الروائي عادل كاطع العكيلي : أصبحت الرواية تؤرشف حقبة مهمة من مشاهد الثقافة العراقية

حواره / علي صحن عبدالعزيز
حينما تنتهي من قراءة أي رواية من روايات (العكيلي ) ، فإنك تبقى مأسوراً وسط أحداث تلك الرواية وشخوصها ، لتظهر أمامك جملة من أسئلة وأحتمالات حول ماهيتها من تأويلات وتجليات تجعل القارئ وكأنه يعيش دراما رواية حقيقة تتجلى فيها كل عناصر وتركيبة كتابة الرواية ، ومن هنا منحت مساحة كافية إلى أسئلتي لنتحدث عن كل ما يخص الرواية وما يحيط بها بحوار لا يخلو من الصراحة والجدية .

× يقول (موزارت ) إن الموسيقى هي ليست النوتة نفسها ، بل الصمت بينهما ، ماذا تمثل إليك فترة الصمت بين كتابة رواية وأخرى؟
– نعم فقد أصاب( موزارت) كبد الحقيقة ولم تخطئ سهامه، وهو يصف لحظات الصمت بين رواية وأخرى بتلك النوتة كأنها معزوفة الحياة.. وكيف لا وقد يعتصر الكاتب جل أفكاره وأحاسيسه حتى يذوي شمعة وهو ينثر حروفه على الورق كأنها سنابل الخير والعطاء .
× برأيك، هل كتابة الرواية مختبراً لتفكيك وتحليل الكثير من الإنسياقات الثقافية والسياسية التي تتحكم بالمشهد الثقافي العراقي ؟
– لاشك أنّ الرواية أصبحت فضاءً واسعاً ومساحة شاسعة تنهال عليها إسقاطات الواقع الثقافي والسياسي وحتى الإجتماعي بكل انثيالاتها، بل واصبحت بعض الروايات تأرشف إلى تسلسل تاريخي قد بدا واضحاً في إصدارات كبارات الروائيين، وراحت تأرشف لحقبة مهمة من مشاهد الثقافة العراقية.
× (شخصنة ) رواياتك يحمل همومك الذاتية وتحاول من خلالها تفريغ تلك الشحنات بالمجتمع ، أم ماذا ؟
– هي بين هذه وتلك ، فإن الوجع الذي لازمنا سنين طوال قد ألقى بظلاله على كتاباتنا حتى بدت تلك الأوجاع كأنها سيرة ذاتية من الوجع الممض الذي لا مناص منه ، حتى تناها إلى أسماعنا أننا عندما نكتب نستمع إلى صوتنا الداخلي يضرب على جدران رؤوسنا يدعونا إلى إن ننفض هذا الوجع على الورق فنكون بذلك قد إزحنا هماً كبيراً من صدورنا.
× النقد الأدبي للرواية ، على ماذا يعتمد ، سيرة المؤلف أم المناخات المتصلة بالرواية ؟
– النقد الادبي حالة صحية لتقويم السياقات في النص ومما يؤاخذ على بعض النقاد الإبتعاد عن مناخات الرواية ، وراح التقييم يعتمد على إسم المؤلف وحضوره في الوسط الثقافي للأسف الشديد .
× حدثنا عن إسقاط فرض وجهات نظر الحكومات السابقة على ماهية الرواية ، وهل تعتقد بأن الروائي أن يكون قلم أي مرحلة ؟
– لابد أن نعترف بأن جنس الرواية قبل عام 2003 يختلف كليا عما بعده، لكون المرحلة التي سبقت هذا التاريخ كانت تتمثل بالقيود التي كبلت الرواية ، وجعلت الأقلام تتجه إلى تجنب مقارعة النظام ، فقد كان واضحاً تطور الرواية بعد تغيير النظام السياسي في العراق ، إذ كُتبت في هذه المرحلة نتاجات غزيرة ظهرت عليها سمة التحرر من قيود الأنظمة السياسية فبانت فيها ملامح الإجادة والإبداع.
