التَّشكيلي صدرالدِّين أمين فنّان بدائي ساحر مضمّخ بأريج الطُّفولة 14

كتب الأستاذ صبري يوسف من السويد


صدرالدِّين أمين، فنّان تشكيلي بدائي ساحر في بناء لوحاته، يعتمد على خياله الخلّاق وأحلامه الجامحة لمعانقة براءة الطُّفولة، يبحث عن إنسانيّة الإنسان، بعد أن وجد إنسان هذا الزَّمان غائصاً في افتراس أخيه الإنسان، فلم يجدْ أجدى وأبهى من أن يبني لنفسه عالماً فنّيَّاً راقياً، مركِّزاً على الجمال والفرحِ والأحلام المدهشة من خلالِ عبورِهِ في عوالم الطُّيور والنَّباتات والأيقونات والرُّموز والمخلوقات الأسطوريّة الخياليّة الحلميّة الحقيقيّة، يرسمها من خلال تأمُّلاته وروحانيَّته الصُّوفيّة الشّفيفة، بأسلوب تعبيري، تجريدي ورمزي خلَّاق، وبعفويّة مدروسة وعميقة ومعقلنة رغم تدفُّقاتها العفويّة الباذخة، مستعيداً عالماً جديداً موائماً لعوالم الطُّفولة بكلِّ براءتها، واقفاً في وجه قباحات هذا الزَّمان، شاهراً حبّه وفرحه وجماله في أرجاء المعمورة، لعلَّه يحقِّق فرحاً ومتعةً لمشاهديهِ في كلِّ مكان.
صدرالدِّين أمين فنّان تشكيلي مضمَّخ بأريج الطُّفولة، يرسم لوحته من وحي روحه ومشاعره الشَّفيفة المتعانقة مع الكائنات البرّيّة والأهليّة، يلتقطُ ألوان وتشكيلات لوحاته من شهقةِ جفولِ الغزالِ، من تغريدِ البلابلِ، من انبعاثاتِ بزوغِ الشَّمسِ، من بسمةِ الأزاهير، من أنغامِ أحلامِ الطُّفولةِ، من حنينِ عاشقةٍ لمهجةِ اللَّيلِ الحنونِ، من مداعباتِ القنافذ لدبيبِ الأرضِ، من النَّباتات البرّيّة، من بهاءِ الجبالِ المسترخية فوق منعرجات الذَّاكرة، من مخلوقات أسطوريّة خياليّة واقعيّة، فتأتي لوحاته مبرعمة بكلِّ طيوبِ الحياةِ، ويبني أهليليجيَّات موشور ألوانِهِ من عوالمِهِ الفسيحة، فارشاً فوقَ حبقِها روحه الجانحة نحوَ صفاءِ الطُّفولةِ بكلِّ ما تحملُ من دهشةٍ وانبهار!
توغَّلتُ بحميميّةٍ دافئة في أعماقِ عوالمه المعرَّشة ببهجةِ الإبداع، فأحببتُ أن أنبشَ ما في عوالمهِ من دُرَرٍ فنّيةٍ ثمينة، لأقدِّمها على طبقٍ من فرح، من خلالِ توغّلي في عوالمِ وفضاءاتِ لوحاتِهِ ومناجاةِ مشاعرِهِ وروحِهِ الفيَّاضة بولعِ الإبداعِ!
تسطعُ في لوحاته تدفُّقات أهازيج وعناقات الطُّفولة، يزرع الجمال في لوحاته، وكأنّه عَبَرَ اللَّوحة في رحابِ نصٍّ شعريٍّ عشقي منساب من شفاه غيمة في صباحٍ ربيعي متعطِّشٍ لحنينِ السَّماء. لديه طاقة مدهشة من عوالم الكائنات البرّيّة والأهليّة، هل روَّضها عبر مرحلة زمنيّة فسيحة؟ تبدو وكأنّها منبعثة من حالات حلميّة، متناغمة مع هبوب الحلم وبوح صفاء الرُّوح وتجلّيات جموح الخيال مع تضاريس شهوة العقل!
