الدراسات الإسلامية وعلوم اللغة العربية، ومخطوطاتها في أوزبكستان – 3

كتبها في طشقند: أ.د. محمد البخاري
في الأكاديمية الإسلامية الدولية بطشقند هناك دراسات قائمة اليوم عن التراث الإسلامي، تتناول بالبحث والتحقيق أعمال فقهاء الحنفية في ما وراء النهر، ومن بين أولئك الأئمة الذي يجري تحقيق تراثهم العلمي: عبد العزيز الحلوائي (المتوفي عام 1056م)، وشمس الأئمة السرخسي (المتوفي عام 1094م)، وفخر الإسلام علي البزدوي (المتوفي عام 1089م)، وأبو اليسر البزدوي (المتوفي عام 1100م)، وأبو المعين النسفي (المتوفي عام 1114م)، وعلاء الدين السمرقندي (المتوفي عام 1144م)، وعلاء الدين الكاساني (المتوفي عام 1191م)، وبرهان الدين المرغيناني (المتوفي عام 1197م).
وكان شمس الأئمة أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي الحنفي من الشخصيات الفاضلة التي تركت تراثاً لا يقدر بثمن. وهو أحد الأئمة الكبار وصاحب حجة، وعالماً وفقيهاً ومجتهداً في أصول الدين الحنيف. وانطلقت الدراسات الحديثة لتراثه الديني وحياته ونشأنه من حقيقة قلة الدراسات المنجزة عنه، وكان لا بد من التعمق في دراسته بصورة متكاملة لتستفيد الأجيال الناشئة من تراثه الديني الغني.
ولد الإمام الفقيه شمس الأئمة أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي الحنفي نحو عام 1009م، بمدينة سرخس ونسب إليها، وكانت ما وراء النهر آنذاك تحت حكم القره خانيين (999م-1212م). وسافر إلى مدينة بخارى طلباً للعلم، وتتلمذ على يد الإمام شمس الأئمة عبد العزيز الحلوائي حتى أتم تعليمه على يديه، ولقب بلقبه. وكانت بخارى آنذاك حاضرة ومركزاً من مراكز العلم الهامة في العالم الإسلامي، يقصدها طلاب العلم من مختلف دول العالم في القرون الوسطى.
وأخذ الإمام محمد السرخسي من شيخه الحلوائي علم الحديث، وروى عنه الأحاديث العديدة. وتفقه على يديه أبو بكر محمد بن إبراهيم الحصيري (المتوفي 1106م)، وأبو عمرو عثمان بن علي البيكندي (المتوفي 1158م)، وأبو حفص عمر بن حبيب جد صاحب “الهداية”، وبرهان الأئمة عبد العزيز بن عمر بن مازه (المتوفي 1111م)، ومحمود بن عبد العزيز الأوزجندي، وركن الدين مسعود بن الحسن وغيرهم.
وقد أمضى السرخسي خريف عمره في مدينة بلخ، حيث كان يقصده طلبة العلم ليأخذوا منه علم الفقه وأصوله والحديث وعلم التفسير. ونجد في المراجع المتوفرة اليوم اختلافات كبيرة في تاريخ وفاته، لهذا سأكتفي بأرجح التواريخ التي تشير إلى وفاته في بلخ (أفغانستان اليوم) عام 1094م، وأنه دفن بمقبرة نوبهار بجوار قبر الفقيه الحنفي الشهير أبي مطيع البلخي.
واعتبره أحمد بن سليمان بن كمال باشا الرومي (المتوفي 1534 م)، من كبار المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب، وأنه بلغ من مراتب العلم ما بلغ أبي بكر الخصاف (المتوفي 875م)، وأبي جعفر الطحاوي (المتوفي 933م)، وأبي حسن الكرخي (المتوفي 952م) وغيرهم من مرتبة رفيعة. وهذه المرتبة تلي أصحاب الإمام أبي حنيفة في الاجتهاد، وأنه من كبار علماء ما وراء النهر في عصره دون منازع.
