العرب بين التاريخ والجغرافية .. بقلم / الباحث الاستاذ محمد قجة من سورية

 

يتعرض العرب اليوم ، وتاريخهم وتراثهم وحضارتهم إلى هجومات شرسة وحاقدة ومغرضة . ولﻷسف يشارك في هذه الحملة بعض من يدعون أنهم أبناء هذه البﻻد .. وهم يريدون أن يلغوا التاريخ العربي والوجود العربي بشريا وجغرافيا وحضاريا بحجة أن هذه البﻻد كانت فيها حضارات سابقة !! وكأن العرب ليسوا جزءا من هذه الحضارات . وهم الذين استوعبوا تلك الحضارات في إطار من التسامح واحترام اﻵخر مما بدا من قراءة حركة التاريخ وتفاعﻻته ….
وقد كثر اللغط في الآونة الأخيرة حول مفردات : العرب والعروبة , ودخل هذا اللغط في اتجاهات شتى يمكن تلخيصها فيما يلي :
1 – ترديد مقولة استشراقية غير موضوعية ترى ان العرب مجموعة من البدو جاؤوا من صحراء نجد ليحتلوا العراق والشام في اطار الفتوحات الاسلامية .
والقراءة الموضوعية للتاريخ _ اعتمادا على التوثيق اﻷثري كما ذكر المؤرخ نقولا زيادة _ توضح ان العرب موجودون ديموغرافيا وسياسيا وثقافيا في حوض الفرات ودجلة وبلاد الشام منذ الأف الثاني ق. م .وكانت لهم ممالك قضى عليها الآشوريون والكلدان والفرس في الالف الاول ق . م . ومابعده :
– مملكة جندب العربية في العراق
-مملكة الحضر العربية في العراق
-مملكة الرها العربية في بلاد الشام
-مملكة عزيز في انطاكية الشام
وفي مرحلة تالية نرى الممالك المزدهرة وابرزها تدمر والانباط العربيتان . ثم تأتي مرحلة ممالك المناذرة والغساسنة وكندة , ناهيك عن ممالك اليمن الحضارية المعروفة .
وكانت القبائل العربية تشكل النسيج البشري الأوضح في العراق والشام قبيل الفتح الاسلامي , الى جانب السريان الآراميين , وكان البيزنطينيون يشكلون نسبة ضئيلة جدا كقوة احتلال اوربية . الى جانب الوجود العربي النبطي شرق مصر بين النيل والبحر الاحمر .
وكانت القبائل العربية في الشام والعراق تدين بالمسيحية , سواء اكانوا نساطرة ام يعاقبة , وابرزهم : بكر وتغلب ونمبر وتنوخ وغسان ومضر وربيعة ولخم وجذام .
2- ان عرب الجزيرة العربية لم يكونوا جميعا من البدو الرحل , فهناك مدن : مكة ويثرب والطائف ومدن اليمن والبحرين والخليج . وهذه المدن كانت لها تجارتها وحضارتها , ومنها خرجت موجات الفتوحات التي طردت الاحتلال الروماني البيزنطي من الشام , والاحتلال الفارسي الساساني من العراق .
3- ان الواقع العربي المتردي والمهترئ اليوم بأنظمته وارتباطاته المشبوهة وفساده الواسع لا يعني التعميم على المواطنين العرب , ومن هنا جاء استعمال مفردة :العربان” للتحقير ,وكأن كل عربي نموذج للفساد واللصوصية والتخلف والاستبداد , شأن انظمة حكمه , وكثير من المواطنين العرب يمارسون جلد الذات احتجاجا على هذا الواقع العربي المزري , وهم المواطنون المغلوبون على امرهم تهميشا ورفضا وقمعا وإفقارا وابتزازا وظلما وتهجيرا قسريا .
4- ان الانتماء الوطني لا يستند الى العرق والدم , ولكنه انتماء حضاري بمظلته الثقافية والتاريخية ولغته العربية التي تمثل ذلك الرابط الوطني والحضاري . وهذا يعني ان مواطني الدول العربية ليسوا بالضرورة من اصول عرقية عربية , بل ان اللغة العربية هي اللغة الوطنية التي تؤكد الانتماء الحضاري , مع احتفاظ كل مكون بلغته الأم وخصوصيته الثقافية , وذلك من اكراد وتركمان وامازيغ وسريان وشركس وأرمن وآشوريين … وسواهم .
وليس في العالم مجتمع نقي عنصريا , كما تزعم بعض التيارات النازية والصهيونية والشوفينية , ومثالا على ذلك المجتمع الامريكي الذي يضم عشرات الاعراق والاصول واﻷديان والمذاهب مع احتفاظه بهوية المواطنة الامريكية , وباللغة الانكليزية لغة وطنية .
5- ان الحضارة العظيمة التي انتجت ملايين الكتب العربية في شتى مجالات المعرفة لم يكن اصحابها جميعا من العرق العربي . بل كان انتماؤهم الحضاري والثقافي عربيا , وكتبوا باللغة العربية , وهذا ينطبق على علماء وشعراء مثل : ابن سينا والفارابي والخوارزمي والبيروني والخيام وابي نواس وبشار بن برد ومهيار وسيبويه والفيروزآبادي , وكثيرين سواهم لم يكونوا من العرق العربي , ولكنهم ابناء الثقافة العربية وهذا ﻻيعني أن العلماء المسلمين كان أكثرهم من غير أﻷصول العربية . بل إن هناك أعﻻما مبرزين كانوا عربا خلصا نسبا وثقافة ومن أبرزهم : الكندي الفيلسوف وابن عربي وابن رشد وابن خلدون ومريم العجلية الفلكية وابن طفيل وابن الخطيب والمعري والمتنبي والبحتري والجاحظ وابو حيان والشريف اﻹدريسي وابن النفيس وابن البيطار.والزهراوي وأبناء زهر وداود اﻻنطاكي .. وآﻻف سواهم عبر القرون. وهكذا نفهم اليوم الانتماء العربي حضاريا وثقافيا , بعيدا عن العصبية القومية الضيقة الفاشية التي فرقت الشعوب والبلدان , وخلقت صراعات نحن في غنى عنها .
6- يجب ان ننتبه ان هناك موجة جديدة مبرمجة من الشعوبية الحديثة , ترتدي الرداء الشوفيني البغيض والمتخلف ,وتعلن عداءها وكراهيتها لكل ما هو عربي , بلا مبرر موضوعي وبصورة فظة بالغة الفجاجة متجنية , وليست الشعوبية حدثا طارئا في تاريخنا فلقد شهدنا لها مثاﻻ صارخا في العصر العباسي, ولكننا نجدها اليوم متشعبة المشارب والامزجة والاقطار والدوافع . ويبقى الاحترام المتبادل , وقبول الآخر , والحوار السمح الراقي ضرورة لكل فهم حضاري يعيد لمجتمعاتنا التوازن السياسي والثقافي والاقتصادي الذي نتجاوز به واقعنا المهزوز المشرذم المثفل بالفساد . لعلنا نستعيد بعض دورنا في لعبة الامم .

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design