الأمن المعلوماتي جزء من الأمن القومي الجزء 1

بحث كتبه: أ.د. محمد البخاري
على أعتاب الألفية الثالثة حدثت ثورة حقيقية في مجالات المعلوماتية والاتصال، رافقها تبدلات جذرية في تصورات البشرية المعاصرة عن الإعلام والمعلوماتية والاتصال. رافقها دخول الحاسب الإلكتروني قيد الإستخدام الواسع، وأدى تطور تكنولوجيا المعلوماتية الحديثة إلى حدوث قفزة نوعية نحو الأمام في مجالات: التعليم، والتجارة، والصناعة، والبحث العلمي، والعلاقات الدولية.
ومنذ وقت قريب فرضت تطبيقات نظريات الإتصال والمعلوماتية أهمية توفير أمن الوطني، مع التركيز على الجوانب العسكرية منها. لتصبح اليوم واقعاً اقتصر على الثورة العلمية والتقنية التي أدت إلى تشكل مجتمع معلوماتي أصبحت فيه المعلومات عاملاً رئيسياً للإدارة، ومن الأدوات التي تستخدمها السلطات في العالم المعاصر.
وغدت التبدلات الإجتماعية العالمية التي جرت في العالم المعاصر مع نهاية القرن العشرين، تتطلب تحليل موضوعي وإيجابي للوسط المعلوماتي في المجتمعات الدولية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن مشكلة توفير الأمن المعلوماتي في معظم دول العالم لم يجري الإهتمام بها، بل على العكس كان يجري التغاضي عنها، ويعتقد أنه من الممكن حلها عن طريق الحلول والقيود المفروضة بسرية تامة. وعلى سبيل المثال جرى في روسيا خلال تسعينات القرن الماضي الإهتمام بهذه المسألة وأنشأت لهذا الغرض لجنة مشتركة من مختلف الإدارات الحكومية للإهتمام بالأمن المعلوماتي ضمن مجلس الأمن القومي الفيدرالي الروسي. وأعدت مشاريع عكست في مضمونها أساليب ووسائل وطرق حماية المصالح الحيوية للأفراد، والمجتمع، والدولة، على الساحة المعلوماتية العالمية المفتوحة في عالم اليوم.
وغدت الأوضاع السياسية والجغرافية تفرض الحاجة لإيجاد مدخل مبدئي جديد للنظر في مشاكل توفير الأمن القومي، وتحليل مضامين ومراحل تطور كل المسائل السياسية الجغرافية، والأهم بينها كانت مسائل المعلوماتية. وأصبح معها طبيعياً اليوم أن إثبات الظروف الواقعية لتحقيق الأهداف الإستراتيجية للدولة مرتبط بقدراتها المعلوماتية. وشهدت على ذلك نتائج الحرب الباردة التي جرت بالوسائل المعلوماتية وحققت من خلالها الولايات المتحدة الأمريكية التفوق على الإتحاد السوفييتي السابق في المجالات العسكرية وأدت إلى هزيمة الإتحاد السوفييتي في المجالات المعلوماتية. ومن ضمن هذا المجال نستطيع فهم تقييمات القيادة العسكرية والسياسية في الولايات المتحدة الأمريكية لدور المعلوماتية، وفهم أسباب زيادة إنفاقها على مجالات تطوير وترشيد تكنولوجيا المعلوماتية، وهو ما يوضحه أنفاق الولايات المتحدة الأمريكية نحو 8 مليار دولار أمريكي على اقتناء تكنولوجيا المعلوماتية في عام 1980، وزيادة هذا الإنفاق في عام 1994 لأكثر من 25 مليار دولار أمريكي.
وإذا حاولنا القيام بتحليل إيجابي للأسباب السياسية لهزيمة الإتحاد السوفييتي في الحرب الباردة، فيجب علينا الإشارة إلى عدة عوامل:
– اقتصادية؛
– وسياسية؛
– وأيديولوجية؛
– واجتماعية؛ وغيرها.
بالإضافة لعدم قدرة القيادة العسكرية والسياسية في الإتحاد السوفييتي السابق على تقدير دور وأهمية العوامل المعلوماتية، وغياب فاعلية استخدام تكنولوجيا المعلوماتية في الصراع، وغيرها من العوامل. لماذا ؟ لأن الولايات المتحدة الأمريكية حتى بداية ثمانينيات القرن العشرين زادت من دور وتأثير نشاطاتها المعلوماتية النفسية من خلال العمليات النفسية التي شنها نظامها للأمن القومي. وما أن تم انتخاب الرئيس رونالد ريغان حتى قدم استراتيجيته للأمن القومي التي تضمنت أربعة اتجاهات:
– دبلوماسية؛
– واقتصادية؛
– وعسكرية؛
– ومعلوماتية.
