((ثقافة السلوك والسلوك الثقافي ))

 

د. مهند الشاوي – العراق

لقد أتاح التقدم العلمي و التقني للدول وانعكاسه على الأفراد، والتسارع في صنع وسائل الاتصال المسموعة والمرئية، ووسائط النقل على اختلاف أنواعها من الاتصال والتنقل والسفر بسهولة بين الدول عبر البحار والصحاري والقارات، الأمر الذي جعل الفرد يعي ويطلع على الكثير من مفردات العادات والتقاليد، والتطور الحضاري والسلوكي للشعوب والأفراد. وقد نتداول فيما بيننا أثناء رحلاتنا التي نقوم بها، أو عند العودة إلى بلداننا أو عند سؤالنا عن الانطباعات التي تولدت لدينا أو عند غيرنا عن تلك الدولة أو ذاك الشعب فنقول: رأيت أو سمعت أن الشعب الفلاني شعب مثقف! أو انه متحضر ومتطور في السلوكيات الحضارية! ترى كيف حكمنا على هذا السلوك؟ ومن أي منطلق انطلقنا؟ وما السبب الذي جعلنا نطلق كلمة الشعب المثقف أو المتحضر؟
وللدخول في هذا الموضوع كان لا بد لنا في البدء من معرفة الثقافة وماذا تعنيها؟

الثقافة Culture””و حسب ما جاء في “معجم المصطلحات العلمية والفنية هـي:
“كل ما فيه استنارة للذهن وتهذيب للذوق وتنمية لملكة النقد والحكم لدى الفرد أو في المجتمع”

والتثاقف هو:
“العملية التي يستطيع الفرد أو الجماعة عن طريقها اكتساب الصفات الحضارية لجماعة أخرى من خلال الاتصال أو التفاعل بينهما”.
أما بالنسبة للمجتمع فالتثاقف هو:

“عملية انتشار القيم والمقاييس والأحكام الاجتماعية إلى المجتمعات الأخرى مع تعرضها لعملية التبدل التي تجعلها منسجمة مع ظروف وأحوال المجتمعات التي دخلت إليها”.
غير أن هذه المقاييس والأحكام التي دخلت او تدخل إلى هذه المجتمعات غالبا ما تسبب لها ظواهر من الصراعات الحضارية، أي الصراع بين القيم الأصلية “من عادات وتصرفات وأعراف وتقاليد”، والقيم الدخيلة، التي ربما تكون نافعة او غير نافعة في بعض الاحيان.
وعلى أساس ما تقدم نرى إن الثقافة هي تلك المفردات السلوكية الأخلاقية، الاجتماعية المصاحبة للقول والفعل داخل مجتمع ما تختلف باختلاف المجتمعات وطرق معيشتها، والبيئات التي ينشا فيها الفرد أو الجماعة، عندها ستكون المفردات المكونة للتركيبة الاجتماعية تمثل العادات المتوارثة التي يتعلم ويتعود الفرد على أدائها سلوكيا بطريقة التراكم ألتعلمي، إذ أن العادات هي:
“روتين الحياة الحقيقية الذي يشهده الأفراد، ذلك الروتين الذي يتعلق بطبيعة اللهجة واللغة التي تستعمل في الحياة اليومية والتي تتفاعل مع الرموز السلوكية فتكون جملة ظواهر اجتماعية معقدة يصعب على العالم تدوينها أو وصفها أو تحويلها إلى أرقام، لكن يمكن مشاهدتها وقت حدوثها أو التكلم عنها”، وبهذا تصبح سلوكا وأسلوب معيشة.
نعود إلى ما قد بدأ في إطلاق الحكم أو النقد على سلوكيات المجتمعات التي نزورها ونطلق عليها بأنها مجتمعات مثقفة، وهو لفظ تعودنا على إطلاقه عند رؤيتنا لسلوك لطيف أو عند سماعنا لمفردات جميلة ولينة في التعامل تنم عن ذوق رفيع في التعامل، وتنظيم في العلاقات الاجتماعية.
إن الحصيلة المتأتية من هذا الموضوع لم تأتِ اعتباطا أو من خلال التربية البيتية أو البيئية حسب، بل إنها نابعة من وجود مُنظم حاكم لكل هذه التعاملات التي أضحت فيما بعد سلوك سياقات مجتمعية من يراه أو يسمعه يظنه فعلا نظام اجتماعي طبيعي، منظم. كيف ذاك؟