وصنف شمس الأئمة أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي الحنفي في الفقه والأصول، وأملى “المبسوط” وهو في السجن بأوزجند وكانت من أعمال فرغانة آنذاك، وكان قد حبس لكلمة نصح بها الخاقان. وكان يملي خواطره من دون مطالعة للكتب، وأصحابه في أعلى الجب المحبوس فيه يكتبون ما يمليه عليهم. وله أيضا كتاب “الأصول: في مجلدين. وأملى أيضا “شرح السير” على محمد بن الحسن في مجلدين ضخمين، وله شرح كتاب “النفقات للخصاف”، وشرح “أدب القاضي للخصاف”، و”أشراط الساعة”، و”الفوائد الفقهية”، وكتاب “الحيض”. وقال العلامة الطرسوسي عن “المبسوط” للسرخسي بأنه “لا يعمل بما يخالفه، ولا يركن إلا إليه، ولا يفتى بقول إلا عليه”.
والقائمة هذه يمكن أن تمتد كثيراً، ولكنني سأكتفي بهذا القدر متمنياً أن أكون قد تمكنت من التعريف بشيء يسير عن الدور الهام الذي يقوم به المستعربون في جمهورية أوزبكستان اليوم، لتحقيق والتعريف بتراث أجدادهم العظام من مسلمي ما وراء النهر الذين أبدعوا خلال القرون الوسطى من أجل نشر وتطوير الدراسات الإسلامية وعلوم اللغة العربية ونحوها وأصولها وقواعدها.
ولا أبالغ إن قلت أن لعلماء ما وراء النهر في يوم من الأيام كان دوراً بارزاً وهاماَ في تطوير علوم اللغة العربية التي نشأت مع بداية القرن السابع الميلادي. وكان لهم فضل في بلوغ علوم اللغة العربية أوجها. وأبناء المنطقة يفخرون بفضل أجدادهم العظام ويقدرون أعمالهم الجليلة وفضلهم في تطوير علم نحو اللغة العربية، وتطوير العلوم الإنسانية الأخرى، وما تلك المؤلفات الخالدة التي تركها أجدادهم لأحفادهم من بعدهم يشبعونها درساً وتمحيصاً ودراسة وتطويراً، إلا مثال ساطع على حرصهم على اللغة العربية وعلومها، خاصة وأنها جزء هام من الثقافة العربية والإسلامية والعالمية.
وهو ما يدفعني للقول وبحق أن اللغة العربية ليست ثروة وتراثاً قومياً للعرب وحدهم، بل هي ثروة لجميع الشعوب الإسلامية وللعالم أجمع. لأنها لغة القرآن الكريم والحديث المطهر والسنة الشريفة. وهي حافظة للتراث العلمي والأدبي والتاريخ المشترك للشعوب الإسلامية قاطبة، وشاهد خالد على الدور الذي لعبه العلماء العرب والمسلمون في إثراء الحضارة الإنسانية في مختلف العلوم عندما كانت أوروبا والعالم الغربي في ثباتهما العميق.
ومن هذا الفهم ينطلق حرص الدولة والأوساط العلمية في جمهورية أوزبكستان اليوم على تعلم وتعليم اللغة العربية وعلومها، والتي من دونها لا يمكن الإطلاع على مضمون مخزون المخطوطات العلمية الثمينة التي كتبها جهابذة العلم في أوج ازدهار الدولة العربية الإسلامية في القرون الوسطى، وهي المؤلفات التي هي بحق “الدرة الثمينة” التي لا تقدر بثمن.
وبهذا أختتم سلسلة مقالاتي عن الدراسات الإسلامية وعلوم اللغة العربية ومخطوطاتها في أوزبكستان، وآمل أن أكون قد قدمت شيئاً جديداً للمهتمين والمتابعين والقراء الأكارم.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design