نجيب محفوظ ..حارة المعجزات وصالون النقد الفني

كتبت : د.إلهام سيف الدولة حمدان

لم يكن في الحسبان أن يتخذ صاحب الفكرـ في مطلع حياته ــ قرارًا بكتابة رسالة ماجستير عن “الفلسفة الإسلامية” تعزيزًا لشهادة “ليسانس الفلسفة” التي نالها من جامعة القاهرة في العام ١٩٣٠، ثم يعدل عنها متفرغًا للكتابة عن قيعان الحارة المصرية العريقة وقاطنيها منذ قديم الزمان، وكان هذا التحوُّل ليس بالمُستغرب لكونه نتاجًا لنشأته في حارة من أقدم حارات “قاهرة المعز” بالجمالية.

ومن المدهش أنها كانت مفتاح شهرته في حقول الثقافة والأدب على الساحة المصرية والعربية والعالمية، وسببًا في خروج واحد ممن دافع عنهم في كتاباته عليه منها غارسًا ــ في رقبته ــ السكين وحقد المغيَّبين، في محاولة فاشلة لاغتياله، ونسوا أن “الفكرة” لا تموت .. حتى (لو) مات صاحبها مغدورًا به!

بالتأكيد .. لست في حاجة إلى أن أقول إنني أتحدث عن إمبراطور الرواية العربية الأديب نجيب محفوظ ــ وصاحب ” جائزة نوبل ” كأول عربي يتم منحه إياها ــ والمتربع على عرش الكتابة الأدبية ــ والرواية تحديدًا ــ منذ منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي، مذ نشر قصصه القصيرة في مجلة “الرسالة”، ففي العام ١٩٣٩ نشر روايته الأولى “عبث الأقدار” التي كانت إرهاصة لثلاثيته التاريخية الأولى، ثم “كفاح طيبة” و”رادوبيس”، التي استخدم في إنتاجها تلمُّس الخطوات الفكرية في “الواقعية التاريخية ” وتأثير تلك الواقعية على التركيبة النفسية والعقائدية للإنسان المصري العائش على ضفاف النيل الرقراق الأخضر وإنسان الصحراء بتكوينه البدوي وشهامة الفرسان.

ولكن لطبيعة المفكر الباحث عن محاولة مستمرة ودؤوبة لتغيير الواقع إلى الأفضل، قام “نجيب” بتوجيه دفة قلمه الفياض إلى العودة إلى الواقعية المجتمعية متسارعة التغير والتحول والتبدل، نتيجة احتدام صراع الحضارات التي نشرت شموسها على ربوع العالم، فكان من الضروري أن يواكب العصر وصراعاته المادية الطاغية، فأبدع روايته “القاهرة الجديدة”، ثم “خان الخليلي” و”زقاق المدق”، فكانت بمثابة “كاميرا” ترصد الواقع المصري بكل تفاصيله الدقيقة في الشارع والحارة والزقاق والعطفة، وحتى تجليَّاته في رؤية شفافة راصدة لما يحدث وراء الجدران، وانعكاساتها على الشخصية المصرية .. بداية من “الباشا” حتى أبسط مواطن يسعى لاكتساب لقمة العيش.

ولعل اهتمامه بعالم “الفتوة” و”الفتونة”، جاء نتيجة حتميَّة لما كان يراه من لجوء الفقراء ومن لا سند لهم، لمن يحميهم ويحمي بناتهم من سطوة الأشقياء المحرضين من “العساكر الإنجليز” تطبيقًا لسياسة “فرق تسُد” لرأب الصدع في جدران الحارة وأهلها.

ولأن النهر لا يتوقف عن الجريان.. تحول “نجيب” مرة أخرى إلى رواية الواقعية الاجتماعية في رائعته “بداية ونهاية” وثلاثية القاهرة، حيث كان “القلم” في قمة النضوج والرؤية الكاشفة لما يدور بين جدران الحارات وخلف أبواب البيوت.

ولكن لجموح أفكاره وقريحته الفذة في اللجوء إلى عالم الأفكار الصوفية والتطلع إلى ما وراء الطبيعة وعالم الميتافيزيقا، والخروج في كتاباته من دائرة الواقعية الاجتماعية، إلى الواقعية الرمزية متلامسًا مع لعبة “الإسقاط السياسي”، جاءت روايته “أولاد حارتنا” بكل أبطالها من “الفتوات” و”الحرافيش؛ ليجعل البشر على وجه الأرض يتجادلون فيما بينهم، عن كيف نعيش حياتنا.. وهل نكون من الحرافيش أم من الفتوات؟