إن الحاكم الذي يسير كل هذه الأمور ويجعل السلوكيات منتظمة والمجتمعات متحضرة هو “القانون” نعم القانون، السر الحقيقي في تنظيم الفعاليات والعلاقات الاجتماعية وغيرها والذي يشكلها في هيكلية مرتبة تعكس الواقع الذي يعيشه الفرد في هذه البقعة او تلك، اذ هو صوت الحق الناطق، الذي ينطق بمجرد تطبيقه. فلو اخذنا بعض السلوكيات التي تعد بسيطة في نظر البعض وحللنا طريقة تنفيذها، ولماذا؟ لتوضحت أهمية مفردة القانون وتنفيذه! لناخذ مثلا ظاهرة التدخين في الاماكن المغلقة أو المزدحمة، إذ كم من مشكلة حدثت بسبب عدم احترام الغالبية من المدخنين لبقية افراد المجتمع في التدخين داخل الحافلات العامة او الخاصة، أو داخل غرف العمل (في الوظيفة)، لعلم المدخن ان لا احد يمكن انه يردعه، ولربما من يتحدث مع المدخن ليمنعه! يجد الجواب جاهزا “إذا ما يعجبك اخذ سيارة وحدك، أو (لتصعد بهذا الباص)، أو السيارة، أو لا تجلس هنا”، وبكل بساطة! وهذه كارثة ضد حرية الفرد في كسب الصحة والمحافظة عليها، وهو ما ينظمه القانون، القادر وحده والمسيطر عن طريق قرارات صريحة وواضحة يُلزم الجميع بتطبيقها تجاوزا للخلافات و المعارك التي من الممكن ان تحدث، وإذا ما طبقت هذه القرارات بشكلها القانوني والإنساني، فإنها ستغدو بعد فترة “تختلف بطبيعة اختلاف المجتمع”، سلوكا ثقافيا وحضاريا في عدم التدخين داخل الأماكن المغلقة أو الحافلات لأن الإنسان يعلم عند ذاك بأنه إذا ما خالف التعليمات سوف يعاقب بدفع غرامات وعقوبات قد تصل إلى السجن! وهذا هو السلوك التراكمي الذي يتعود فيه الفرد على تطبيق النظام مجبرا أولا، ومن ثم بقناعة، أو تطبيقا واحتراما للقانون الذي سُن واقر لخدمة الغالبية وليس الأقلية من أفراد المجتمع.
وهناك موضوع رمي الأوساخ أو الفضلات في الشوارع او أي من الاماكن العامة! أو رميها من الحافلات أو السيارات! أو ترك ما لا نحتاجه عند قيامنا بنزهة أو سفرة عائلية أو مدرسية أو غيرها! إنها بالتأكيد ظاهرة حقيقية موجودة بالفعل في مجتمعنا. فمن الذي يمنع هذه الظاهرة؟ انه بالتاكيد القانون! فلو نُظم نص قانوني يمنع رمي الاوساخ في الشوارع على ان يترتب على ذلك اجراءات صارمة لتنفيذه لاصبح من الممكن ان يُنفذ. قد يقول قائل:
ليس هذا بالممكن، وان هذه أحلام من لا يعرف مجتمعه؟ هذا ليس بصحيح بالتأكيد، لان الحقيقة غير ذلك بالتاكيد. ان المجاملات الجارية بين الأفراد، أو بسبب قناعة المنفذ ان لا امكانية في تحقيق مثل هذه الإجراءات، أو الخوف في أحيان أخرى، أو بسبب ضعف الرقابة التنفيذية للقرار، أو عدم وجود الصلاحيات الكافية للمنفذ، فضلا عن أهمية توفر الثقافة العامة في المراقب أو المنفذ والتي قد تساهم في تنفيذ القرار، هي التي أتاحت للمواطن عدم احترام تنفيذ القرارات. “ولأجل أن لا يفوتني القول من أن الرقابة هي فقط في البداية، إذ سرعان ما تنتفي الحاجة للرقابة بعد أن يغدو الفعل السلوكي سياقا تقليديا وصحيحا” فضلا عن توفر الإعلام والتثقيف العام بدأ من المدرسة والبيت.
