التخطي المعلوماتي للحدود القومية والوطنية

كتبها: أ.د. محمد البخاري
يثير التخطي المعلوماتي للحدود القومية والوطنية تساؤلات محورية وأساسية ومهمة لكل المجتمعات، بغض النظر عن وضعها الثقافي والاجتماعي والسياسي والإقتصادي والمشاكل التي تواجهها أو الضغوط التي تتعرض لها.
وتتصل هذه التساؤلات بعدد من القضايا الأساسية، وهي:
– السيطرة الثقافية؛
– والإنتاج الثقافي؛
– وتوزيع الإنتاج الثقافي؛
– والوصول إلى المعلومات السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية للدول الأخرى؛
– وخلق نظام إعلامي عالمي جديد؛
– وتنظيم عمليات تدفق البيانات عبر الحدود الوطنية، والتحكم بها عن بعد؛
– وتحديد سياسة الدولة في المجالات الإقتصادية والثقافية والإجتماعية والسياسية؛
– وتنمية الطاقات الوطنية والتكنولوجية والإنتاجية؛
– وإعادة بناء فهم ما هو وطني وما هو قومي بالمعنى الثقافي والتاريخي والتراثي وغيره.
ولهذه القضايا المطروحة للبحث دائماً بعدها العالمي وانعكاساتها على معظم دول العالم، إلا أنها تبدو بالنسبة للعديد من الدول النامية، أكثر ضغطاً وإلحاحاً لآن دول إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط خاصة، هي بالمعنى الجوهري من الدول التي بمعظمها قد إستقلت حديثاً وما زالت تعاني من مشاكل التخلف الموروثة عن العهود الإستعمارية.
ونضيف إليها الدول المستقلة حديثاً بعد إنهيار المنظومة الإشتراكية والإتحاد السوفييتي السابق، والتي لم تزل تعاني من مشاكل الإنتقال من النظام الإشتراكي، إلى النظام الديمقراطي الحر، وإقتصاد السوق، والسيادة الوطنية، وتسعى حثيثاً لإيجاد مكان لائق لنفسها في النظام الإعلامي العالمي، وللمشاركة الفعالة في عملية التبادل الإعلامي الدولي.
وتساعد وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية الدولية، على تكوين المواقف من القضايا المطروحة، أو تضخيمها. وتلعب دوراً كبيراً في عملية التغيير السياسي والإجتماعي والثقافي والفكري، لدى القراء والمستمعين والمشاهدين.
كما وتساعد وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية الدولية في تدعيم سلوك الجمهور الإعلامي من موقف معين، أو التشكيك به، أو رفضه، أو تغييره لصالح موقف جديد. وهذا متوقف على مدى تكثيف الحملات الإعلامية والوسائل المستخدمة فيها، ومدى وضوح موقف مستقبل الرسالة الإعلامية من القائم بالإتصال. أو تعرض مستقبل الرسالة الإعلامية لموقف إعلامي غير متماسك أو لصور نمطية سبق لمستقبل الرسالة الإعلامية وتعرض لها، ومدى تحيزه لمضمون الرسالة الإعلامية بحد ذاتها.
ولابد للقائم بعملية الإتصال من معايير خاصة يعتمد عليها، من أجل الوصول إلى فاعلية أكبر من الحملات الإعلامية الدولية، وإمكانيات أكثر للوصول إلى الأهداف المرسومة للحملة الإعلامية. ولابد من مقاييس يعتمد عليها المخططون للحملات الإعلامية، والقائمون بالإتصال لتحديد مدى نجاح أو فشل الحملة الإعلامية.
ومن تلك المعايير القدرة على التصدي للإعلام المضاد الموجه لنفس الساحة الإعلامية مثلاً، ومدى قدرة وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية الدولية المستخدمة من قبل القائمين بالإتصال على إنتزاع المبادرة من الإعلام المضاد والتوجه إلى الجمهور الإعلامي بشكل أكثر فاعلية في المواضيع المطروحة.
ويعتبر المعيار لقياس راجع صدى الرسالة الإعلامية، ومعرفة مدى نجاح الحملة الإعلامية من الأمور الهامة جداً. ولو أن الظروف الدولية من تأزم أو إنفراج في العلاقات الدولية، تعتبر من الأمور الخارجة عن نطاق المعايير الإعلامية، ولكن الحملات الإعلامية قد تؤدي في بعض الحالات إلى إنفراج أو خلق أزمات في العلاقات الدولية المتشعبة.