يرسم الفنّان لوحاته بأسلوب بدائي بديع، وبحداثويّة رائعة، أقرب ما تكون إلى الفنِّ البدائي الحداثوي المعاصر، موشِّحاً فضاءاته بأسلوب تعبيري أحياناً وتجريدي أحياناً أخرى، عبر ترميزات شفيفة ومتناغمة مع إنسابيّة عفويّة مبهرة في إيقاعاتها، وكأنّنا على تخوم طبول أفريقيا وهي في أوج مناجاتها لكائناتها بكلِّ تلاوينها، لعلّها ترقص على هدى هذه الإيقاعات، ويبدو أنَّ الفنّان استلهم فضاءاته الرَّحبة من خلال توغُّلاته وبحوثه العميقة إبتداءً من عوالم الرُّوحانيّة الصُّوفية الآسيويّة، بكلِّ تنوُّعات حضاراتها المتعاقبة، وروعة تشكيل الإيقاعات الأفريقيّة بكلِّ بهاء هدهداتها وتلاوينها المتماهية مع عوالم غاباتها المدهشة، وانتهاءً بالحضارة الغربيّة بكلِّ حداثتها وتجديدها، فولدَتْ لوحاته وترعرعَتْ عبر هذا المثلَّث المعشَّق بشهوةِ الإبداع، بأسلوبٍ بدائي معجون بأبهى حداثويّة معاصرة لا تُضاهى في هذا الأسلوب المتفرِّد الَّذي أبدعه الفنَّان عبر مسيرته الرَّحبة في تدفُّقاتِ أشهى مروجِ الإبداع!
يتدفَّق الفنّان مثل شلالٍ عبر تشكيلات تجريديّة رمزيّة لونيّة، يتخلَّلها كائنات أسطوريّة خياليّة شفيفة، منسابة بإيقاعٍ حلمي، وكأنَّ لدى الفنّان آلاف الأطفال، يتواصلون مع كائناته الجَّميلة ويلملمونها له عبر تجلِّيات روحه المتعانقة مع أرواح الأطفال، فتبدو لوحاته لنا وكأنَّنا نحضر كرنفالاً فرحيَّاً لما تحمله اللَّوحات من آفاق مبهجة للعين!
تدهشني لوحات الفنَّان صدرالدِّين أمين، تغمرني بغبطة عميقة، كأنّني أسمع موسيقى خفيَّة من خلال همهمات كائناته، أشعر وكأنِّي في حالة مناجاة بيني وبين هذه الكائنات، أتمتّع جدَّاً وأنا أهيم في عبور منعرجاتها، وأجد أحياناً كائنات ربَّما لم يقصد الفنّان أن تأتي في هذا السِّياق الّذي أراها فيه، فمن خلال تداخُل التَّشكيلات اللَّونيّة، انبثقتْ كائنات جديدة وكأنّها امتداد لخيال قارئ اللَّوحة، الّذي يتدفَّق هو الآخر من خلال هذا الهارموني اللَّوني المبهج لخيال وبصيرة المشاهد! وأجمل ما في لوحات أمين، هو هذه الفرادة الغرائبيّة البديعة الَّتي تتميّز بها لوحاته، حيث تقنيات مهاراته بكلِّ تفاصيلها الرَّهيفة في خلق وإبداع هذا الأسلوب العفوي الجّانح نحو عوالم الطُّفولة، يضعه في مصافِّ الفنَّانين الكبار!
راودني مراراً، كيف تولد اللَّوحة عند هذا الفنّان المعرَّش بوهجِ الأطفال، وأحلام الأطفال وروحانيّة الأطفال، كيف يبدأ لوحته، كيف يبتسم لهذه المخلوقات الحميمة، كيف يرسمها متعانقة مع بعضها بعضاً؟ تبدو وكأنّها في حالة انتشاء فرحي عميق، ترقص مع بعضها. هل كان الفنَّان في حالة انبهار الرُّوح مع موسيقى دافئة رومانسيّة شجيّة، فإنعكست هذه الرُّوحانيّة الموسيقيّة على إيقاعات الألوان وتماهيات الكائنات والمخلوقات، فجاءت متراقصة بشكلٍ بهيجٍ ومدهشٍ للغاية؟!
