الفنّان التّشكيلي عنايت عطّار جموح لوني منساب بمروج المرأة 16

كتب صبري يوسف من السويد

تبرعمَ الفنّان التّشكيلي عنايت عطّار في إحدى قرى “عفرين”، مقمَّطاً بأزاهير فوّاحة تعبق بأريج الفرح والطَّبيعة الخلَّابة، وترعرعَ في ألق الطّبيعة الممراحة بأزهى تلاوين الجمال، وراح يسوح في أعماق البراري منذ أن خطا خطوات الطُّفولة، فاستقبلته سقسقات العصافير وألق المروج الفسيحة، مبهوراً ببهاء الفراشات والأزاهير البرِّيّة المعبّقة بنضارة الأعشاب واخضرار السّنابل، وتشرّبَ من بهاء الطَّبيعة بهجة الأنوثة ووهجِ الخصوبة والعطاء، وكأنَّ الطَّبيعة أنثاه الأزليّة، فرأى من خلالها جمال المرأة والحياة والعشق والفن والشِّعر وانبلاج شهقات الطُّموحِ، فأسقط على المرأة بكلِّ روعتها، شغفه من خلال الألوان الّتي تغلغلت إلى أعماقه عبر صداقته الغامرة مع جمال الطَّبيعة والحياة الّتي قمّطته بين أحضانها منذ أن فتح عينيه على وجه الدُّنيا، كأنّه جزء من أهازيج هذا الجمال البديع، فأصبحت الألوان شغفه وحنينه الأشهى، وأسبغها على جمال المرأة وبهاء المرأة وعشق المرأة، وكأنّه يرسم رعشات الطَّبيعة ومرامي روعتها من خلال وجنة المرأة وشعرها المنساب على كتفها مثل شلّالات الفرح، وأصبح القمر من منظوره بمثابةِ سطوع بسمة المرأة، وإشراقة الشَّمس كأنّها بهاء عيني المرأة، وشموخ الجبال يتماهى مع قوامها الممشوق كأريج الدِّفءِ المندلق من خاصرات الجبال. لِمَ لا، أليست أمّه وأخته وحبيبته امرأة، أليست المرأة مَنْ أنجبتنا للحياة؟! هل هكذا تساؤل راود الفنّان وهو يغوصُ في مرامي ينابيع المرأة، فرسمها مزهوَّةً بكلِّ جمالِها وعطائها وعشقها وتجلِّيات حبور روحها عبر ألوانه المنسابة مع حبقِ النَّسيم المندَّى بألقِ الصَّباح، وهي في أشدِّ الشَّوقِ لحصادِ بهجة الأيّام مع حبيبٍ يزدادُ شوقاً إلى دنياها المتناثرة فوقَ قبّةِ أحلامه الوارفة بعطاءاتٍ رهيفة كأنّها منبعثة من فراديس النَّعيم فوقَ دنياه، فيجسِّدُ ألوانه فوقَ محيَّاها متناغمة مع موشور الفرح المنساب من موتيفات أشواقه المخضّبة بالحنين إلى ظلالِ البيوت العتيقة الّتي ترعرعَ في كنفها منذ أن حبا خطواته الأولى، وبدأ ينمو مثل أزاهير الصَّباح، وراح يحمل فوق أجنحته هذه الصَّباحات الوليدة من طفولته البكر حتّى غدا فناناً معرَّشاً بهلالات الكروم وهي ترحّب بأنثاه العاشقة المتمايلة بين أغصان الدّوالي. رحلةٌ فنّية محفوفة بهفهفات نسيم البحار، وهو ينتقل من ربوع قرى عفرين وعفرين إلى طين الرّقة وانسياب عذوبة مياه الفرات وهو يناجي مخياله، كي يرسم من جديد بهاء أنثاه المسربلة بأمواجِ الفرح، وهو يرخي صباحاته فوق ألوانه الطَّافحة بحنينِ الطُّفولة والشَّباب إلى كنوزِ المرأة الغافية بين تراقصات ألوانه، فيرسمُها وهو في أوجِ تجلِّيات أحلامه، ويسافرُ معها في اللَّيالي القمراء بحثاً عن يخضورِ العشقِ المتناثرِ فوقَ أجنحتها المحبوكة بحليب السَّنابل.
