المخطوطات الإسلامية في جمهورية أوزبكستان – 2

كتبها في طشقند: أ.د. محمد البخاري
تجب الإشارة هنا إلى حقيقة تاريخية لا تقبل الجدل، وهي أن تقاليد إقامة المكتبات العامة والخاصة وجمع والمحافظة على المخطوطات، فيما وراء النهر، كغيره من أجزاء العالم الإسلامي، تمتد بجذورها إلى فجر الإسلام والقرون الوسطى حيث شهدت منطقة ما وراء النهر حضارة إسلامية مزدهرة.


وتذكر المصادر التاريخية عن تلك الحقبة الزمنية من تاريخ العالم الإسلامي، أن المكتبات الغنية التي تركتها الدولة السامانية (204هـ-395هـ/819م-1005م)، والدولة الغزنوية (366هـ-582هـ)، والدولة التي أسسها الأمير تيمور “تيمورلانك” (771هـ-912هـ/1370م-1506م)، واستمر بها أحفاده من بعده وعرفت بدولة التيموريين، حتى سقطت آخر دولها في الهند على أيدي الغزاة الإنكليز في نهاية القرن التاسع عشر، والدولة الشيبانية (905هـ-1007هـ/1500م-1598م). وفي المدن الإسلامية العريقة بخارى شريف، ومرو، وسمرقند، وغزنة، وهيرات، وغيرها من الحواضر الإسلامية الشهيرة.
وشهدت الفترة الممتدة ما بين القرنين 17 و 19، في آسيا المركزية تشكل ثلاث دول، هي: إمارة بخارى، وخانية خيوة، وخانية قوقند، جمعت فيها المخطوطات في مكتبات قصور الحكام والمدارس، وفي مكتبات العلماء والمهتمين كمجموعات خاصة. وقد تعرض أ.أ. سيميونوف، لتاريخ تشكل مجموعة التراث المكتوب والمخطوطات النادرة لدى معهد أبي ريحان البيروني للاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الأوزبكستانية بإسهاب، في مقدمة المجلد الأول من فهرس “مجموعة المخطوطات الشرقية”.
وتحدث عن تلك المجموعة بإسهاب كذلك كلاً من س. عظيم جانوفا، ود.غ. فورونوفسكي في مقالاتهما الشاملة، إضافة لمقالات أ. أورونباييف، وك. منيروف وغيرهم.
وفي عام 1889م صدر فهرساً صغيراً لتلك المجموعة التي كانت صغيرة أيضاً تحت اسم “مخطوطات مكتبة تركستان العامة: باللغات الفارسية، والعربية، والتركية”، وضعه ي. ف. كاليم. وضم شروحاً لـ 87 مجلداً فقط، إضافة لـ 126 عنوان كتاب مخطوط، تحدثت كلها بشكل خاص عن تاريخ تركستان، وإيران، والهند، توزعت إلى 78 مخطوطة باللغة الفارسية، و19 مخطوطة باللغة العربية، و29 مخطوطة باللغة التركستانية القديمة المكتوبة بالحرف العربي.
وفي عام 1895 تم في طشقند تأسيس نادي تركستان لهواة الآثار، الذي ضم في عضويته بعض المستوطنين الروس المهتمين بالمخطوطات وجمعها من أيدي أبناء المنطقة. وتسلم هذا النادي في عام 1898 محتويات مكتبة محمد علي خليفة (دوكتشي إيشان) الخاصة، الذي أعدمته سلطات الاحتلال الروسية وصادرت ممتلكاته، وكان من بينها مكتبته التي احتوت على 194 مخطوطة، سلمت فيما بعد لمكتبة تركستان العامة.
وأخذت مجموعة المخطوطات تلك بالازدياد ولكن ببطء شديد، وضمت مخطوطات قيمة، من بينها نسخة من “جامع التواريخ” لرشيد الدين، التي نسخت أثناء حياته، وكانت من ضمن مجموعة جوره بيك، و”ظفر نامة” لشرف الدين علي يزدي، المزركشة برسوم منمنمة رائعة، والتي كانت ضمن مجموعة قاضي محي الدين في طشقند، التي سبق وعرضها صاحبها في العاصمة الفرنسية باريس عام 1897.