تبدو لي لوحات الفنّان وكأنّها مستلهمة في جزء كبير من عوالمها من تدفُّقات حلميّة مفتوحة على انبعاثات وهجِ الخيال، متماهية مع حالات عشقيّة ورومانسيّة في غاية الدُّفء والحميميّة، وكأنَّ الفنّان في حالة عشقيّة عميقة، يترجم لنا هواجسه العشقيّة عبر أحلامه تارةً وعبر توهّجات خياله الطّافح بإشراقة أبهى ما في الأساطير، والمتناغم مع بحبوحة الأحلام وحنين الطُّفولة وبهجة الحبّ والفرح والأمل القادم! وتبدو في الآن ذاته كأنّها مستلهمة من خلال استماع الفنّان إلى هسيس الطَّبيعة، وتغريد البلابل، وهفهفات المطر. يتواصل مع أزاهير الصَّباح، مع العصافير، مع سديم اللَّيل، مع أمواجِ البحار، مع جموحات الطُّيور البرّيّة، ومع المخلوقات الَّتي رآها في الطَّبيعة وفي الأزمنة الغابرة عبر موسوعات فنِّيّة وطبيعيّة وعبر الأساطير الملحميّة، وانعكس كلّ هذا الموشور اللَّوني والكائناتي العجيب في رحاب لوحاته المتلألئة بأزهى تجلِّيات الإبداع.
تمنحني لوحات الفنّان صدرالدِّين، فرحاً عميقاً، تحرِّضني على الرَّقص من بهجةِ الانتعاش، كأنّي أعبر في عوالم غابة حلميّة، متناغمة مع همهماتِ كائناتٍ مبهرة وتغريد وسقسقات طيور خرافيّة بديعة، منبعثة من أزمنة غابرة، تلهو مع كائنات متماهية مع آفاقٍ أسطوريّة في غاية الجمال والوئام. تعيد إلى ذاكرتنا عشرات الحكايات الَّتي كنّا نسمعها من خلال تدفُّقات روعة الخيال. ما هذا البهاء الموشوم على كائنات متراقصة بانسجامٍ مدهش، كائنات متلألئة بجمالٍ خلَّاب، كائنات فريدة، متعانقة مع سموِّ الرُّوح وهي تحلِّق عالياً، كي تعانقَ ألق السَّماء وتعانقَ حميميّات الطُّفولة المعشَّشة في كينونتنا منذُ أمدٍ بعيد!
كلَّما نظرْتُ إلى عوالم كائناته وألوانه، ازدَدْتُ اندهاشاً، وكأنّي أراها للمرّة الأولى، تبدو لي متطايرة من بساتين الجنَّة، من خيالٍ متهاطلٍ على إيقاعِ شهوةِ المطرِ، حيث الألفة منسابة بشكلٍ مبهر على مساحاتِ اللَّوحاتِ، بتقنياتِ فنّانٍ منعتقٍ من شوائبِ الحياةِ، بحثاً عن عرينِ الجمال المتناثر فوق أغصانِ الدُّنيا، وكأنَّ هدف الفنَّان هو استنهاضُ عالم طفولي شفيف من هذه الكائنات الَّتي تتراقصُ بمرحٍ كبير لبسمةِ وحنينِ الأطفالِ، حتّى أنّني في الكثير من الأحيان، أشعر وكأنَّ مملكة الفنّان مفتوحة على نضارةِ الأطفالِ وهم في أوجِ حبورِهم وأحلامِهم ولَهْوِهم في عالمٍ بديعٍ إلى أبعدِ درجاتِ البهجةِ والإمتاع!
لوحات الفنّان صدر الدِّين أمين تحمل بين فضاءاتها كرنفالاً لونيِّاً مخضَّلاً بالجمال، أشبه ما تكون سيمفونيّة مستنبطة من تلألؤاتِ الرُّوح في ليلةٍ قمراء، مملكة متعانقة مع أسرارِ الدُّنيا، شوقٌ مفتوح إلى الذَّاكرة البعيدة، هي تدفُّقات حنينيّة إلى مروجِ الطُّفولة، حلمٌ باذخ نحوَ ظلالِ السَّماء الشَّاهقة، قبلةُ عشقٍ على خدودِ الصَّباح، حوارُ الرُّوحِ معَ الكائنات كلّ الكائنات، بسمةُ طفلٍ في وجهِ الرَّبيع، عناقُ الأمِّ لزخّاتِ المطر، لوحات من نكهةِ الابتهال، تتعانقُ مع جموحِ الشُّعراء في أوجِ تحليقاتهم، كأنّها رحيقُ الشّعرِ المندّى بسموِّ السَّنابل، تتعانقُ مع روحِ الشِّعرِ في أوجِ تجلِّياتِ الابتهال. تشبه الفنّان وهو يحلِّق نحو معراجِ بهجةِ السَّماء، بحثاً عن أسرار الفرح، بحثاً عن الماءِ الزُّلالِ، بحثاً عن حوارِ الأرضِ والسَّماء، وغوصاً عميقاً في سديمِ اللَّيلِ، لعلَّه يغفو بين أهازيجِ الطُّفولة.
