كوكب لبنان ومجرة العروبة

 

كتب : الدكتور محمود شوبر

لطالما شغلني التفكير ملياً بهذه الجغرافية الجميلة التي اسمها لبنان. بضع مئات من الكيلومترات منخفضة ومرتفعة ومنبسطة تتكئ معظمها على شاطىء البحر الأبيض. وتتنوع فيها الديانات والمذاهب مثلما هو الحال في معظم الحواضر المدنية بالعالم.

والذي أفكر به هو كيف لبلد صغير بهذه المساحة يكون كبير بعطائه الإنساني؟

سؤال طالما شغلني التفكير به وأنا أطل من نافذة سكني التي تطل على صخرة الروشة ،وأردد مع نفسي (لبيروت من قلبي سلام لبيروت لصخرة كأنها وجه بحار قديم)، أراقب زرقة البحر التي ماانفكت تغير لونها كل حين وحسب ماتجود به عليها أشعة الشمس التي تعطيها لمعان الفضة ونقاوة الكريستال.

ومن تلك الأسئلة التي تحيرني كيف لشعب قليل عدده أن ينجب عقل مثل جبران خليل جبران مثلاً، أو شاعراً مثل بشارة الخوري الذي نلقبه ب(الأخطل الصغير) أو حنجرة مثل فيروز التي قال عنها الزعيم الفرنسي الراحل شارل ديغول بما معناه(لو امتلكنا مثل هذا الصوت لاستطعنا توحيد أوربا)، أو الريس وديع الصافي قبطان البحر الذي تداعت له كل مراكب صور وصيدا وطرابلس محبة وعرفانا أو رجال دين مثل موسى الصدر أو فضل الله جذورهم من لبنان وفروعهم مورقة بأنحاء العالم.

في جلسة جمعتني بالدكتورة ماريا أنطون سعادة في إحدى الصالونات الأدبية التي تزخر بها العاصمة بيروت قلت لها حدثيني عن فكرة (سوراقيا) التي نادى بها والدك الزعيم الراحل للحزب القومي السوري. فظلت تحدثني وأنا أنصت لها ولكن فكرة السؤال الذي يراودني دائما عن هذا البلد تشوش عليه حتى صوتها،بحيث كنت أطلب منها بين حين وآخر معتذراً أن تعيد لي ماقالت، نعم كيف لهذا البلد الصغير أن يأتي بهكذا قامات عربية ما زلنا نفخر بها.

الحركات التنويرية العربية كلها مرت من أزقة بيروت . التحولات المصيرية التي نشهدها اليوم في عالمنا العربي كانت بيروت شاهدةً عليها. والأكثر من هذا أتذكر في يوم من الأيام استضافت بيروت مؤتمراً للمهاجرين لتقوية الأواصر بين أبناء البلد الذين هاجروا بسبب الحرب الأهلية والاحتلالات الإسرائيلية وغيرها من دواعي الهجرة وبين بلدهم الأصل لبنان وكان على هامش هذا المؤتمر استضافة (300)شخصية بين رئيس ووزير ،أصلهم لبناني ولكنهم يحكمون في بلدان العالم المختلفة.

الذي أردت قوله من خلال هذه السطور التي لاتفي حق هذا البلد العظيم، أن لبنان ليس بلد الصبايا والجميلات. وليس بلد الملذات كما يعتقد البعض ، لبنان هو المرجل الثقافي والفكري للأمة وهو القاعدة الصلبة التي ترتكز عليها أساسات التنظير العروبي والذي مافتئ ينهمر من جبال لبنان وسفوحها،وهو الواجهة التي نحاول من خلالها تجميل صورتنا نحن العرب .

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design