× هنالك إتجاه ل ( تجنيس) كُتاب الرواية ، بل ويذهب الميل نحو الجنس الناعم على حساب فكرة وقيمة النص الروائي ، كيف يمكننا بناء قاعدة ثقافية مؤثرة على ضوء هذا الرأي ؟
– لا يمكننا تعليق سمة الثقافة بجنس الكاتب، بل من المفترض أن يسلط الضوء على طرح الكاتب وما يحمله نتاجه من مضمون يميل إلى كافة الأجناس التي تمثل المجتمع دون النظر في حيثيات الجنس التي قد تتحكم في ماهية النتاج الأدبي.
× يقول الروائي الأسترالي ( ثوماس كينيللي) بأن كلّ الكُتاب المرموقين هم قرّاء شغوفون ، ماذا تمثل اليك القراءة ؟
– كانت وما زالت المطالعة باالنسبة لي هي العالم الذي انقطع له بكل حواسي بتمعن ولهفة لا تعادلها شيئ آخر ، حتى أصبحت من جزئيات خططي اليومية .
× على ماذا تشير عنوان مجموعتك القصصية (دمعة واحدة لاتكفي ) ؟
– في مجموعتي القصصية ( دمعة واحدة لاتكفي) قدمت قصصاً حقيقية اقتطعتها من جسد العراق الجريح ، وقد انمازت هذه القصص بأني كفيت القارئ فيها مشقة الإعتماد على الخيال في تصور هول ما تضمنته أحداثها ، لأن ما فيها قد يكون أغرب من الخيال !! مهما أوجزت في سرد وقائعها، فقد قدمت للقارئ قصصاً مضطربة ومتنوعة الأحداث وصوراً ضبابية سلختها من صميم الوجود، واستللتها من اللحم والدم ومن قلق النفس المشرئبة بالآلام ولهفتها إلى عالم اللاعودة في بلد ينزف الوجع كل يوم، فكانت الدموع التي تنهمر جراء مطالعتها لا تكفي لتهدئة اللواعج فكان العنوان (دمعة واحدة لاتكفي).
× ما بين بداياتك الأولى والآن في شأن كتابة الرواية، هل هنالك ثمة أشياء مازالت حبيسة في داخلك ؟
– نزف القلم بين بداية المشوار وإلى الآن شلال من المشاعر والأحاسيس المتدفقة، التي نستمطرها على الورق لكي تجد طريقها إلى المتلقي ، هذه الأحاسيس التي تنطوي على الكثير من الوجع الذي لم يطفو على السطح حتى الآن.
× أخبرنا عن الطريقة التي تتبعها في إختيار الكتب التي تقرئها ؟
– قراءاتي متنوعة في شتى الأجناس الأدبية، وفي التاريخ، وفي مجال التنمية البشرية والعلوم الأخرى، فالكاتب يجب إن يكون لديه من الثقافة والكم المعرفي الكثير كي يمسك بزمام الأمور وهو يسطر أفكاره على الورق.

× ما الخط البياني ما بين روايتك ( حب برائحة الكافور) ونصوصك المسرحية (معول الشيطان) ؟
– إن الخط البياني بين روايتي (حب برائحة الكافور) التي صدرت منتصف العام الماضي 2019م وبين نصوصي المسرحية التي صدرت مطلع العام الحالي 2020م هي نصف عام إستطعت إن إختزل الوقت كي اقدم للقارئ شيئاً من المتعة ، بعد أن أنتقلت به من عالم الرواية إلى عالم المسرح وتقديم رسالتي الإنسانية من خلال (المسرح) الذي يسمى (ابو الفنون).
× طقوس كتابة الرواية عندك ، ماهي بعض تفاصيلها؟
– طقس كتابة الرواية هو ان تعيش الصمت المطبق في المكان وتعيش الضجيج في رأسك والكم الهائل من المشاعر داخل أحاسيسك وهما تدفعان بك إلى أن تصب نزف جرحك على هذه الأوراق البيضاء لتبدع هذا النص المشحون بها.