الفنّان طفلٌ معرَّشٌ في حبقِ النّعناع البرّي، طيوره الَّتي يرسمها شفيفة كمآقي الزُّهور، كأنَّ أجنحتها مستنبتة من بخورِ الأديرة القديمة، تعبقُ شذىً وألقاً، تناغي أزاهير غافية عندَ تخومِ أحلامِ الطُّفولة. هل هي طفولة الفنّان أم طفولتي أم طفولة المشاهدين، أم هي حنين مفتوح إلى مروج طفولتنا البكر جميعاً؟ لماذا يحنُّ الفنَّان والشَّاعر والإنسان إلى الطِّين الأوَّل، هل تولد اللَّوحة من تطاير هواجس الأحلام المنبثقة من عطشِ الرُّوحِ إلى مهدِها الأوَّل، هل نحن أنشودةُ عشقٍ مفروشة على مآقي الغمام، أم أنَّنا تدفُّقات نسيم مندّى بتواشيح أريج الصَّباح؟!
أرى عالماً معبّقاً بالدَّهشة على مساحاتِ لوحاته، وأطفالاً مضمّخينَ بنضارةِ الاخضرار. هنا تمدُّ طفلةٌ يدها إلى طائرٍ موشّحٍ بازرقاقٍ فاتح، يهفو إلى مداعبة سمكة صغيرة، مسترخية بين أحضانِ طفلة حالمة بمرجان البحر! وهناك عناقات بهيجة على امتدادِ وهجِ الخيال، كأنّنا إزاء كرنفالٍ عشقي بين كائنات منسابة فرحاً ومتآلفة مع بعضها بعضاً، يقدّمُهُ لنا الفنّان في إطار طقوسٍ لونيّة راعشة، في غايةِ الرَّوعةِ والانسجام. حوارات انتعاشيّة متماهية مع تلاطماتِ شهوةِ البحارِ وهي في خضمِّ بحبوحةِ الانتشاء.
تتراقصُ على مساحاتِ لوحاتِهِ، انسيابات لونيّة متدفِّقة فوقَ جباهِ كائناتٍ عطشى إلى عبقِ أزاهير برِّيّة، احمرارٌ ساحرٌ يتمايلُ فوق عيونٍ زرقاء وبتلات معرّشة باخضرارٍ شفيف. تسطع غزالة جامحة بشموخٍ وهي تصغي إلى هسيس دبيب الأرض وخشخشات بعض الزّواحف. اختبأ بعض القطا خلف تلّة مكتنفة بالسَّحالي الصّغيرة، كأنّها في انتظار هديل اليمام من جوفِ الوادي المملوء بالزَّنبقِ والنَّفلِ البرّي. ترقصُ الكائنات الجميلة على إيقاعِ دفءِ النّهار. تفرشُ الشَّمسُ حبّها على روعة المكان. يراودني كثيراً انكماش الإنسان بعيداً عن شموعِ الخير وأغصانِ الجمال. كيف لا يستمدُّ الإنسان من كلِّ هذه الحفاوة والتَّناغم بين الكائناتِ البرّية والأهلية، خيوط الحبِّ والمؤانسة بين بني جنسه، عابراً بكلِّ رعونةٍ دهاليز معتمة، كأنّه في سباقٍ مع ألسنة النّارِ في بثِّ جحيمِ نيرانه على خدودِ الدُّنيا؟!
مسحةٌ أليفة تضيءُ جفونَ الغابات، من خلال رؤى خلاقة تعرّشَتْ بينَ أجنحةِ الفنّان، منذ أن تفتَّحَتْ مآقيه على وجهِ الدُّنيا، لهذا تتبرعمُ كائناته في فضاءاتِ ألوانٍ مرفرفة بأجنحةِ الفرح والوئام والأمل، تسطع كوهجِ الشَّمسِ وسطوعِ منارةِ القلبِ، مترجماً بكلِّ ما لديه من جمالٍ خلاق، شوقَ الرّوحِ إلى أبهى ما في خصوبةِ الحياةِ من تدفُّقاتِ لجينِ الإبداع!
