الإعلام الدولي وتكوين وجهات النظر

كتبها: أ.د. محمد البخاري
تساهم وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية الدولية في خلق التصور وفهم أو سوء فهم أو عدم فهم الشعوب لبعضها البعض، وقد تكونت هذه الظاهرة، كنتيجة حتمية لإنعدام التوازن في التدفق الإعلامي الدولي، ونتيجة للتشويه الناتج عن وصف الدول الأقل تطوراً، والدول النامية من خلال المواد التي تنشرها وتبثها مصادر الأنباء المسيطرة في العالم، بشكل سلبي يعطي تصور عن الإضطرابات والفوضى والعنف والفساد والفشل في تلك الدول.
وقد خلصت بعض الدراسات إلى أن قيام بعض الأفراد ببناء وتقويم التصور الذهني لدى الشعوب، تماثل عملية قيامهم ببناء الصورة الذهنية الواقعية. وأن قيمة أحكامهم ترجع إلى خليط من العوامل الجغرافية والسياسية والعرقية أو إلى جوانب أخرى عن هذه الدول. ويميل القائمون بالإتصال في الدول الغربية عامة، إلى التأكيد على الصراعات والأحداث المأساوية، مع التركيز على التأثيرات السلبية في تقويمهم للحكومات أو المجتمعات.
كما خلصت بعض الدراسات الميدانية إلى نتيجة مفادها، أن التعليم في كل بلد يظل العامل المستقل والمسيطر على عملية التنبؤ المعرفي، حتى بعد إضافة عوامل التعرض لوسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية. وأن الرجال أكثر ميلاً من النساء للتعرف على الخصائص الجغرافية والإجتماعية والإقتصادية المتعلقة بالبلاد.
ويتأثر التصور الذهني لدى الإنسان، من خلال أخبار العالم التي يتعرض لها بأوجه القصور التالية:
– أن الأنباء الدولية تركز على الغرب أساساً، لأن مصادر الأنباء هي غربية بشكل عام؛
– وأن التغطية الإخبارية للدول النامية تتم بطريقة سلبية واضحة؛
– وأن الأنباء الدولية تميل للتعقيد بدلاً من أن تميل للبساطة والوضوح.
ومما سبق كله نستطيع الخروج بخلاصة مفادها، أن التدفق الإعلامي الدولي يخدم ويؤكد أساساً تكوين التصور الذهني الإيجابي عن الغرب وحده. في نفس الوقت الذي يكون فيه التصور الذهني السلبي عن الدول النامية، رابطاً بين تلك الدول والجوانب السلبية من عنف وفساد وإرهاب وعنف وفشل … إلخ، من صور التشويه في إطار التدفق الإعلامي الدولي، وعملية التبادل الإعلامي الدولي.
ولمواجهة المشاكل التي خلقها التدفق الإعلامي الدولي للدول النامية، طالبت هذه الدول عبر المحافل الدولية بإقامة نظام عالمي جديد للتبادل الإعلامي الدولي. يحقق العدالة ويحسن وضع الدول النامية في عملية التدفق الإعلامي الدولي. وقد تحقق تحسن ملحوظ في إطار التدفق الإعلامي الدولي، بين الدول النامية والدول الصناعية المتقدمة، بعد ظهور بعض الأنظمة الإعلامية الجديدة، وإنشاء العديد من وكالات الأنباء التابعة للتجمعات الدولية والإقليمية. ومن ضمن تلك الوكالات:
– وكالة الأنباء الدولية (IPS) The Inter Press Service المتخصصة بتوزيع أنباء الدول النامية، والعمل على تدعيم وتشجيع ربط التبادل الإعلامي الأفقي بين الدول النامية، وتوزيع أنبائها على وسائل الإعلام في أوروبا وأمريكا الشمالية. وافتتحت هذه الوكالة مكاتب لها في أكثر من 60 دولة ثلثيها في الدول النامية.
