وثيقه للتاريخ الحاج كامل بصُال 1933 (دخلت السجن من اجل بكري الكردي )

كتب الفنان جلال جوبي من السويد

 

مَن يستمع لتسجيلات بكري الكردي في حفلات البيوت التي كانت تقام في حلب سيستمع الى صوت ذاك المشاغب الجميل الذي يناغش الفنان بكري الكردي بعد كل قفلة او حركة ارتجاليه مشوقه

مصطفى بصال هو الاسم الحقيقي لكامل بصّال ..تولد عام ١٩٣٣

من هو هذا الرجل …وماهي كمية الحب التي تسكن جوانحه حتى ارتضى ان يكون دائما الجندي المجهول الذي يساند من عشقهم من اصدقائه المطربين

من هو هذا الرجل صاحب الصوت البصمه ..اي انك عندما تسمع الى غنائه تعرف انه هو وليس احد غيره فصوته لا يشبه صوت احد من المطربين

من هو صاحب الصنعة والحرفنه في عِلم تصوير المقامات بسلاسة عجيه

من هو هذا الرجل الذي رافق بكري الكردي في جميع جلساته

وقد روى لي حكاية طريفه قال :
لقد دخلت السجن لاجل بكري الكردي !!!!!!
قلت متعجبا كيف حصل ذلك ؟
قال :كنت اخدم الخدمه الالزاميه في الجيش العربي السوري وعلمت ان بكري الكردي سيقيم سهرة في منزل احد الاصدقاء في حلب ..فهربت من الخدمه في تلك الليله لكي لا تفوتني تلك السهره وفي اليوم عدت فنلت عقوبة السجن وانا في كامل السلطنه والطرب ..

كامل بصّال تدرج في مصاحبة العمالقه منذ صغره فكان تلميذا عند عمر البطش واخذ عنه رقص السماح وعاصر الشيخ علي الدرويش وانجاله مصطفى ونديم وابراهيم وكان صديقا للاستاذ عبد القادر حجار الذي هو ايضا من تلاميذ البطش

رافق كامل بصال المرحوم محمد خيري في كل حفلاته ولاتخلو حفله الا وتسمع التشويق والتحريض على اعادة الحركات والعُرب التي يجود بها اباهيثم رحمه الله

كان مشهورا بتعليقاته الظريفه التي تنم عن قلب ابيض كنور الصباح محبا ومخلصا للجميع
ورافق العملاق صباح فخري لاكثر من اربعين عاما ومعروف لدى الجميع بالرجل صاحب الشَعر الابيض والصوت الجبار وخاصة في تلك القرارات التي كان يشدو بها وكأنه الة التشيللو التي تحضن الفرقه الموسيقيه

الحاج كامل رافق ايضا الاستاذ شادي جميل بلبل حلب وغرديها لاكثر من ١٥ عاما

كامل بصال بالنسبة لجلال جوبي هو الاب والفنان والمرشد …هو مكتبة متنقله يحفظ مناقب ابناء جيله …هو موسوعة غنائيه موسوعة شعريه وقارئ جميل للقرآن الكريم …
جمعتني معه عِشرة عُمر امتدت لاكثر من عشرين عاما بين اسفار وحفلات ومهرجانات وسهرات لا تنسى

انني في هذه الوثيقه لا ابحث في الاسباب التي لم تُظهره كمطرب قدير مع ان كل المعطيات التي عنده تخوله ليكون مطربا من العمالقه ولا اريد الخوض في هذا المضمار وذلك احتراما لامور شخصيه خاصه تتعلق به شخصيا
انما احببت ان اقول شيئا بحق ذلك الرجل الذي عاصر كل العمالقه ونحن بدورنا عاصرناه
وتعلمنا منه الكثير والكثير جدا
كلمة حق وواجب ووثيقة للتاريخ من شاهد على العصر

في عام ٢٠٠٠٠ قدمتُ حفلا غنائيا بخان الشيباني بحلب لاحياء اعمال الفنان بكري الكردي
واسميت الفرقه بفرقة نديم الدرويس استاذي الذي درست على يديه
ولم احتار ابدا في ايجاد المطرب الذي سيشدو اعمال بكري الكردي
فكان الصديق والاب الحاج كامل بصال
خير من يقوم بهذه المهمه

كانت فرحته كبيره لاحياء ذكر فنان عاش معه عمرا طويلا من الليالي ومطّلعا على مطبخ الحانه وعالِما بتفاصيل حياته وحتى الصغيرة منها قبل الكبيره

في تلك الامسيه غنى الحاج كامل بصال قصيدة العَبره من كلمات حسام الدين الخطيب والحان صديق عمره بكري الكردي
و دور القلب مال من مقام العجم ومن شعر حسام الدين الخطيب والحان بكري الكردي

واحب ان اذكر حادثه جرت معنا على المسرح لتدركوا ماذا تفعل النشوه في امكانية الفنان ومقدرته
ففي تلك الليله كانت الحضور مخمليا من ذواقه وعلماء وفنانين كانت حلب كلها حاضرة ذلك الحفل
واذكر منهم الاستاذ المرحوم مصطفى الدرويش والفنان الكبير محمد قدري دلال والفنان الكبير المرحوم احمد حداد والمرحوم نذير دقاق وكل اهل الطرب في تلك المدينه الرائعه
كل هذا جعله يهمس في اذني قبل غناء الدور ان نعزفه له من درجة السي بيمول بدلا من الصول اي اعلى بدرجة ونصف عما كنا نعزفه بالبروفات
ولعلمي بأنه يستطيع ان يفعل وذلك لان هذا الحضور قد شحنه بكمية من القدره لا مثيل لها …فقلت له كما تريد

وليلتها غنّى ذلك الدور وهو من اصعب الادوار بسلاسة وعذوبة ورقة
وحلّق به عاليا حتى سَكِر الجمهور من غير مدام
والصور المرافقه لهذه الوثيقه هي من تلك الليله التي لاتنسى

هذه هي حلب وهؤلاء هم عمالقتها وروادها الذين درسنا وتعلمنا عندهم الفن والادب

اطال الله بعمر الحاج كامل بصّال وزينه بالصحه والعافيه وحسن الختام
لاتنسوا هذا الاسم فلقد كان له بصمة في التاريخ

ارجو ان اكون قد وفقت في سرد بعض ماعند هذا الرجل لاكون شاهدا على عصر عشته مع هؤلاء الكبار

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design