لوحاتُ الفنَّان صدرالدِّين، تحرِّضني أن أبحثَ عن فرحٍ بين ثنايا طفولتي، كي أخفِّفَ من ضجرِ الَّليلِ والنَّهار، ومن ضجرِ متاهاتِ جواريش هذا الزَّمان، لوحاتٌ تنعشُ الرُّوحَ، مستنبتة من عوالم طفوليّة بدائيّة طازجة، متغلغلة في أعماقِ براري الخيال، عوالم مماثلة لما كنتُ أعايش الكثير منها في مرافئ طفولتي وأنا أسوحُ في سهولِ القمحِ الممتدَّة على مدى البصرِ، لوحاتٌ شفيفة منبعثة من حنينِ الرُّوح إلى بهجةِ الهطولِ، هطولِ الفرحِ من خدودِ الأطفالِ، من عبقِ الأزاهير الفوَّاحة، عوالم جميلة استطاعت بروعةِ ألوانِها وتشكيلاتها وتماهيها معَ بوحِ الأحلام أن تزيحَ عنّي الكثير من أنينِ غربتي المتفاقم من جنونِ هذا الزَّمان، وتفتحَ أمامي هلالاتِ النُّورِ، نورِ المحبّةِ والبراءةِ وحفاوةِ تدفُّقاتِ الشِّعر، وكأنّي أسمعُ موسيقى حميمة على إيقاع مناجل الحصَّادين.
لوحاتٌ بديعة تغفو على أنغام سحر الطَّبيعة، مورقة بعطاءات من نكهةِ الأطفالِ وهم يتطلَّعون بفرحٍ إلى غمامِ اللَّيل، ترفرفُ طائراتهم الورقيّة في قبَّةِ السَّماء على إيقاعات عوالم فنّان مبهور ومفطور على فضاءات لونيَّة طفوليَّة فسيحة، حيث تغفو فضاءات لوحاته فوق أهداب الأطفال وهم في أعماق أحلامهم. لوحات أخّاذة، تناجيك بحميميّةٍ منعشة، تدندنُ لكَ أنغاماً عذبة منسابة معَ تغاريدِ البلابل، تبوحُ لكَ بأسرارِ بهجةِ الحياة، تشعرُ برغبةٍ جامحةٍ أن ترقصَ على إيقاعِ توهُّجاتِ الفرحِ الَّذي يقمِّطُ حنايا قلبكَ، تمنحكَ اللَّوحات متعة عميقة وأنتَ تجولُ في منعطفات طلاسمها المسكونة بأحلام الطُّفولة وعبقِ الطَّبيعة، أسلوب مسكون بجمال الطُّفولة ومملكة الكائناتِ السَّارحة بينِ أسوارِ النَّعيمِ، يغوصُ الفنَّانُ في أعماقِ عوالمِ الأطفالِ وهم في قمّةِ بهجتهم وحبورِهم بينَ أحضانِ المروجِ، يرسمُ أحلامَهم المتلألئة كإشراقةِ خيوطِ الشَّفقِ في صباح باكر، يترجمُ من خلالِ تناغمِ بهاء تلاوين كائناته المضمّخة بالفرح، مشاعر إنسانيّة خلَّاقة عبر منمنمات رائعة، كأنّها أجزاء مقتطعة من فراديسِ الجنّة، أليس الأطفال جنَّة الجنَّات، وهم يمرحون فوقَ المروج، مروج الرُّوح ومروج الحلم الآتي؟! .. يرسم الفنَّان بأمانةٍ راقية كائنات أسطوريّة واقعيّة حلميّة، متداخلة في تماهياتها الشَّفيفة مع بعضها، لا يستطيع المشاهد أن يمسكَ الخيوط الَّتي بدأ بها الفنَّان رسْم لوحته، ولا يستطيع أنْ يحدِّدَ كيفية الانتهاء من رسْمِها، لأنَّ لوحاته تشبه سيمفونيات عشقيّة منبعثة من تدفُّقات حلمٍ مفتوح على أبوابِ جنانِ النَّعيم.