ومن المناهج المستخدمة لقياس راجع الصدى في الحملات الإعلامية الدولية، نذكر:
– المناهج الإستقرائية: التي طورتها إدارة الإعلام والتعليمInformation and Educational Division في جيش الولايات المتحدة الأمريكية من خلال البحوث التطبيقية التي أجرتها إبان الحرب العالمية الثانية، وأعقبتها أبحاث هوفلاند وزملائه. وجرى من خلال تلك الأبحاث قياس تأثير الإتصال من خلال التجريب المحكم بالتركيز على العناصر التالية:
– القائم بالإتصال: إذ تبين أن تأثير الرسالة الإعلامية يزداد في حالة إذا كان القائم بالإتصال ينقل مواقف تتماشى ومواقف مستقبل الرسالة الإعلامية. وأن المستقبل يبدأ بنسيان مصدر الرسالة الإعلامية، أو القائم بالإتصال بعد مدة وجيزة، وهو ما أطلق عليه إسم الأثر النائم وأنه هناك عوامل مساعدة أخرى لزيادة التأثير الذي يمارسه القائم بالإتصال، على مستقبل الرسالة الإعلامية كالسن والجنس والمظهر الخارجي للقائم بالإتصال.
– الرسالة الإعلامية: إذ تبين أن زيادة فاعلية الحملة الإعلامية الدولية يمكن أن يتم في حال إذا تماشت الرسالة الإعلامية مع أهداف الحملة الإعلامية الدولية، وإحتياجات مستقبلي الرسالة الإعلامية، والقيم السائدة والمواقف الفكرية والأراء والمعتقدات الخاصة بهم. ولوحظ أيضاً أن العرض الجزئي للمشكلة أكثر تأثيراً على المستقبل إذا كان محدود الثقافة والتعليم. وأن عرض المشكلة من كل جوانبها يكون أكثر تأثيراً على المستقبل الذي حصل على نسبة أعلى من التعليم والثقافة، أو إذا كان المستقبل يعارض مبدئياً مضمون الرسالة الإعلامية، وهذا يمكن أن يساعد على تحصين المستقبل ضد الدعاية المضادة، فيما لو روعيت عناصر إختيار المصادر الإعلامية، والطريقة التي يتم من خلالها عرض الرسالة الإعلامية، مع التطورات السابقة واللاحقة للقضية المطروحة.
– الوسيلة الإعلامية: إذ تبين أن الرسالة الإعلامية والوسيلة الإعلامية مرتبطتان الواحدة بالأخرى، لأن طريقة عرض وتقديم الرسالة الإعلامية مرتبط بالتأثير الإعلامي إلى درجة تعادل أهمية الرسالة الإعلامية نفسها. وأنه لابد من مراعاة مدى إنتشار كل وسيلة إعلامية جماهيرية في الأوساط المستهدفة من الحملة الإعلامية الدولية قبل إستخدامها، وإختيار الوسيلة التي يمكن أن تعطي أكبر قدر ممكن من التأثير والفاعلية الإعلامية. وهناك من يرجح الإتصال المباشر، ومن يرجح الإذاعة المسموعة، ومن يرجح الإذاعة المرئية، وهناك من يرجح المادة المطبوعة، وكلها إحتمالات يمكن الإستفادة منها في حدودها الممكنة.
– مستقبل الرسالة الإعلامية: ويتوقف على معرفة خصائص مستقبل الرسالة الإعلامية من النواحي الثقافية والفكرية والمعتقدات والمواقف السياسية وأنماط السلوك والسن والجنس والوضع التعليمي والوضع الإجتماعي والإقتصادي، والعنصري، والإقليم الجغرافي، والتنظيم أو النظام الذي ينتمي إليه.
– المناهج الإستنباطية: وهي المعتمدة على النظرية السلوكية، التي تركز على تغيير المواقف وتكوينها وتعديلها. ونظرية المعرفة، التي تعمل على شرح تكوين المواقف وتعديلها والتنبؤ بأثر عملية الإتصال، والتركيز على تعديل المواقف من خلال معتقدات وعواطف الفرد، وتحقيق التوافق المنطقي لمعارف الفرد، وكلها تعتمد على عملية الإتصال بحد ذاتها.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design