× هل تعتقد بأن ترجمة الرواية يطمس جزء من جماليتها وبنائها الدرامي ؟
– نعم ألحظ كثيراً من خلال قراءاتي المتواصلة بأن الترجمة التي وصلتنا من الكثير من النتاجات العالمية قد ذوبت وطمست من خلال ترجمتها ، إذ يبدو البون شاسعاً بين ترجمة وأخرى فيظهر لنا مقدار الفرق الذي يغيّب جمالية المنجز الأدبي.
× حينما تشرع في كتابة بداية الرواية ، كيف تفكر في نهايتها ؟
– تبدأ بالرواية وقد وضعت قدمك على جادة الطريق فستكون النهاية يسيرة وسهلة، إن البداية ورسم معالم الشخوص والاحداث وتسلسلها الزمني هو المهمة الصعبة ، أما ما تبقى فهو النزر اليسير.
× ماهو أنطباعك عن واقع الثقافة والمثقفين الآن ، وكيف تقيم دعم الدولة للثقافة الآن ؟
– بصراحة ان الواقع الثقافي العراقي وعلى الرغم من الظروف التي أعقبت أحداث 2003 إلا إنه يعيش عصره الذهبي حيث إنطلاق المواهب وغزارة النتاجات حتى طغت بشكل لافت النظر، إلا أننا لا نعدم أن هذه الإنطلاقة الأدبية تحتاج إلى دعم أكثر من وزارة الثقافة والتي نتوسم فيها خيراً في ظل وزارتها الفتية التي يمثلها السيد الوزير عبد الأمير الحمداني.
× إلا تعتقد بأن تسويق الرواية في العراق يخضع لعوامل خارجة عن المهنية ؟
– بصراحة انّ عملية التسويق عند دور النشر والموزعون في العراق لا تخضع للمهنية! إذ يُلحظ ذلك جلياً ونحن نعيش في الوسط الأدبي ، ويكاد الكاتب العراقي يكون مظلوماً في هذا الإتجاه حتى أصبح هو الموزع والناشر لنتاجاته الأدبية وهذه العقبات يعاني منها أغلب الأدباء العراقيين.
× في ظل الأوضاع التي يعيشها المواطن العراقي ، كيف يمكننا توظيف كتب ومناهج التنمية البشرية ، وهل تعتقد بأنها تجدي نفعا مع إنعدام دعم المؤسسات الحكومية لهذا الجانب ؟
– علم تنمية المهارات البشرية من العلوم الحديثة ودخوله العراق بشكل واسع كان بعد عام 2003م ، وقد بدا واضحاً ما لهذا العلم من أهمية في البحث والتوجيه في صقل الصفات البشرية ومعرفة كيفية السيطرة والاتزان في الحياة اليومية، ولرغبتي في إثراء الساحة الأدبية قمت بتأليف كتاب في التنمية البشرية كان بعنوان (لمن يريد النجاح فقط) ، وكنت أتمنى إن يلقي صدى على النطاق الأكاديمي والمؤسساتي ، لما لهذا العلم الحديث من أهمية في تكوين معالم النفس البشرية.
× ماهي الأرضية المهنية في بناء جيل الشباب وفق برامج التنمية البشرية العالمية ؟
– ان تنشئ جيلاً شبابياً ناجحاً فإنك ستكون بحاجة الى تفعيل برامج وورش وندوات التنمية البشرية.. فأننا نلحظ بصفتنا من المختصين كيف أن الدول المتطورة قد اولت هذا العلم الاهتمام الذي يستحقه في اغلب ابعاده.. ويحدوني الامل بأن تلتفت مؤسساتنا الحكومية إلى ذلك.
× كتابة النصوص المسرحية ، لغة خطرة كما يصفها الكثير من النقاد ، إلا تخشى من تلك المواجهة في ظل تباين مجتمعي واضح في العراق ؟
– إن تمتلك أدوات الكتابة في جنس أدبي معين ، وأن يكون لديك الخزين المعرفي والموهبة التي تؤهلك لذلك ، فقد أمسكت بزمام الأمور لتتفنن في ذلك، وقد سبرت أغوار عالم المسرح ، وحاولت إتقان صنعته وكتابة نصوصه مما أهلني لأصدار مسرحيتي التي حملت عنوان (معول الشيطان).
