من وراء حجاب..بقلم / امجد فيتيان

صحوت من سباتى على من ينادينى ؛ لم أستطع تمييز صوت المنادى ولكنه ليس بهو الغريب عنى،جررت نفسى جرْا حتى بلغت باب المنزل وجدت أمامى أبى بوجهه المضئ يحثنى على أن أفتح له الباب بسرعه كأنه قادم من رحلة سفر طويله وسيعاود السفر وكأنى أنا الاخر عدت من مكان بعيد لا أعلم عنه شئ …
ما إن فتحت الباب حتى أسندت كل جسدى فى أحضانه ،وضمنى فى أحضانه كوليدا لم يمضى فى الحياه غير ثوانى معدودة ، تمايلت وتراقصت بين يديه كأوراق الشجر عنما يتلاعب بها نسيم الليل ،أرتميت إلى عنق أبى أضرع اليه والدموع تترقرق فى عينى ألا يغادرنى مرة اخرى، قولت له بصوتا يملئه النحيب إن أشواك الحياه صارت تخدشنا فتمزق أثوابنا وتجرح أجسادنا..
كان صامتا لم يبدى كلمة واحده،كان يتكلم بيديه يمسح بها على جبينى ثم يعاود ويمسح بها على رأسى وكأنه لم يراهما من قبل والدموع تسيل من عينيه الواسعتين الملونتين كفيضا من الماء العذب ، كان يضمنى إلى صدره بقوه ليكبت بها ألام فراقْا قاسية موحشة .
” واحشتنى قوى يا ابنى ” أول ما خاطبنى به أبى بعد عناق وأحضان وقبلات إستمرت وقتا طويلا؛ كان يروى ظمأه من كئوس الاشتياق ، إنحنيت لاقبل يديه كما كنت أفعل فى الماضى لم أتركها إلا وأغرقتها بالدموع ،تلك لم تكن من الآحداق بل كانت من أعماق الفؤاد رويتها بحنان جارف وعواطف رقيقه وأحاسيس فياضه حتى إستحال لها العيش بعيدْا عنك فصارت تتدفق كالمطر المنهمر..
فى تلك اللحظه أحسست أن كل شيئا فى نفسى مشرقْ ،كانت نفسى بما يشبه العيد بهجة وحبور ،الشمس أكثر دفء والسماء أكثر صفاء وأنا كمثل الطائر يغرد بين الآغصان ليعزف سيمفونية الحياة التى ولدت من جديد ، شعرت أن كل كائنات الارض تجلت أمامى الطيب منها والخبيث يعانقون سعادتى، أحسست أن الملائكه ترفرف بأجنحتها كأنها أسراب من الطيور تضرب بها كل الشياطين التى تحاول التصنت علينا.
لم تتغير ملامح أبى بعد، شكلة الوقور وهيئتة الجادة وإبتسامتة الرقيقة ولحيتة البيضاء الكثيفة غمرت وجهة فغطت على خدودة المتوردة إلا أن وجهة إزداد بياضا من ذى قبل وباتت ملامحة أكثر شبابا ونضرة ،عيونة مطمئنة وجدتها أكثر لمعان وإشراق..
وجدته كمثل يوم فرحى ضاحكا مرحا ، لا يوجد من هو فى الارض أسعد منة وفى ثوانى خاطفه مليئه بالصمت جذبنى أبى إليه بشدة ،أحسست من قوتها أن صحتى مضعضعة وأنى ضعيف شديد الضعف قائلا بقوه:
-ألا ترضى بقدر الله؟!!
– ومن لا يرضى بقدر الله يا أبى؟!!
– أترفض موتى وتسخط على حقيقة قضاها الله فى عبادة؟!!
– إن الرضا لا بد أن يكون بتسليم القلب والعقل لما قدره الله ،كل الآوجاع والصرخات وكل الآلام والعذابات تمضى إلى سراب لآنها فى النهايه لا تغير الحقائق أو تجرؤ على العبث بها …
– كل ما تفعلة يا بنى لن يعيدنى إلى الحياة التى تركض فيها ؛ الآهات لو مكثت طيلة عمرك تطلقها من فمك لن تميت إلا قلبك ولن تعود بها إلا وأنت فارغ الكفين؛ ما ظننت فيك هذا السخط والجزع ولو لحظة واحده، الرضا يجلب الخيرات من ينبوعا لن ينضب أبدا كمثل أشعة الشمس لن تجد فيها نورا باهتا.