غدت المرأة محور تناغمات ألوانه، وبدأ يرسمُها تغنِّي وتفرح وتهدهد روحه وحياته وخياله وحلمه، وتفتح رؤاه على مرامي الألوان وكأنّه أثناء انسياب فرشاته في حالة عشق مفتوح على جنائن حلمٍ لذيذ مفروش على سفوح القلب ومتاهات بوح الخيال، حتّى أصبح في عشقٍ غير قابل أن يخرج من بهائه وروعة تجلّياته إلّا عبر المرأة، ويقودنا شغف الفنّان إلى هذا التّساؤل، هل عنايت عطّار فنّان مفطور على جمال الطَّبيعة والحياة منذ أن فتحَ عينيه على ضياءِ الدُّنيا، لهذا اتّخذ من المرأة هدفاً أساسيّاً للوحاته، فتكاد لا ترى لوحة من لوحاته إلَّا وفي مروجها حبور المرأة وهي ترقص، وتغنّي وتعشق الحياة بكلِّ حبورٍ، وتناجي أحلامها وحبيبها عبر لوحاته الموغلة في التّأمل والتَّساؤل والابتهال وكأنّها جزء من معالم تجلّيات ألوانه على بياض اللّوحة؟!
يرسم الفنّان لوحاته بانسيابيّة فرحيّة رهيفة، ويناغي أحلامه وشهقات تجلّياته عبر ألوانه المفعمة بمناجاة الرّوح، فهو كائن مجبول بوهج الطَّبيعة الخلّابة، حيث نهل من حبق الطَّبيعة مذاق الفرح، ومن إشراقة الشّمس وشوشات الابتهال، ومن همهمات خرير المياه عذوبة الألوان، فجاءت لوحاته متوهّجة بوميض الطّفولة وخصوبة المرأة المتعانقة مع هفهفات زخّات المطر، وبعد تجربة طافحة بوهجِ الألوان يسافر الفنّان إلى ربوع فرنسا، بشغفٍ كبير، ويستقرّ به المطاف في مدينة “أنجيخ”، وبدأ يرسم فضاءاته اللّونه المتعانقة مع المرأة الّتي لا تفارق هاجسه اللّوني، حتّى وهو يحلِّق في فضاءات تجريده اللّوني، تشعر وكأنّ المرأة ململمة بين ثنايا ألوانه من خلال دفء الألوان وتماوجات بهائها الطّافح بالعذوبة والانسيابيّة، وحقَّق في ربوع فرنسا شهرةً كبيرة، وحقَّقت معارضه نجاحاً باهراً وكان لها أصداءً طيّبة في الأوساط الفنِّيّة فتناولها النقّاد الفرنسيون أمثال: “جان مونيه”، و”آلين ماريز”، وغيرهم وقد قال “جاك ألتراك” عن تجربته الفنّية: (إن رسوم “عنايت” جذّابة، فاتنة، حية وديناميكيّة، إنّها لا تروي التّاريخ، ولا تعبّر عن فعل ولكنّها تطرح علينا الأسئلة وتحرِّض مخيّلتنا). وأشاد الوسط الفنّي الفرنسي والكثير من الفنّانين بتجربته الفنِّيّة المتفرِّدة وخصوصيّة لوحاته وبهاء ألوانه من خلال تماهيات المرأة بطريقة رهيفة وكأنّها جزء من الطّبيعة والألوان المنسابة في فضاءات عالمه اللّوني البهيج.

