المخطوطات الإسلامية في جمهورية أوزبكستان – 1

كتبها في طشقند: أ.د. محمد البخاري
عند الحديث عن المخطوطات الإسلامية الهامة في جمهورية أوزبكستان، لابد من أن يبدأ الحديث من النسخة الفريدة والأصلية من مصحف عثمان بن عفان (رض) المحفوظة في مكتبة الإدارة الدينية بطشقند، والتي يحتاج الحديث عنها إلى دراسة خاصة. وعن معهد أبي ريحان البيروني للاستشراق التابع لمجمع العلوم بجمهورية أوزبكستان، الذي سأتناوله بالحديث في هذا الفصل، والذي يعتبر من أغنى وأشهر المؤسسات العلمية التي تحتفظ بنفائس التراث العلمي والأدبي المكتوب بلغات الشعوب الإسلامية في عالم اليوم.
وكان معهد أبي ريحان البيروني للاستشراق قد تأسس في عام 1943 كمؤسسة للبحث العلمي المتخصص، لتحل محل قسم المخطوطات الشرقية الذي أحدثته سلطات الاحتلال الروسية، في المكتبة العامة بطشقند عاصمة تركستان الروسية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وكان لذلك القسم الفضل الكبير بجمع وحفظ ودراسة المخطوطات النفيسة التي كانت تعج بها المكتبات الخاصة ومكتبات المدارس الإسلامية المنتشرة في مدن وقرى ما وراء النهر قبل اجتياح جيوش الإمبراطورية الروسية للدويلات التي كانت قائمة في ما وراء النهر آنذاك. والهدف طبعاً من الإصلاحات الثقافية ونظام التعليم في المناطق المحتلة هو خدمة أهداف الاحتلال والضم والسلطات الاستعمارية فيها، والقضاء المخطط والمنظم على مؤسسات البنية الثقافية، ومؤسسات التعليم التقليدية فيها، لتحل مكانها بالتدريج المؤسسات الثقافية ومؤسسات وأنظمة التعليم الاستعمارية.
وعرف المعهد في بداية تأسيسه باسم “معهد دراسة المخطوطات الشرقية”، وسرعان ما تبدل فيما بعد ليصبح في عام 1950 “معهد المخطوطات”، إلى أن استقر أخيراً في عام 1957 على اسمه الحالي وهو “معهد أبي ريحان البيروني للاستشراق”.
ورغم اختلاف أهداف تأسيس المعهد التي رمت إليها سلطات الاحتلال الإمبراطورية الروسية وهي تكريس الاحتلال وتثبيت جذور السلطات الاستعمارية والاستيطان في المنطقة، وأهداف السلطات السوفييتية من بعدها، تلك السلطات التي تابعت سياسة الخداع والتمويه وإخفاء الأغراض الحقيقية على الشعوب الإسلامية الخاضعة لسلطتها. فقد استطاع المعهد منذ تأسيسه وحتى اليوم، أن يكوِّن مدرسة علمية وطنية حقيقة وجادة تهتم بدراسة التراث الأدبي والعلمي المخطوط لشعوب آسيا المركزية، والشعوب الإسلامية بصورة عامة، والمحافظة على التراث الضخم الذي تم جمعه من التلف والضياع، وتمكن المعهد من دراسة وإصدار ونشر مجموعة من الدراسات عن المخطوطات المحققة، وإعداد القوائم البيبليوغرافية للمخطوطات التي يحتفظ بها حتى اليوم، وتصويرها على شرائح شفافة تسهل عملية نقلها واسترجاعها ودراستها بفضل الرعاية التي حرص عليها العاملون في المعهد من أبناء المنطقة انطلاقاً من إدراكهم للهدف العلمي الجليل الذي أؤتمنوا عليه، وكأنهم كانوا على موعد مع القدر لتستخدم تلك الآثار الأدبية والعلمية والتاريخية النفيسة المحفوظة في المعهد لإعادة كتابة تاريخ الشعب الأوزبكي، وشعوب المنطقة اليوم بعد استقلال جمهورياتها الخمس (أوزبكستان، قازاقستان، تركمانستان، قرغيزستان، طاجيكستان)، والإسهام في تسليط الضوء على حقائق تاريخ شعوب آسيا المركزية عبر القرون، وإحياء تاريخ الدولة الإسلامية التي كانت في أوج ازدهارها يوماً ما، واستخلاص العبر من دروس وأسباب انهيار تلك الدولة، في دراسات مبنية على أسس علمية متينة وواضحة، ما كانت لتتم لولا ذلك الكنز التراثي الضخم الذي يحتفظ به معهد أبي ريحان البيروني إلى اليوم.
وبالفعل قام أتباع تلك المدرسة العلمية المتميزة عن مدارس الاستشراق الأخرى في العالم، من حيث الأهداف والمرامي، بأبحاث علمية شملت مختلف الاتجاهات العلمية، من التاريخ، إلى الأدب، وتاريخ العلوم، والثقافة، والمجتمع. مستمدة من تلك المخطوطات التي خلفها وراءهم علماء وجهابذة مسلمون في القرون الوسطى عاشوا في ما وراء النهر وأنحاء أخرى من العالم الإسلامي.


حيث قام المعهد بإصدار نشرات، وفهارس تحدثت بشيء من الشرح والتفصيل عن تلك المخطوطات الأثرية التي تعتبر من المصادر العلمية النادرة، وهو ما تعترف به المراكز العلمية الأخرى في العالم، والأوساط العلمية المهتمة بدراسة تاريخ التراث المكتوب للشعوب الإسلامية في كل مكان. ونتيجة للجهود العلمية المخلصة واعترافاً من الأوساط العلمية بتلك الجهود الكبيرة، حصل المعهد في مطلع الثمانينات من القرن العشرين، على جائزة أبو علي حسين بن سينا الدولية، التي أسسها الاتحاد السوفييتي السابق.
وتذكر المصادر التاريخية الحديثة أن أول ذكر لمجموعات التراث العلمي والأدبي المخطوط المحفوظة في أوزبكستان اليوم، يرجع لسبعينات القرن التاسع عشر، الذي يصادف تاريخ تأسيس أول مكتبة عامة في مدينة طشقند بعد الاجتياح والاحتلال الروسي لأجزاء شاسعة من تركستان، التي عرفت لاحقاً في أكثر المراجع التي تحدثت عن تاريخ المنطقة باسم تركستان الروسية. وضمت المكتبة بين أقسامها المختلفة قسماً خاصاً “للمخطوطات الشرقية” كما سبق وأشرنا، والمقصود “بالمخطوطات الشرقية” هنا عند المستشرقين الروس الدول الواقعة شرق أوروبا، أي العالم الإسلامي، والقارتين الآسيوية والإفريقية، فجاءت التسمية “الاستشراق” رغم وقوع أوزبكستان في دائرته، لأن الاستعمار في تلك المرحلة كان في أوج ازدهاره كما سبق وأشرت، والدول الاستعمارية ومن بينها الإمبراطورية الروسية تتطلع للمزيد من المستعمرات في الشرق المغلوب على أمره، والاستشراق كان واحداً من أدواته ووسائله وأسلحته الناجعة.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design