– ما أشقى الحياة بدونك وما أكثر أحزانها يا أبى ، كثيرا ما أشعر بحزن شديد حينما أكون وحدى ولا سيما عند الغسق حيث تهب نسائم الماضى ،أستعيد ذكريات الأمس بسعاتها السعيده والحزينه ،ينجبس كل شئ فى ذهنى ،كأن الذكريات تنبع من خلال ضباب ، أرى بخيالى الوجوه المألوفه ولاسيما وجهك وأحسب أحيانا أننى أراه بعينى فعلا ،وأكثر ما هو عالقا فى ذهنى هى تلك النظرة التى فارقتنا بها فى تلك الغرفه التى كان يفوح فيها رائحة الموت …
– أتتذكرها يا أبى؟!!
– كيف لى ان أنساها ؟!! كنت وأمك حبيبة القلب فى الغرفة معى ،كنت عن يسارى وتاج رأسى أمك عن يمينى
– كنت أود أن أتحدث اليك ولكن رسل الموت لا يريدون لآحد أن يخترق عالمهم ،كنت أود أن أطمئنك أنى غير غاضبا منك عندما وضعت يدك على ظهر يدى فأبعدتها ليس لنفورا منك ولكنى كنت أود أن أودعها ،كنت أخشى من أن تذهب اللحظات الآخيره سدى دون أن تدرك رسالتى لها ، الرساله التى سوف تمنحها القوة لتقوى على ذاك القدر القاس المر الحزين …
– بعدها يا أبى وجدت يدك تمتد ببطء شديد نحو يدي أمى ،كنت فى عناء كبير لتصل إلى أحد أصابعها وبكاء أمى وقتها لا يكف عن سيله حتى ان أحد قطرات دموعها سقطت فبللت ظفر أصبعك ،فوجدت فى عينيك دمعة ساكنة لا تريد أن تهوى كباقى الدموع ونظرة حب عميقه تتمنى أن تطول ولكن عمرها قصير فقد أن الاوان لها أن تغرب ، ثم هممت بكل عزيمه كما تعودتها منك بطرف أبهامك لتمسح به على ظهر يديها .
– لم أتمالك نفسى وقتها ولم تتمالك حبيبة عمرك نفسها وأخذ كلا منا يقبل كلتا يديك ، أخذ كلا منا يصرخ فى جوفه حتى لاتشعر به فـتتأذى منه ،كنا نعلم جيدا أن الموت يدنو وأن عقارب الحياة باتت تقترب من ساعة الرحيل ، كنا نعلم أن الملائكة قد أعدت كل شئ هم من حولنا لا نعلم عددهم ولكن نشعر بوجودهم ، أنها ارادة الله وهو العلى القدير يحدد مصير كل إنسان هذا حى وذاك ميت …
– لا أنسى يا بنى ، لا أنسى ،عندما أبت حبيبة عمرى أن تغمر تلك الدمعة عيونى ،صرخت فى وجهك لكى تحضر لها شيئا تمسح به،كنت أود أن أتكلم وأحدثها لكى تطمئن ويهدأ روعها ولكن الموت عندما ينقض على صاحبه يجعله أخرس مع أننى لم أولد هكذا ، لم تنتظر منك ما طلبتة فانكبت علي دون وعى وأمسكت برأسى وضمتها الى صدرها وأخذت تمسح بطرف ردائها تلك الدمعه حتى رأيت روحى تصعد الى حيث شاء خالقها.
– لماذا تتجه نحو الباب وتدير ظهرك لى يا أبى؟!!
– لم يعد هناك وقتا كافيا فلابد لى أن أعود ،دعنى أودعك وتذكر أننى فى حياة وأنت فى موت فالاحياء أموات مادامت أرواحهم فى أجسادهم والآموات أحياء مادامت أرواحهم خارج أجسادهم ، ينبغى عليك أن تدرك ما فعلته لاحضر اليك حتى لا تسقط فى تلك الرزيله الممقوته ،ما كان لك أن تستلم للقنوط واليأس فكلاهما يقود المرء إلى الكفر وإلالحاد ،عد إلى الايمان الذى ضعف بعد موتى لعله عندما يقوى ستقهر أمواج السخط المتلاطمه.
– أبى دعنى أقبل يدك قبل أن ترحل، عليك أن تقبل أيادى الرضا حتى تلقفك من ويلات الهموم والكروب
أبى …..أبى…أين أنت….أين أنت
ما هذا ياربى؟!! أهذة رؤيا ؟!! أم أنه حديثا من وراء حجاب؟!!

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design