها: تبدي الإدارة العسكرية في الولايات المتحدة الأمريكية اهتماماً كبيراً بهذه المهام. وتقنياً أصبح من الممكن التأثير على نفسية الإنسان عن طريق الأقمار الصناعية. وهو المجال الذي أصبح يثير خطراً جدياً بعد نشر نظام تيليديسيك، الذي اتجهت نية المليونير الأمريكي ب. غيتس. لتحقيقه بمساعدة الصواريخ الروسية “س س – 18” و “ر س – 20″، وبلغت تكاليف المشروع نحو 5 مليارات دولار. ويمكن استخدامه للأغراض العسكرية، والقيام بالمواجهات المعلوماتية أيضاً. ويوفر العدد الكبير للأقمار الصناعية (أكثر من 300) إمكانية إطلاق الإشعاعات كحد أدنى من قمرين صناعيين في وقت واحد على أية نقطة من الكرة الأرضية. وإذا أخذنا بعين الإعتبار أن الولايات المتحدة الأمريكية تملك الآن 420 قمراً صناعياً في الفضاء الكوني، وأن روسيا تملك 160 قمراً صناعياً، فستكون الولايات المتحدة الأمريكية المسيطر الكامل على الساحة المعلوماتية في الفضاء الكوني مع بداية القرن الـ 21.
وعلى هذا الشكل، ولأغراض حماية المواقع الإجتماعية (الشخصية، والإجتماعية، والحكومية) من أخطار التأثير المعلوماتي، كان من الضروري إحداث نظام لتوفير الخدمات المعلوماتية والنفسية كجزء أساسي من نظام الأمن القومي، وتوفير الخدمات المعلوماتية والنفسية لنظام الأمن القومي الروسي كجزء أو (نظام ملحق) لنظام توفير الأمن القومي، يسمح بتنظيم وتنسيق نشاطات الوزارات (الإدارات)، والمنشآت، والمنظمات، والقطعات العسكرية، وأجهزة الإدارة الحكومية، والعسكرية، والاتحادات الإجتماعية، والأحزاب السياسية، والمواطنين، لتوفير الأمن للوسط المعلوماتي النفسي، والأمن النفسي للسكان والعسكريين في المجتمع الروسي.
وتتضمن مواقع الخدمات المعلوماتية والنفسية لنظام الأمن القومي الروسي:
أ) الوسط المعلوماتي النفسي في المجتمع، وهو جزء من الوسط المعلوماتي للمجتمع الدولي ومرتبط باستخدام المعلومات، والموارد المعلوماتية، والبنية التحتية للمعلوماتية، للتأثير أو (السيطرة) على سلوك وتصرفات الناس؛
ب) الموارد المعلوماتية عن (القيم الروحية، والثقافية، والتاريخية، والقومية، والتقاليد، وغيرها)؛
ت) نظام تشكيل الوعي الإجتماعي (وجهات النظر، والآراء السياسية، والقيم الروحية)؛
ث) نظام تشكيل الرأي العام؛
ج) نظام اتخاذ القرارات السياسية؛
ح) نفسية وتصرفات الإنسان.
ويتضمن نظام الأمن القومي الروسي خدمات معلوماتية نفسية لتحقيق الأهداف التالية:
– حماية نفسية السكان، والجماعات الإجتماعية، والعسكريين، والمواطنين، من التأثيرات المعلوماتية النفسية المدمرة للهجمات المعلوماتية النفسية والإجتماعية الموجهة ضد المجتمع الروسي؛
– مواجهة محاولات التلاعب في عمليات تأثير المعلومات على السكان والعسكريين من جانب القوى السياسية المعادية للفيدرالية الروسية، والجارية بهدف إضعاف قدراتها الدفاعية؛
– الدفاع عن المصالح القومية، والأهداف والقيم في الفيدرالية الروسية على الساحة المعلوماتية (عالمياً، وإقليمياً، والأقاليم المجاورة، ودول رابطة الدول المستقلة، وعلى المستوى القومي)؛
– متابعة علاقة المجتمع الروسي بالمشاكل الهامة للأمن القومي كـ(قياس الرأي العام)، ومتابعة الأوضاع النفسية للشعب الروسي، والعسكريين، بشكل دائم؛
– مواجهة التدخلات المعلوماتية التي تقوم بها الولايات المتحدة الأمريكية في المجالات الروحية والأخلاقية.
خاصة بعد أن لوحظ خلال السنوات الأخيرة اصطناع تصور سيء عن روسيا في الغرب. تقوم به وسائل الإعلام الجماهيرية من خلال نشر شائعات حول “المافيا الروسية”، للتأثير على مصداقية أبرز البنوك والشركات الروسية. ورافقها قيام هوليود بزيادة إنتاج أفلام تظهر الروس كإرهابيين، ومغتصبين، إلى حد كبير. واستخدام في هذا المجال كخلفية طبيعية العقد الذي أبرمته شركة “غازبروم” الروسية مع الشركة الإيرانية “نيوس” في سبتمبر/أيلول عام 1997 بكلفة 2 مليار دولار، لتجهيز مواقع إنتاج الغاز في جنوب بارس (بالتعاون مع الشركات الفرنسية والماليزية). ومباشرة أثار هذا العقد عدم رضا كونغرس الولايات المتحدة الأمريكية، الذي رأى فيه دعماً للإرهاب الدولي. والأكثر من ذلك قيام سفير الولايات المتحدة الأمريكية لدى الفدرالية الروسية ج. كولينز بزيارة مفاجئة لرئيس إدارة الشركة الروسية المساهمة “غازبروم” ر. فياخيريف، بتاريخ 15/10/1997 وصرح حينها بأن نشاطات “غازبروم” في إيران يمكن أن تكون أساساً لاتخاذ عقوبات أمريكية ضد الشركة الروسية.
بالإضافة للضغوط السياسية الكبيرة التي وجهتها الولايات المتحدة الأمريكية إلى قيادة الفيدرالية الروسية بسبب إصدارها قانون “حرية الضمير والاتحادات الدينية” في سبتمبر عام 1997، القانون الذي ضيق على نشاطات الطوائف الشمولية والمبشرين الأجانب على الأراضي الروسية. وقبل صدور هذا القانون بوقت قصير زارت م. أولبرايت السكرتير الحكومي للولايات المتحدة الأمريكية موسكو. وخلال لقائها مع البطريرك أليكسي الثاني، توجهت إليه برجاء عدم التعرض لنشاطات الطوائف الدينية الغربية على الأراضي الروسية. واعتبرت السيدة أولبرايت، أن ذلك يعتبر دليلاً واضحاً على التزام روسيا بمبادئ الحرية والديمقراطية. ولكن ردة فعل البطريرك كانت سلبية. وصرح في واحدة من مقابلاته الصحفية أنه: “تعمل في روسيا اليوم كمية ضخمة من الكنائس الأجنبية، والأبرشيات، والطوائف، ونشاط الكثير منها له طابع شمولي ومدمر. وأنها تستخدم طرقاً للسيطرة على العقول والتنويم المغناطيسي، وتلجأ إلى استخدام المؤثرات العقلية. وعلى هذا الشكل يقومون بقمع الشخصية الفردية”.
يتبع الجزء 3

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design