وبعد وصول البلاشفة إلى السلطة في روسيا، واحتلالهم لإمارة بخارى آخر دولة إسلامية مستقلة في تركستان، وقيام الاتحاد السوفييتي السابق. جرى تبدل ملموس في السياسة التي اتبعها الروس منذ بدايات اجتياحهم للمنطقة. وتبدلت سياسة عدم التعرض للأديان إلى حرب شعواء شنها الشيوعيون ضد الأديان، وبدأت حملة واسعة لمصادرة وإتلاف الكتب الدينية الإسلامية، ومعاقبة كل من يحاول إخفاءها. وتوجت تلك الحملة باستبدال الحروف العربية المستعملة آنذاك في الكتابة إلى الحروف اللاتينية. وأصدرت السلطات السوفييتية قراراً في نيسان/أبريل عام 1933، يقضي بحصر جهات استلام المخطوطات الإسلامية المصادرة أم المقتناة بجهة واحدة هي المكتبة العامة. ومنذ ذلك التاريخ بدأت عملية حصر وجمع المخطوطات من جميع أنحاء أوزبكستان وحفظها في المكتبة العامة بطشقند. فوصل من بخارى جزء من مجموعة المخطوطات الخاصة التي كان يملكها محمد بارس قبل وفاته في عام 822هـ/1419م.
ومن المجموعات الخاصة التي تسلمتها المكتبة العامة في عام 1934م: مجموعة المخطوطات التي كان يملكها رحمانوف وضمت 148 مجلداً مخطوطاً، ومجموعة أ. فطرت الخاصة وضمت 150 مجلداً مخطوطاً، وكان من بينها مجموعة نادرة من المخطوطات النفيسة، والنسخة النمنغانية لـ”كوداتغو بيلليك” التي خطها يوسف خاص حاجب بالاساغوني في القرن 11 الميلادي، وكانت حتى تاريخ تسليمها غير معروفة لا للمستشرقين السوفييت ولا للأجانب.
وفي نفس العام 1934 أيضاً تسلمت المكتبة مجموعة المخطوطات الخاصة التي كان يملكها خ. ظاريبوف وضمت 40 مجلداً مخطوطاً، وفي عام 1936 تسلمت المكتبة من ورثة الكتبي البخاري شرف جان مخدوم “ضياء” الذي توفي في عام 1935، مجموعة من المخطوطات القيمة بلغت بمجموعها حوالي 300 مجلداً مخطوطاً، ومن بينها كانت مخطوطة كتاب (“شرف نامة إي شاهي” – “عبد الله نامة”) التي كتبها حافظ تانيش البخاري في القرن 16، و(“مجموعي مراسلات” – “مجموعة رسائل”)، كانت قد وجهت إلى قصر التيموريين في هيرات، وخاصة للشاعر الفيلسوف الكبير علي شير نوائي. إضافة لفهرس كتبه شريف جان مخدوم بخط يده واحتوى على معلومات كاملة عن مجموعته من المخطوطات.
وشمل قرار تركيز تواجد وحفظ المخطوطات في قسم المخطوطات الشرقية بالمكتبة العامة الحكومية بطشقند، معهد أوزبكستان للبحوث العلمية بمدينة سمرقند، ومكتبات إمارة بخارى، وخانية خيوة وغيرها، التي قامت بدورها أيضاً بتسليم ما بحوزتها من المخطوطات الإسلامية، إلى قسم المخطوطات الشرقية بالمكتبة الحكومية العامة بطشقند. ولا أعتقد بأن أحداً يختلف معي في أن لتلك الخطوات التي اتبعت آنذاك، فضل كبير في حفظ ذلك التراث الإسلامي الكبير من العبث والضياع والتلف، وما كنا لنستطيع تسميته اليوم وبحق كنز كنوز المخطوطات الإسلامية في العالم.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design