انحسار مخيف في ثقافة الفرح والحب والسَّلام في أرجاءِ الكون

صبري يوسف ــ ستوكهولم،
تاهَ الإنسانُ عن بهجةِ الفرحِ والحبِّ والسَّلامِ في الكثيرِ من أرجاءِ العالم، انخفاسٌ مرعبٌ في خاصرةِ الكونِ، جنوحٌ مريعٌ نحوَ خرابِ إنسانيّة الإنسان، ضياعٌ مخيفٌ عن أهدافِ الوجودِ، توهانٌ لا يخطرُ على بال عن جادةِ الصَّوابِ، يغوصُ العالمُ رويداً رويداً نحوَ القاعِ، ينزلقُ عميقاً، ينحدرُ إلى أسفلِ السَّافلين، من حيثُ إنحسار وضمور ثقافة الفرح والحب والسَّلام، مع أنَّنا الآن وعلى مستوى المعمورة قاطبةً، خاصَّةً في الشَّرقِ والعالمِ العربي المرير، بأمسِّ الحاجة لتعليمِ وترويجِ وتعميقِ ثقافة الفرح وثقافة الحبّ وثقافة السَّلام والوئام بين البشرِ كلّ البشر، ليسَ بالكلامِ فقط، بل بترجمةِ هذه الثَّقافة على أرضِ الواقع بالفعل، بحيثُ أنْ يكونَ هذا الهدف ضمن أهم استراتيجيّات الدُّول والبرلمانات في كلِّ أنحاءِ الكون، لأنَّي لا أرى على السّاحة العالميّة وخاصَّة في دنيا العالم العربي وما يجاوره، سوى تفشِّي “ثقافة” الكراهيّة والبغض والحقد الدِّفين، وتفشِّي الحروب والصّراعات المجنونة بشكلٍ مرعب، وكأنَّ مجيء الإنسان في هذه الدَّول والكثير من الدُّول الَّتي على هذه الشَّاكلة، هو من أجل العذاب والألم والأنين والقتل والموت البغيض والكراهيّة المقيتة والإنحطاط الفكري، إلى درجة أنَّ هذه الدُّول توحي لنا بممارساتها وكأنّها لم تدخل في القرن الحادي والعشرين، بقدر ما عادت إلى العصور ما قبل الحجريّة بكثير!
والسُّؤال البسيط الَّذي يضعُ النّقاط على الحروف هو الآتي، هل من المعقول أنّه لا توجد قوى كونيّة، عالميّة، محلِّيّة إقليميّة، تفهِّم هؤلاء المهابيل وأنصافِ المهابيل والمهابيل إلى درجةٍ لا تُطاق، أنَّ كلَّ هذه الإنجرارات نحو هذه البؤر العقيمة والمميتة من الدّمار وإندلاعاتِ النّار، ليست لصالح أيِّ طرف من الأطراف، هي لصالح بعض المرضى من بعضِ الأطراف الَّتي تؤيِّد هذه التُّرّهات السَّقيمة؟! فمنهم مَنْ يطبّق توجّهات خنفشاريّة لا تناسبُ أي بشر على وجه الدُّنيا، ومنهم مَنْ يتاجر بالسِّلاح ويريدُ افتراس النَّفط والغاز والإنسان وروعة الاخضرار والقائمة طويلة في استفحالِ الشَّراهات الافتراسيّة، ونسَى هؤلاء المفترسِين عن قصدٍ أو عن غباء، أنَّ الحياةَ لا تتحمّل كلّ هذه السَّخافات والصِّراعات القميئة الَّتي نراها متفشِّية في الكثيرِ من أرجاءِ المعمورة، حتّى ولو كانت آلهة الآلهة تطرحها، فكيفَ لو طرحها بعض البشر الجهلاء؟!
نسَوا إنسانيّتهم، كينونتهم، نسَوا الأهداف والأخلاق والقيم النَّبيلة الَّتي من أجلها خُلِقَ الإنسان على وجهِ الدُّنيا، نسَوا أنَّ جوهر الحياة يتمحور في العطاءات الخلَّاقة الرَّاقية، وليس بالقتل والعنف والعنف المضاد المهيمن على وجه الدُّنيا بشكلٍ بغيض وغير مقبول لأيِّ عاقلٍ على وجهِ البسيطة!