يترجمُ الفنّان بدفءٍ حميم ذاكرة طفوليّة مدهشة، محفوفة بالتَّجديد وتجلِّياتِ الحنين إلى صباحات الأطفال الكبار والصِّغار، صباحات فنّان مسكون بالطُّفولة من فروةِ رأسِهِ حتَّى ظلالِ روحِهِ، تتلمذَ طويلاً على صعودِ جبال مزدانة بالشُّموخِ والعطاءِ واخضرارِ الحياةِ، جبالٌ مضمَّخة بالطُّيورِ والنَّفلِ البرَّي وأعشاب لا تخطر على بال، تكسو خدودَ اللَّوحات كأنَّها تغريدة فرحٍ تغرِّدها عصافير الجنَّة على أنغام زخَّات مطرٍ متهاطلة فوق ثغورِ البراري. لوحاتٌ مبهرة بكائنات في غايةِ الرَّوعة والجمال، متدفِّقة من خيال متفتّق من ينابيع أعماق البحار حيث نقاء الشَّفق الصَّباحي ينثرُ قطرات النَّدى على بدائع الكائنات الململمة بحميميّة وارفة في معالم لوحات سارحة في ثنايا الغابات وأعماق متاهات البراري، لوحات منبعثة من أحلام فنّانٍ مسترخٍ بين تلألؤاتِ النّجوم، موغلٌ في انسيابيّة موسيقى الخيال، مزدانة بأرخبيلات لونيّة موغلة في أبهى تجلِّيات مرامي الأساطير، ضمن تناغمات فنّيَّة متهاطلة من شهقةِ سماءٍ متعطِّشة إلى وجنةِ الغابات.
ينامُ الفنّان حالماً ببسمة الأطفال، ينهضُ من غفوته وعذوبة أحلامه وألوانه تحنُّ إلى أجنحةِ العصافير والفراشات، تحلِّقُ أحلامه وألوانه بحبورٍ كبير فوقَ تلالِ رابيّة مزدانة بدبيبِ الرَّبيع، حيث الجَّراد والسَّحالي الصَّغيرة تحطُّ على وجنةِ زهرةٍ متمايلة على وبرِ الأرنبِ دون أن تخشى جفوله المفاجئ.
يرسم الفنَّان ألغاز طلاسمه بغزارةٍ مدهشة، كأنّه يستمدُّ تدفِّقاته الإبداعيّة من اهتياجِ مياه دجلة في أوجِ هيجانه الأكبر، يشبه راهباً نذر نفسه أنْ يلملمَ بدائع الزُّهور والطُّيور والكائنات الأليفة والبرّيّة، ربّما ينوي أن يعقدَ معاهدةَ فرحٍ بين الكائنات البرِّيّة والأهليّة متسائلاً، لماذا تركَ الإنسان هذه المخلوقات في أعماق البراري ولم يعتنِ بها ويقدِّمها إلى عوالم الأطفال كي تلهو بها، ويخفِّف عليها ولو قليلاً من غدرِ الزَّمان، أو من غدرِ الوحوش في كلِّ مكان، كيف نجَتْ هذه الكائنات من مخالب الضَّواري، وكيف استطاعَتْ أن تقاومَ الزَّمن وكلّ هذه الرِّياح والزَّوابع والصِّراعات الَّتي تهبُّ عليها على مرِّ العصورِ والأزمان؟!
موشور لوني زاخر بإيقاعات مبهجة للعين، وجه كائن متشكِّل من تدفُّقات خيال الفنّان في منتصف اللَّوحة، عينان بشريَّتان، تتكوَّن بقيّة تقاسيم الوجه من كائنات مبهرة بألوان صافية، حنونة ودافئة، كأنّها تترجم حفاوة انسجام الكائنات مع بعضها بعضاً. فرح وأمل وبسمة وحب وشوق يغمر هذا الشّلّال من الكائنات المنسابة على روحانيّة الفنّان وهو يناغيها ويعانقها في خياله ويهدهدها في فرشاته وألوانه وأحلامه وأحاسيسه وحبِّه ودفئه المتناثر فوق وجوهها الحافلة بتناغمات رهيفة، أشبه ما تكون سيمفونية لونيّة، حنينيّة إلى أبهج ما في الحياة من روعةٍ وبهاء!
