المخطوطات الإسلامية في جمهورية أوزبكستان – 3


كتبها في طشقند أ.د. محمد البخاري
زاد الاهتمام بالمخطوطات التراثية في أوزبكستان بعد تأسيس أكاديمية العلوم عام 1943، وانصب الإهتمام على النواحي الأكاديمية البحتة. وأنشأت أكاديمية العلوم لهذا الغرض معهد دراسات المخطوطات الشرقية في نفس العام، وأتبعته بجملة من الإجراءات الهامة للحفاظ على التراث المكتوب ودراسته، وترميمه وإصلاح ما فسد منه بفعل الإنسان وعامل الزمن، والتوسع في جمع المزيد منه عن طريق الشراء المباشر من المواطنين، بعد أن زال الخوف من العقاب الصارم الذي كان يتعرض له كل من يعثر بحوذته على أي كتاب أو مخطوط ديني كتب باللغة العربية أو بالحروف العربية، كما كانت الحال في السنوات الأولى للسلطة السوفييتية بفعل السياسة المعادية للأديان، التي كانت السبب المباشر لفقدان أعداد هائلة من الكتب المخطوطة التي اعتاد السكان الاحتفاظ بها في بيوتهم. وحدث هذا عندما شنت السلطات السوفييتية حملتها الشعواء ضد الأديان ورجال الدين، وأماكن العبادة في تركستان المحتلة، ضمن الجهود التي بذلتها لفرض سيطرتها على مستعمرات الإمبراطورية الروسية السابقة والتوسع عن طريق كسب المزيد منها، وظهر ذلك جلياً عندما أقدمت على احتلال إمارة بخارى عام 1920م.
وهنا لابد من الإشارة إلى ناحية هامة من تاريخ الاستشراق الروسي في تلك المرحلة، الذي كان منصباً أساساً على خدمة المصالح الاستعمارية، إضافة لخلق الأرضية التي احتاجتها سلطات الاحتلال السوفييتية لإحكام قبضتها على المنطقة عن طريق التقسيم، تحت ستار حجج واهية ومنها الفرز القومي، وحق تقرير المصير لشعوب المنطقة ! والتي كان من ثمارها تقسيم تركستان الروسية إلى الجمهوريات المستقلة الخمس المعروفة اليوم.
ومن أجل الحصول على المزيد من المخطوطات، قام المعهد بتنظيم حملات سنوية، على شكل إرسال بعثات من العاملين في المعهد إلى مختلف ولايات الجمهورية، للبحث عن مخطوطات جديدة بقيت سليمة في حوزة السكان واقتنائها منهم عن طريق الشراء، وشملت جهود البحث والاقتناء في تلك المرحلة المخطوطات القديمة ومطبوعات المطابع القديمة بتقنية الطباعة على الحجر. ولم تزل اللجنة الدائمة لاقتناء المخطوطات والمطبوعات الأثرية في معهد أبي ريحان البيروني للاستشراق قائمة حتى اليوم. رغم تبدل الظروف الاجتماعية والاقتصادية بعد الاستقلال، وحصول المواطنين وللمرة الأولى منذ أكثر من قرن من الاحتلال، على حرية التنقل والانتقال والسفر التي يتمتع بها الشعب الأوزبكستاني اليوم، بعد الستار الحديدي القاتم الذي فرضته السلطات السوفييتية عليه لأكثر من سبعة عقود متتالية، حرمت خلالها الأوساط العلمية والأدبية والثقافية من إقامة أية صلات مباشرة مع إخوتهم في العقيدة، وكانت كل الصلات محكومة من قبل موسكو وعبرها فقط. ولكن تمخض عن الوضع الجديد بعد الاستقلال تسرب المزيد من المخطوطات الهامة التي كانت لم تزل في حوزة المواطنين إلى الخارج، سعياً من أصحابها للحصول على المال دون تقدير للآثار السلبية الكبيرة على التراث الثقافي الوطني وضياع تلك الآثار القيمة التي بحوزتهم، وانتقالها من موطنها الأصلي كسلعة يستخدمها تجار ومهربي العاديات لتلبية حاجات المترفين من هواة جمع العاديات الأثرية في العالم الغني والدول المتقدمة، بدلاً من معاهد البحوث والدراسات الإسلامية.