نحن في القرن الحادي والعشرين، قرن “الآيفون” الَّذي لا يتجاوز بضع سنتيمترات، مع هذا يستطيع المرء أن يطلَّ من خلالِه على الكون برمّته عبر كبسة زر أو لمسة خفيفة، فكيف جنَّ جنون البعض وكأنّهم خارجين عن سير التّاريخ، وخارجين عن جغرافيّة هذا الزّمن، ليدخلوا في زمنٍ معشَّشٍ بالرّماد!
كيف لم يفهم هؤلاء أنَّ كلَّ فعل أحمق لابدَّ أنّه يُفَهْرس ويُسجّل ويوثّق في قائمة الغباء الأزلي بحقِّ الكثير من البشر الحمقى، من حيث تثبيت وتوثيق ما نراه ويراه الجميع، فلماذا لا يقف الإنسان في كلِّ بقاعِ الدُّنيا وقفةَ رجلٍ واحد، ضدَّ بعض الجهلاء ويضعهم عند حدِّهم رغماً عنهم وعن ترّهاتهم ويعالج عقدهم المستعصية عن الحلّ، بأيّةِ طريقة من الطُّرق المناسبة للمجتمع البشري، قبل أن يستفحلوا في القارَّات ويرشرشوا سمومهم بشراهةٍ مشينة على الكثير من أبرياء هذا العالم؟!
الرُّدود بسيطة، والتَّبريرات كثيرة، تبريرات فعل الشَّر! ولكن مهما تكُنِ التَّبريرات مقنعة أو محاجِجة للردِّ على تساؤلاتي، فإنّه من غير المقنع أن يهجرَ هؤلاء الفرح، الحبّ والسَّلام ويغوصون في بؤرةِ الخرابِ والدَّمارِ، ويركّزون على القتلِ والنّارِ وإشاعةِ الرُّعبِ في قلوبِ البشرِ. لا أرى أي هدف لكلِّ هذه الممارسات سوى تشويه الدِّين وتشويه صورة الإله نفسه، فهل من المعقول أن يسمحَ الإله بهكذا ممارسات قميئة، وأسألهم ماهي الغاية في قتلِ البشر وكأنَّهم يصطادون الفراشات بالشِّباك ويتمتَّعون بجمالِ الفراشة أو كأنّهم في رحلة ترفيهيّة وهم يقصُّون رقابَ البشرِ بقلبٍ باردٍ وحارقٍ ولا يمتُّ للإنسان والإنسانيّة بصلةٍ على الإطلاق، فإلى متى سيُتْرَكون هؤلاء يسيرون في متاهاتِ غيِّهم وكأنّهم حالة طبيعيّة ومقبولة لدى البشر؟!
إنَّنا لو نظرنا إلى سلوكِهم الفرحي وانتصاراتِهم الوهميّة، وهم يدحرجون جماجم البشر ويلعبون فيهم بأرجلهم ككراتٍ، سنجدُ أنّهم يحتاجون إلى ملايين الأطباء النّفسانيين كي يقنعونهم أنّهم مرضى من العيارِ ما فوقَ الثَّقيل، لأنّهم لا يمكن أن يكونوا طبيعيِّين وهم يستمتعون بقتلِ البشرِ بهذه الطَّريقة المرضيّة، هذه اللّذة المرضيّة هي لذّة وهميّة عقيمة، وتولّد لهم حالات انفصام وخلل في المخِّ والمخيخ والذّاكرة والحياة لأنّهم أصلاً لا يعيشون حياتهم حياةً طبيعيّة، وإلّا لو فكّروا بالحياة الطَّبيعيّة لكانوا طبيعيّين وبحثوا عن الفرح، الحبِّ والسَّلام! وإنَّ كلّ كائن حي لا يركِّز عبر علاقاته وسلوكه وممارساته على هذا المثَّلث البديع الحبّ الفرح السَّلام مع الإنسان، مع البشر كلَّ البشر، هو إنسان مريض ويحتاج إلى معالجة ما بعدها معالجة!

ستوكهولم: 20. 3 . 2015
صبري يوسف
أديب وتشكيلي سوري مقيم في ستوكهولم
sabriyousef56@hotmail.com

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design