وجوه متآلفة، تشكيلات متداخلة كأنَّها في حالة تعاضد وتعاون فيما بينها، تزدهي تيجان الغزلان في اللَّوحة بطريقة أليفة، متعانقة من بتلات زهرة وكائنات بحريّة وبرِّيِّة، يظهر وجه أميرة وسط هذا الكرنفال من الكائنات، يبدو واضحاً أنَّ الفنّان يركّز على هذا التَّآلف بين الكائنات والطَّبيعة بكلِّ ما فيها من جمال خلَّاب، فيعكس بكلِّ هذا الدِّفء والجمال والصَّفاء الرُّوحي المنبعث من داخله، ليقدّم لنا سلاماً كونيَّاً وحبّاً إنسانيّاً راقياً مع كلِّ الكائنات، عبر توليفاته اللَّونية المنسابة كأغنية متدفِّقة من نقاوة الطَّبيعة وضياء الشَّمس وخيرات الأرض ونفائس البحار، فيلملم كائناته بطريقة ابتهاجيّة وهارمونيّة وكأنّه يقدِّم لنا رؤاه عن روحانيّة الكائنات المتهاطلة من مآقي السَّماء وعناقها الحميم مع حفاوة الأرض، عبر فيض خياله الخلَّاق.
يرسم الفنَّان عيون كائناته على شكل عيون بشريّة، كأنّه يريد أن يؤنْسنها من حيث رؤيتها لبعضها بعضاً، ويسمو بها إلى حالات التَّآلف فيما بينها. وتتداخل الخطوط لتشكِّل كلمة: الله، دلالةً على نزوعه الرُّوحاني في الكرنفالات البهيجة الَّتي يرسمها في فضاءات لوحاته، ونرى حشوداً من وجوهٍ وأشكال خياليّة وأسطوريّة الَّتي تنساب مع تداخلاتِ الخطوط والألوان، حيث نرى وئاماً وهدوءاً وفرحاً فوق خدودِ اللَّوحات. وإنَّ أكثر ما يميّز أسلوب الفنّان هو الاشتغال على خلق عالم جميل بين الكائنات بكلِّ وئام ومحبّة وسلام، وكأنَّنا أمام غابة فسيحة من الذَّهب الأصفر، تشعُّ لوحته مرحاً وبسمةً وحبوراً، زتزهو سقسقات العصافير وهديل الحمائم، تساؤلاتٌ على مدى الغابات تتبادر إلى ذهن المشاهد وهو يمعن النَّظر في هذا الاحتفال المهيب!
فضاءاتِ عوالمه تموجُ اخضراراً متدرِّجَ الألوانِ في لوحةٍ هادئة، حيث شموخ طائر كبير في وسط اللَّوحة يسطع بخطوطٍ ورديّة جميلة، أوراق خضراء فاتحة على شاكلة بتلات وردة مسترخية فوق ظهر الطَّائر، إلى جانبها امرأة تمسك سلّة مملوءة بكائنات رهيفة، مقابلاً لها نجد رجلاً متشكِّلاً من مجموعة كائنات، رسمَ أجزاءَ الرَّجل والمرأة بتشكيلاتٍ جميلة وفوقهما طيور وأسماك وغزلان وأزاهير مبهجة للعين.
تشرق شمس الحبّ على كائنات الفنّان، فترقص ملكة وأميرة مع مخلوقاتٍ، تطيرُ فرحاً في جوٍّ من البهاء في أحضانِ الطَّبيعة، ترقصُ الطيورُ بحفاوةٍ كبيرة، ونرى قلوباً دافئة ووجوهاً بشريّة مخضلَّة بالجمال.