ورغم الانخفاض الواضح والمتصاعد في أعداد المخطوطات والكتب الأثرية التي يقتنيها المعهد اليوم، يلاحظ أن لجنة المقتنيات تصادف في عملها اليوم بعض المخطوطات النادرة، ومن بين تلك المخطوطات الهامة التي اقتناها المعهد:
النسخة الكاملة من “القانون في الطب” وتضم الكتب الخمسة التي تعتبر من أهم أعمال الشيخ الرئيس العلامة حسين بن سينا، وتعود فترة نسخ تلك المجلدات إلى بدايات القرن 14 الميلادي.
ونسخة من كتاب “كالاندار نامة” الذي يشرح نظرية التصوف، نسخ خلال القرن 14 الميلادي أيضاً، و”ديوان أصلي” الذي يتضمن مجموعة شعرية للشاعر الخوارزمي مؤنس، تم نسخه في القرن 19 الميلادي.
وتحتوي مكتبة المخطوطات في المعهد وحدها اليوم على أكثر من 18 ألف كتاب مخطوط قديم، من بينها حوالي 40 ألف نسخة كتبت بالحرف العربي وباللغات: العربية، والفارسية، والتركية، خلال الفترة الممتدة ما بين القرنين 10 و20 الميلاديين. إضافة لمجموعة كبيرة من الوثائق الرسمية، تضم أكثر من 3000 نسخة أصلية من الوثائق الرسمية، ووثائق الوقف الإسلامي، والدعاوى الشرعية وغيرها من وثائق الفترة الممتدة من القرن 15 وحتى مطلع القرن 20، بما فيها وثائق رسمية لإمارة بخارى، وخانية خيوة، ومن المجموعات التي كانت بحوزة فياتكين وغيره من المهتمين بالتراث المخطوط لمنطقة آسيا المركزية. و أكثر من 30 ألف كتاب طبع على الحجر، وكتب أخرى طبعت بطريقة صف الحروف؛ ومن بينها مطبوعات صدرت في الهند، وإيران، وتركيا، وتتارستان، وغيرها من الدول. إضافة للمجموعة الكاملة لإصدارات مطابع آسيا المركزية، خلال الفترة الممتدة من سبعينات القرن التاسع عشر وحتى عشرينات القرن العشرين وتشمل ما صدر في مطابع كاغان (إمارة بخارى)، وخانية قوقند، وسمرقند، وفرغانة (سكوبيليف سابقاً)، وطشقند، وخانية خيوة.
وبناء على قرار مجمع العلوم تم في عام 1999 دمج معهد حميد سليمان للمخطوطات مع معهد أبي ريحان البيروني للاستشراق، وسلمت للأخير مجموعة المخطوطات التي كانت بحوزة المعهد المذكور والتي تضم حوالي 25 ألف نسخة مخطوطة، و12.600 كتاب مطبوع على الحجر.
ومن المخطوطات النادرة المحفوظة في المعهد اليوم:
النسخة الأصلية من “تاريخ الطبري”، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، المتوفي عام 310 هـ الموافق 922 م، والنسخة الأصلية لترجمته الفارسية لمترجم مجهول من بخارى.
ونسخة من كتاب “تجارب الأمم” نسخ عام 595 هـ الموافق لعام 1199 م، لابن مسكويه، المتوفي عام 420 هـ الموافق لعام 1030 م.
و”التاريخ الكامل” لابن الأثير المتوفي عام 360 هـ، الموافق لعام 1232 م.
و”جامع التواريخ” لرشيد الدين بن عماد الدولة.
و”تاريخ بخارى” لأبو بكر محمد بن جعفر النارشاهي.
والنسخة الأصلية من مخطوطة “مهمان نامة بخارى” لفضل الله بن روزبهان، و”بابور نامة”.
وفي الأدب مخطوطات للفردوسي، وسعدي، ودهلوي، وجامعي، وعلي شير نوائي، وجلال الدين رومي، وعمر الخيام، ومحمد بن سليمان فضولي البغدادي، والزمخشري، ومحمود القشقاري.
وفي العلوم نسخ من مخطوطات أبو بكر الرازي، وأبو نصر الفارابي، وأبو ريحان البيروني، وابن سينا، وياقوت الحموي.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design