× إحدى الصحف اليومية أجرت إستبيان حول قرب المسرح من الجمهور ، فكانت النتيجة بأن المسرح في واد والجمهور في واد آخر ، كيف يمكننا تعزيز الثقة بين الطرفين ؟
– نحن نعلم إن المسرح العراقي مرَّ بمنعطفات كثيرة في ظل التحولات السياسية والإجتماعية في العقود الأخيرة، وقد ظل يترنح بين أجواء الحروب والحصار الإقتصادي حتى وصلنا إلى اعتاب الألفية الثانية والبلد يرزح تحت طائلة الإحتلال والطائفية المقيتة فلا عجب ان يكون المسرح في وادٍ والمتلقي في وادٍ آخر في ظل الظروف العصيبة، إلا أن لي ملاحظات على هذا الاستبيان نفسه إذ لا يمكن تجاهل ما وصل إليه المسرح العراقي في الآونة الأخيرة إذ حصد جوائز عدة على مستوى الوطن العربي والإقليمي ،وظهرت نتاجات جديرة بأن يشار إليها بالبنان ، وأن لا يغمط حق الُكتّاب المسرحيين في ذلك.

الروائي في سطور
الاسم عادل كاطع العكيلي ، كاتب وصحفي من مواليد بغداد 1978 بكلوريوس علوم إحصاء كلية الإدارة والاقتصاد/جامعة بغداد ، دبلوم تدريب مدربين من البورد الأمريكي في التنمية البشرية ، عضو نقابة الصحفيين العراقيين ، عضو الجمعية العراقية للعلوم الإحصائية ، حاليا موظف في البنك المركزي العراقي
عضو مركز التنمية للدراسات والتدريب ، عضو معهد همم للتدريب والتطوير الإبداعي .
المؤلفات ، تأليف كتاب (لمن يريد النجاح فقط)في مجال التنمية البشرية ، تاليف كتاب (أوجاع كاتب) وهو عبارة عن مجموعة مقالات ثقافة وأدبية سمح لها بالنشر ،تأليف مجموعة قصصية بعنوان(دمعة واحدة لا تكفي) رواية بعنوان(حب برائحة الكافور) نصوص مسرحية بعنوان(معول الشيطان) مجموعة قصصية في أدب الأطفال بعنوان (دفتر التوفير) والعشرات من المقالات في الصحف المحليه و العربية ، صحفي وكاتب مقالات في صحيفة البينة الجديدة والدستور وكل الأخبار والوطن الجديد والعالم ومجلة دنيا ، ولديه العديد من المشاركات في المهرجانات والندوات ، وحصدت قصته (بير عليوي)المركز الثالث في مهرجان أجنحة الخيال في مقر اذاعة العهد عام 2019 ، وحصلت قصته (تسائلات في ساتر الموت)
على المركز الخامس في الوطن العربي ضمن مسابقة القصة القصيرة في مصر .
الدراسات النقدية
الدراسة النقدية للاستاذ يوسف عبد جويعد التي تناولت مجموعتي القصصية (دمعة واحدة لا تكفي) و
دراسة النقدية للاستاذ فاضل حسن نايف حول رواية (حب برائحة الكافور) ، وددراسة النقدية للاستاذ الروائي رؤوف عادل بخصوص مجموعتي القصصية دمعة واحدة لا تكفي ، ودراسة النقدية للاستاذ كمال عبد الرحمن…لقصتي (عقب سكارة) …والفائزة بمسابقة القصة القصيرة في دار حروف للنشر في دولة مصر.
دراسة نقدية للاستاذ زيد الحلي حول روايتي حب برائحة الكافور ودراسة نقدية للاستاذ عبد الكريم إبراهيم حول روايتي حب برائحة الكافور .

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design