وتم التركيز فيها على العناصر المعلوماتية والمحافظة عليها في الوثائق اللاحقة لمسائل الأمن القومي. وفي كانون ثاني/يناير عام 1983 وقع رونالد ريغان على نظام “قيادة الدبلوماسية الحكومية، المرتبطة بأهداف الأمن القومي”. وأعطى النظام حرية واسعة للنشاطات الدبلوماسية الحكومية، وأكد على أن “يتضمن إجراءآت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية الموجهة لدعم سياسة الأمن القومي الأمريكية”. وهذا يعني أن النظام أصبح يقوم بتنظيم وتنفيذ دائرة واسعة من الإجراءآت المعلوماتية والثقافية. ووفر هذا النظام الظروف المناسبة لإعداد آليات تخطيط وتنسيق النشاطات الاجتماعية، والمعلوماتية، والسياسية لإدارة الولايات المتحدة الأمريكية، والمسائل المتعلقة بالإعلام والبث الإذاعي المسموع والمرئي.
وقام جورج سوروس في عام 1987 بأول محاولة للدخول إلى الساحة المعلوماتية في اتحاد الجمهوريات السوفييتية الإشتراكية بغرض تنفيذ برنامج ريغين لمكافحة “إمبراطورية الشر” (اتحاد الجمهوريات السوفييتية الإشتراكية) والعناصر المعلوماتية لخطة الأمن القومي الأمريكية. وكان جورج سوروس قد حصل على شهرته العالمية لأول مرة في عام 1992، بعد العمليات المالية التي قام بها، وأحدثت إنهياراً كارثياً في سعر صرف الجنيه الاسترليني. وبلغ دخله من هذه الأزمة نحو 2 مليار دولار. استخدمها لإنشاء صندوق سوروس للعمل على ساحة الدول الإشتراكية السابقة في شرق أوروبا وكانت روسيا من ضمنها أيضاً (وفي الوقت الراهن يعمل هذا الصندوق في أكثر من 30 دولة، واستطاعت بيلاروسيا فقط التصدي قانونياً لنشاطات هذا الصندوق، الذي كانت تتم من خلاله عمليات تمويل نشاطات المعارضة للرئيس).
ومع وصول إدارة رونالد ريغان إلى قمة السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية، جرت في نفس الوقت تبدلات جذرية في نظرية تطبيق التأثير المعلوماتي. وبدأ عصر الصراع العالمي على الوعي الجماهيري للشعوب باستخدام أحدث تكنولوجيات المعلوماتية من خلال تنسيق نشاطات كل الأجهزة الحكومية والاتحادات العابرة للقوميات. وفي عهده أصبحت الأجهزة الحكومية تستخدم إلى حد متنامي كمراكز تنسيق موجه للتأثير المعلوماتي والنفسي. والدور الرئيسي في عملية تنسيق نشاطات أجهزة التأثير المعلوماتي والنفسي الذي أصبح يلعبه مجلس الأمن القومي في الولايات المتحدة الأمريكية. وكانت وظيفة مجلس الأمن القومي في عقيدة “الدعاية النفسية للأمن القومي” كفقرة مركزية في نظام العمليات النفسية إلى جانب الإدارة الحكومية، والمنظمات الدولية، وإدارة التجسس المركزية، ووكالة المعلومات في الولايات المتحدة الأمريكية (يوسيدا). ورافقها ظهور آليات التنسيق العالمي للتأثير المعلوماتي النفسي على المجتمع الدولي، وشملت:
– رئيس الولايات المتحدة الأمريكية؛
– ومجلس الأمن القومي؛
– والوزارات (والإدارات)؛
– ومنظمات الولايات المتحدة الأمريكية العاملة على الساحة الدولية.
ومن دون شك، جاءت نشاطات أجهزة المعلوماتية النفسية (الحكومية، والمنظمات الإجتماعية والتجارية) بثمارها: لتسيطر الولايات المتحدة الأمريكية في الوقت الحاضر على الساحة المعلوماتية العالمية. ولم تزل الولايات المتحدة الأمريكية حتى اليوم تسعى بمساعدة شبكة الإنترنيت المتطورة لفرض استراتيجية تفوقها على الساحة المعلوماتية العالمية خلال القرن الـ 21.
يتبع الجزء 2

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design