المخطوطات الإسلامية في جمهورية أوزبكستان – 5

كتبها في طشقند: أ.د. محمد البخاري
من نظرة متفحصة للمواضيع التي تناولتها المخطوطات الإسلامية الواردة في المجلدات الـ 11 من المعجم المفهرس للمخطوطات العربية والإسلامية في طشقند عاصمة جمهورية أوزبكستان، نرى أنها تناولت كافة المجالات العلمية المعروفة آنذاك، وهي: التاريخ، وتاريخ الأديان، والفلسفة، وحكايات الرحالة، وتراجم، ورسائل، ونظرية اللغة والأدب، والعلوم الحية كالرياضيات، والفلك، والفيزياء، والكيمياء، والمعادن، وعلم الحيوان، والطب، والجغرافيا والكون، والفنون: كالموسيقى، والخط العربي، والحرف اليدوية، والرياضة، والشعر، والنثر، والفولكلور، والتصوف، والموسوعات وغيرها من المجالات.
ودراسة تراث الأجداد في أوزبكستان، وليس الاستشراق كما تشير المراجع الروسية لم تنحصر في دراسة التراث الغني لعلماء ما وراء النهر طيلة فترة الاحتلال الروسي والسوفييتي من بعده، وفق المدخل العلمي للاستشراق الذي يخدم المصالح الاستعمارية الروسية، والتي قام بها مستشرقون روس قدموا إلى طشقند خصيصاً لهذا الغرض، إلى جانب المستوطنين من أبناء القوميات الأخرى في الإمبراطورية الروسية التي كانت قائمة آنذاك، وكان الهدف منها التعرف على عادات وتقاليد ونقاط ضعف الشعوب المحتلة لتسهيل مهمة السيطرة عليها، وحكمها، ونهب خيراتها، وسلبها ثقافتها وتاريخها.
بل جاءت عكس ذلك تماماً بعد أن تغير الوضع منذ دخول أبناء المنطقة عالم الدراسات “الشرقية” حتى خلال فترة الحكم السوفييتي، حيث تبدلت واختلفت نظرتهم تماماً عن نظرة المستشرقين الروس، في فهم مصطلح “الاستشراق” بشكل عام. فهم عندما يتناولون بالبحث المخطوطات التراثية القديمة، فهم يتناولون أعمال علماء كبار من أجدادهم المسلمين الذين حملوا يوماً ما عبء التقدم الحضاري في العالم الإسلامي خدمة للإنسانية جمعاء. وزاد هذا المفهوم وضوحاً بعد استقلال جمهورية أوزبكستان، وأصبحت تلك الكنوز العلمية التي حفظتها الإرادة الإلهية، وجهود بعض المخلصين من التلف والضياع، الشاهد الحي والملهم لإعادة كتابة تاريخ ليس أوزبكستان وحسب، بل ودول آسيا المركزية الأخرى (قازاقستان، وتركمانستان، وقرغيزستان، وطاجكستان) وأنحاء كثيرة من العالم الإسلامي المعاصر، وتنقيته من الشوائب والتحريف الذي لحق به خلال فترة عصيبة تعرض لها تاريخ الشعوب المحتلة في المنطقة، وتعرض خلالها تاريخهم إلى كل أنواع البلع والهضم والاستيعاب والتزييف وطمس الشخصية والذات القومية والثقافية.
وجاءت الدراسات والبحوث اليوم مختلفة عن دراسات الفترة الاستعمارية التي خضعت لها آسيا المركزية، فأخذت تلقي الضوء على الحقائق التاريخية، وعلى تاريخ العلوم والثقافة، التي عاشها هذا الجزء الكبير والهام من العالم الإسلامي حتى مطلع القرن العشرين، من خلال التعليقات العلمية وشروحات مضمون التراث الغني الذي تحفظه صفحات المخطوطات التراثية، وتدقيق الترجمات والنصوص النقدية. وتحقيق التراث في العلوم الحية، التي كتبها الخوارزمي، والفارابي، والبيروني، وابن سينا، وأولوغ بيك وغيرهم من كبار العلماء المسلمين. في محاولة جادة لإعادة كتابة تاريخ المنطقة من منظور جديد يعتمد الأساليب العلمية الموثقة، ابتداء من المصادر المبكرة التي تتحدث عن تاريخ نشر الدين الإسلامي الحنيف في ما وراء النهر، وبالتحديد مخطوطتي (“تاريخ الطبري”)، و”تاريخ بخارى” نارشاهي). إضافة للمخطوطات التي كتبها مؤلفون عاصروا الأمير تيمور والتيموريين من بعده، وصولاً للمخطوطات التي تتحدث عن تاريخ (الخانيات) الإمارات الثلاث (قوقند، وخيوة، وبخارى) حتى نهاية القرن 19، وإصدارها في سلسلة خاصة، إضافة للسلسلات الأخرى التي تتحدث عن تاريخ الأدب، والفن، والجغرافيا، ومذكرات الرحالة وغيرها من المخطوطات. مع متابعة إصدار الفهارس الموضوعية للمخطوطات الإسلامية، التي صدر منها حتى الآن مجلدين الأول وتضمن المخطوطات في التاريخ، والثاني وتضمن المخطوطات في العلوم الحية.
وتبقى التساؤلات الأكثر أهمية هنا، على من يقع واجب تمويل ومتابعة تلك الدراسات التي يقوم بها العلماء في أوزبكستان ؟ وما هو الدور الذي يجب أن تلعبه المؤسسات العلمية ومراكز البحث العلمي والعلماء في العالمين العربي والإسلامي ؟ وهل يجوز أن تقوم أوزبكستان التي بالكاد تجاوز استقلالها العقدين والنصف فقط وحدها بتمويل مشروع حضاري كبير يخص ليس أوزبكستان وحدها بل والعالمين العربي والإسلامي، لا بل والحضارة الإنسانية بأكملها ؟
وهي التساؤلات التي نترك الإجابة عليها للمنظمات الإقليمية والدولية المتخصصة، وللمهتمين الحريصين على الحفاظ على هذا التراث الإنساني النفيس، كحرص أبناء أوزبكستان اليوم على هذا الكنز الكبير الذي خلفه أجدادهم البررة للإنسانية جمعاء، وأنا مقتنع بأن كل من يظن أن علماء أوزبكستان سيتهاونون يوماً ما في المحافظة على ذلك التراث الغني ودراسته ونشره ليكون في خدمة الإنسانية جمعاء نقي صاف من الشوائب في عصر العولمة الثقافية وتداعياتها يكون مخطئاً.
تم البحث

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design