وعقدت وكالة الأنباء الدولية IPS إتفاقيات ثنائية مع 30 وكالة أنباء وطنية في الدول النامية، لتبادل الأنباء بينها. إضافة لتركيزها على قضايا التنمية الإقتصادية والإجتماعية والعلمية، والتطور الحاصل في الدول النامية. كما عقدت وكالة الأنباء الدولية إتفاقيات مع عدد من وكالات منظمة الأمم المتحدة لتغطية أخبار أنشطتها المختلفة.
وتحصل وكالة الأنباء الدولية IPS على 70% من الأنباء التي توزعها، من مراسليها الموزعين في مختلف دول النامية. أما الـ 30 % الباقية فتحصل عليها من وكالات الأنباء الوطنية في الدول النامية، التي أبرمت معها إتفاقيات للتبادل الإعلامي، بالإضافة لبعض وكالات الأنباء الصغيرة.
وتوزع وكالة الأنباء الدولية IPS أخبارها يومياً، من خلال شبكتين رئيسيتين ناطقتين باللغتين:
– الإسبانية حوالي 30 ألف كلمة يومياً؛
– والإنجليزية 20 ألف كلمة يومياً.
إضافة لترجمة وتوزيع مجموعة مختارة من تلك الأنباء إلى اللغات الفرنسية والألمانية والعربية والبرتغالية والهولندية والنرويجية والسويدية.
وتوزع وكالات الأنباء الوطنية في الدول النامية وغيرها من المشاركة في شبكة توزيع أنباء وكالة الأنباء الدولية IPS الأنباء:
عبر الشبكة الناطقة بالإنجليزية: JANA ليبيا؛ INA العراق؛ WAM الإمارات العربية المتحدة؛ MANE نيجيريا؛ QNA قطر؛ TAP تونس؛ LAKAPUVAT سري لانكا؛ WAFA فلسطين؛ IPS – TAP تونس؛ IPS – JANA ليبيا؛ APA النمسا؛ GNA غرينادا؛ PNA الفلبين.
عبر الشبكة الناطقة بالإسبانية: VENPRESS فنزويلا؛ NOTIMEX المكسيك؛ TANJUG يوغسلافيا؛ COLPISA إسبانيا؛ ANN نيكاراغوا؛ IFDA دولية؛ P. L كوبا؛ BOLPRESS بوليفيا؛ ILET المكسيك؛ QNA قطر؛ COLPRESS كولومبيا؛ ECUAPRESS الإكوادور؛ INA العراق؛ JANA ليبيا؛ WAM الإمارات العربية المتحدة؛ PANAPRESS بنما؛ DOMPRESS الدومنيكان؛ NAN نيجيريا؛ RSS نيبال.
ومن كل ذلك نستنتج أن وكالة الأنباء الدولية IPS تشارك بشكل مختلف تماماً في عملية التدفق الإعلامي الدولي، وفي عملية التبادل الإعلامي الدولي، فهي تعكس الوضع في الدول النامية بكل مشاكله وتحدياته، وتسعى إلى خلق تأثير إيجابي في المعرفة والآراء وإتجاهات الرأي العام الدولي المتعلقة بقضايا الدول النامية.
وخلاصة القول، أن التدفق الحر للإتصال والإعلام في وضعه الراهن، ليس أكثر من تدفق لسيل من المعلومات بإتجاه واحد يخدم مصالح الدول الصناعية المتقدمة، المسيطرة على وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية الحديثة. وأن الدول النامية تنظر بقلق بالغ نحو واقعها المؤلم، والمتمثل بسيطرة الدول الصناعية المتقدمة على وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية الحديثة، ومصادر الأنباء وتوظيفها لصالح دعايتها على حساب المصالح الوطنية للدول النامية العاجزة إقتصادياً وتقنياً وعلمياً عن حل هذه المعضلة التي تقف عاجزة تماماً أمامها.
وأن التبادل الإعلامي الدولي بحد ذاته هو تبادل رأسي، لا يراعي متطلبات التبادل الأفقي بين كل دول العالم، وفي أكثر الأحيان يكون تدفقاً إعلامياً بإتجاه واحد، ووجهة نظر واحدة تعبر عن رأي القوي المسيطر فقط.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design