لوحاتُكَ غمرتني دِفئاً وبهجةً، حواراتٌ عميقة دارَتْ بيني وبين كائناتك وألوانكَ، وذبذبات الحنين المتاخمة لروحك السَّابحة في سماءٍ من فرح، فرح اللَّون وفرح الأطفال، وفرح الكائنات المتراقصة فوق بتلَّات الأزاهير. تكتب عبر ألوانكَ وتشكيلاتكَ وكائناتكَ شعراً عفويَّاً جامحاً في تجلّياته وصوره وبلاغته وفرادته وبساطته وعمقه. كم فراشة حطَّتْ على جبهتِكَ وأنتَ ترسمُ وداعةَ الحمام والحجل البرّي، هل تتذكّر وأنتَ في أعماقِ طفولتك عندما كنتَ تلملمُ باقات الأعشاب البرِّيّة والحمّص الأخضر وأنتَ تيمِّمُ وجهتكَ في أعماق البراري، هل كنتَ يوماً ما كائناً برّيَّاً مضمَّخاً بأخصبِ الألوان وتغلغلْتَ عبرَ حالة عشقيَّة فريدة إلى أحشاء أمّكِ وهي تسوحُ بين اخضرار الجبال الشَّاهقة، بحثاً عن أبهى كنوزِ الجمال، لهذا تحنُّ إلى كلِّ هذه الكائنات وكأنّها صديقة روحكَ وقلبكَ وشهقة صباحكَ ومسائكَ الحافل بالشَّوق إلى مرافئ البحار المتعانقة مع صباحات معبَّقة بالياسمين، هل فاتكَ تنقشَ حبقَ الرِّيحان في ظلالِ لوحاتكَ أمْ أنَّكَ رسمتها مراراً، فقطفَها الأطفال وهم يسرحون في رحابِ المروج، هل تحنُّ إلى بهاءِ الأطفال في أيَّام الطُّفولة وهم يمرحون ويدحرجون أنفسهم فوقَ التَّلالِ المعشوشبة بأزاهير يانعة ويمسكون خيوط طائراتهم الورقيّة وهم في قمّةِ حبورهم وتماهيهم مع نسيمٍ مندّى بأسرار الجبال المبلَّلة بوداعةِ السَّماء؟! كم من الأحلام حتَّى وُلِدَتْ كلّ هذه العوالم المزدانة بأفراحِ الطُّفولة، كأنَّها نسيم مندّى بحبيباتِ مطرٍ متهاطلٍ من تلألؤاتِ النُّجوم!
لوحاتُكَ أشبه ما تكون قبلات الأطفال في صباح العيد، عيد الرَّبيع، عيد الأطفال وهم يرقصون في أحضان الطَّبيعة، عيد الحبِّ، عيد الفنَّان، عيد الأعياد. لوحاتٌ معبّقة بخصوبة الكائنات والأعشاب البرّيّة الموشّحة بألقِ السَّماءِ في أوج ابتهالها لأمواجِ البحارِ. لوحاتٌ معرّشة كأغصانِ الدَّوالي بضفائر الطَّفولة، كأنَّها عناقيد عنب طازجة، مقمّطة بأزاهير متراقصة مع هبوبِ نسائم صباحات نيسان في أوج تألُّقها مع نضارة النَّدى الطَّافح فوق حبيبات التِّين. لوحاتٌ مكتظّة بكائناتٍ وطيورٍ ممهورة بيراعِ الإبداع، تحلِّقُ بتشكيلات تلاوينها عالياً، ترفرفُ كأجنحةِ العصافير شوقاً إلى تلالِ الذَّاكرة البعيدة، حيث أريج البيبون يملأ صدور الكهول وهم في طريقهم إلى البيوتِ العتيقة، لمعانقة أحفادهم المتوغّلين في أعماقِ السُّهول، بحثاً عن فراخِ الزَّرازير والقبَّرات. لوحاتٌ منبعثة من خيالٍ منسابٍ معَ هديلِ الحمائم، كأنّها رُسِمَتْ على إيقاعِ أناشيدَ مرتَّلة في الأديرة القديمة، حيث هلالات البخور توشِّحُ الشَّوق العميق إلى سهولِ القمحِ وبيادرِ الحنطة وإلى متعةِ الرُّكوبِ فوقَ النّوارج، وإلى بهجةِ الصُّعودِ إلى سطوحِ المنازل في اللَّيالي القمراء.
كَمْ عانَقْنَا النَّسيمَ العليلَ بعدَ هبوطِ اللَّيل. طفولةٌ من نكهةِ النَّارنج، فرحٌ بينَ أغصانِ الرُّوحِ ينمو.
كَمْ ناجينا النُّجومَ قبلَ أن يسربلنا النّعاس في أحلامٍ مبلَّلة بفراشاتٍ حائمة حولَ حفاوةِ النُّورِ، قبلَ أن تغفو هذه المخلوقات البديعة باسترخاءٍ لذيذ فوقَ مآقي الزُّهور!
كَمْ مِنْ تجلِّياتِ الحنينِ إلى براري الطُّفولة، حتّى تبرعمَتْ لوحاتُكَ ألقاً على وجهِ الدُّنيا!

ستوكهولم: آب (أغسطس) 2013
9. 9. 2019 صياغة نهائيّة
صبري يوسف

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design