تلك المعضلة التي فتحت عليه أبواب جهنم من سدنة السلطة و”الملكيين أكثر من الملك”، وبخاصة لصدورها في “عام ١٩٦٧” عام الحزن، فأوعزوا بوقف نشر تلك الرواية في ربوع مصر، ولكن تلقفتها دور النشر في لبنان ليقرأها القاصي والداني في ربوع العالم، وكان لـ”عبدة التراث” رأي آخر في التأويل لشخوص الرواية وأبطالها، بداية من “الجبلاوي” و”إدريس” و”جبل” و”عرفة” و”قاسم”، وكان المتطرفون أشد غيظًا وحقدًا على الرجل، لاعتقادهم الخطأ بأن “موت الجبلاوي” هو نهاية الكون؛ لأنهم لا يعرفون للفنون والآداب والقيم الجمالية طريقًا!

والجدير بالذكر ـ كطُرفة ـ في حياة نجيب محفوظ، أنه عند عودته إلى منزله في ليلة حصوله على ” جائزة نوبل “.. فرح بشدَّة عندما رأى الرصيف أمام منزله وقد امتلأ بأوانٍ فخارية تحمل زهورًا جميلة.. لا شك أن من وضعها هم بعض المحبين والمعجبين كطريقة للتعبير عن فرحهم بحصوله على الجائزة ،ثم زاره رئيس الوزراء عاطف صدقي في البيت لتهنئته في صباح اليوم التالي..

وكانت دهشة محفوظ كبيرة عندما لاحظ اختفاء هذه الأواني والزهور بمجرد انتهاء زيارة رئيس الوزراء؛ ليكتشف أنها وضعت احتفاء بقدومه إلى بيته، وليس احتفاء بحصول محفوظ على الجائزة!

ألهذا الحد لم نعرف قيمة أبو السرد عملاق الأدب العربي الروائي “نجيب محفوظ “حتى في لحظة حصوله على هذه الجائزة الرفيعة المقام واحتفاء العالم به، ونحن أهله نفتقد إلى أقل الذوقيَّات وهي أن نزيِّن بيته بالورد لنشعره بامتناننا تجاه عطائه الإبداعي الذي قدره الغرب ورفع اسم مصر عاليًا..

وتمر الأيام ونكتشف مع مرورها فهمًا أعمق وتقديرًا لإبداعاته تمثلت في تجسيد رواياته في أعمال سينمائية من بلدان مختلفة..

وهذا العام وفى ذكرى يوم ميلاده يقع الاختيار من القائمين على الصالون الثقافي الشهري بالمعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون على اختيار الفيلم المكسيكي المترجم إلى العربية (حارة المعجزات) المأخوذ عن رواية (زقاق المدق)؛ ليكون محور احتفالية الصالون في اليوم ذاته الذي يوافق ذكرى ميلاد محفوظ بحضور د.أشرف زكي رئيس الأكاديمية والدكتورة نيفين الكيلاني عميد المعهد، ود.فتحي عبدالوهاب مدير صندوق التنمية الثقافية.

واعتلى المنصة الدكتور وليد سيف الذي تحدث بطلاقة مسهبة عن السينما المكسيكية، وعن الفيلم المعروض وإبداع محفوظ الخلاق والملهم للمهتمين بالفن الروائي المصري والعربي؛ مما يعزز الانفتاح وتلاقي الحضارات والثقافات بين الدول، ويحقق دور الفن والأدب في آن معًا، وأدارت الجلسة الناقدة الكبيرة ا.د.أماني فؤاد ، وأضاف للاحتفالية المزيد من الرونق حضور ومشاركة الفنان القدير عزت العلايلي – الذي شارك في ١٢ عملا من أعمال محفوظ السينمائية – ومشاركة الفنانة المحبوبة صفية العمري التي جسدت دور “حميدة” في مسلسل “زقاق المدق” باقتدار.

وجدير بالذكر تعاون “متحف نجيب محفوظ” في الأمسية بمشاركة الروائي الكبير يوسف القعيد الذي أعد للسينما فيلم (المواطن مصري) والذي جمع بين النجمين الضيفين ممثلا لمجلس أمناء “متحف نجيب محفوظ”، وقام بالتعليق على الفيلم ساردًا بعض الذكريات التي جمعته بأديبنا المحتفى به.

وها هي باقة الورد التي يهديها أساتذة المعهد العالي للنقد الفني ونجوم الفن والحضور لأديب الروائع التي تمناها مزينة لمنزله ذات يوم في ذكرى ميلاده التي أحياها هذا الصالون الثقافي المائز بزخم المحبة، والتقدير ، ليس فقط لفن نجيب محفوظ؛ بل لشخصه أيضًا.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design