إن زبدة القول هو اصدار قرار رسمي فيه توجيهات وعقوبات حقيقية “تسبقه حملة إعلامية كبيرة ومنظمة لا تتدخل فيها الميزانية والصرفيات، إذ يمكن التعاون في ذلك مع منظمات المجتمع المدني الواسعة الانتشار” يتيح الحصول على نتائج مهمة في الاقلال من العادات غير الحضارية في الحسابات الاجتماعية المعروفة عالميا على مستوى المجتمعات، وهذا الضبط الذي سوف يحصل سيتيح لارباب العوائل من تربية افراد الاسرة على تنفيذ القرارات التي تصدرها الدولة او المجالس المحلية او البلديات، وكذلك التربية التعليمية في المدارس وحتى اعلى المستويات، لأنه ما من فرد يريد الضرر باستقبال عقوبات او غرامات هو في غنى عنها، لكنه سوف يتحملها او يدفعها لحين الكف عن تنفيذ السلوك غير المرغوب فيه اجتماعيا، ومع مرور الوقت والتثقيف سيغدو سلوكا طبيعيا وحضاريا دون التذكير بالعقوبات او الغرامات، إذ سوف يتعلم الطفل وغيره ان العادات السيئة هي مضرة عامة للمجتمع، عندها سيعدل مع الوقت نحو سلوكيات لطيفة وحسنة بنتائجها.
ويمس هذا الكثير من السلوكيات الخاطئة التي يمارسها الافراد والتي تحتاج الى تنظيم وحسم قانوني، مثل ظاهرة التوقف في الأماكن الممنوعة، أو السير عكس الاتجاه، أو عدم تنظيف الاماكن المحيطة بالمنزل، أو استخدام جهاز التنبيه “الهورن” الذي بات يشكل ثقلا كبيرا في إزعاج المواطنين “حتى وصل الأمر إلى أن تسأل مستخدم “التنبيه” بسؤال بسيط، هو لماذا تستخدمه؟ فيجيبك حائرا! انه لا يعرف لماذا استخدمه، كونه قد ألف الموضوع وأصبح سلوكا لا يمكن أن يتفاداه اجتماعيا! لكنه ممكن بطريق القانون وتنفيذه. وإذا ما نظرنا إلى نظام التسلسل في انتظار الدور، بين الافراد وعدم احترامه “إذ غالبا ما يفرض بالعضلات والصوت العالي اللطيف”، أو عدم احترام المدرس لدروسه ليوصل الطالب إلى الدروس الخصوصية، أو الدفع أو الاحتكاك القوي الذي يأتيك “بدعكه” من الخلف عند دفع الأجرة داخل (حافلات النقل الجماعي) وبدون مقدمات، ولو بكلمة “تسمح، أو من فضلك”، أو مصيبة بيع المشتقات النفطية في الشوارع وعلى الأرصفة في دول تعتبر من أهم الدول النفطية على مستوى العالم. فضلا عن العديد من الملاحظات التي يستغرب الفرد منها ويتساءل لماذا؟ كظاهرة إطلاق الأعيرة النارية في الأعراس، “وهذا الموضوع يحتاج إلى وقفة طويلة”. وبناء خطوات حقيقية للتسامح والابتعاد عن السلاح الذي أصبح احد أهم العاب الصب

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design