تميّز الفنّان عنايت عطّار بسرعة البديهة والمرونة والطِّيبة في تعامله، مركّزاً على أن يتعامل بإنسانيّة ومصداقيّة عالية مع مَن يعاشره ويصادقه، ويميل أثناء لقائه مع أصدقائه ومعارفه إلى روح النّكتة والمرح.
لا يركّز الفنّان على رسم تفاصيل المرأة، فلا نراه يرسم العيون والأنوف والشِّفاه، يترك وجه المرأة منساباً مثل الماء الزُّلال ونسيم الصّباح يهبُّ علينا بشفافية، وعندما ننظر إلى وجه المرأة في رسومه، نشعر وكأنَّنا نرى كل هذه التّفاصيل الّتي تركها نتخيّلها بأنفسنا أو ربّما أراد أن يقول لنا أنّها البهاء الخفي الموجود في أعماقنا وتوقنا، كما أنّه لا يرسم أيضاً تفاصيل اليد والأصابع والأرداف، لأنّ تركيزه يتمحور حول انبعاث اللّون عبر هذه الكتلة الأنثويّة الطّافحة بالفرح والحياة، فتغدو المرأة كأنّها شطحات فنِّيّة عشقيّة متراقصة فوق بهجة اللَّوحة وتخرج من خصوصيّتها كمرأة وتصبُّ في آفاق الإبداع بأبهى تجلِّيات خيال الفنّان، لهذا لا نراه يتوقَّف عند ابراز مفاتن المرأة بكلِّ تفاصيلها، فهو يأخذها كحالة إنسانيّة ترمز للخصوبة والعطاء والعشق والفرح والبهاء والحياة، فمن ينظر إلى أعمال الفنّان، يلاحظ وكأنَّ المرأة جزء ممتدّ من تدفُّقات اللَّوحة بكلِّ ألوانها حتّى أنَّ اللّوحات التّجريديّة الّتي يرسمُها ينثرُ فوقَ فضاءاتها بهاء المرأة من خلال وهج الألوان وكأنَّنا نشتمُّ عبق الأنثى في ألوانه المزهوّة بغيمة تهطلُ فرحاً وشوقاً وعناقاً، ويبدو أنّ الفنَّان يحملُ في أعماقه وهج انبعاث القصيدة، فهو يرسمُ لوحاته بشاعريّة رهيفة سواء عندما رسم أنثاه فيها أو خبّأها بين مرامي الألوان، ويريدُ أن يقدِّمَ لوناً متماهياً مع هدهداتِ الشِّعرِ، فهو يحملُ في مخياله حبقَ الشِّعر عبر الألوان، فيحلّق بألوانه في شموخٍ لوني يكاد أن ينطقَ شعراً، فهل كان يترجم الفنّان أحلامه عبر الألوان، فنرى كل هذه الأنغام والانسيابات اللّونيّة طافحة فوقَ خدودِ لوحاته، ويبدو أيضاً أنَّ الفنّان مغرم حتّى العمق في الموسيقى فهو ينثرُ حبور الموسيقى في منعطفات ألوانه، حيث تبدو النّساء السّارحات والحالمات في فضاءِ اللّوحاتِ يرقصن ويغنين ويحلمن بأبهى دندنات الأغاني، وهكذا نستشعرُ أنّ الفنّان يعكس الكثير ممَّا يجول في خياله فوق نضارة اللّوحة، تاركاً انبعاثات الخيال متوَّجاً فوق بياض اللّوحات، مركِّزاً على بهجة الحياة والفرح والحبِّ والتّأمل، وكأنّه يقول للمشاهد علينا أن نحبَّ الحياة كما نحبّ المرأة، وعلينا أن نحبَّ المرأة كما نحبّ الحياة لأنَّ الحياةَ امرأة، ولأنَّ البشرَ كلّ البشر انبعثوا من رحمِ المرأة، فهي حاضنة الإنسان منذ الأزل!

ستوكهولم: 2. 1. 2019
صبري يوسف

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design