الفنّانة اللبنانيّة المبدعة جاهدة وهبة تنشدُ ببراعةٍ مدهشة الغناء الأصيل 10

كتب الأستاذ صبري يوسف من السويد

فرحٌ منعش للقلب يغمرني، .. شغفٌ عميق قادني إلى تميُّز فرادتها في الغناء، من خلال الارتقاء في بهاءِ النَّصِّ الأصيل نحو أرقى مرافئ الإبداع، فنَّانة شاهقة في موسيقاها وألحانها الموغلة في روحانيّة صوفيّة مبهجة للروح والقلب.
سمعتُ صوتها المتفرِّد فانسابَ بفرحٍ عميق إلى مسامعي، تولّدَ عندي إحساس مبهج فأنعشَ طلاسم غربتي المفتوحة على رحابِ الحياة. بدا لي صوتها كأنّه منبعث من ربوعِ أحلامٍ موغلة في مروج الرّوح. أيقظَتْ في داخلي رغباتٍ مكبوتة وتوّاقة لسماعِ الطَّرب الأصيل وترنيم التّراتيل والمزامير والإنشادِ الصّوفي المنعش لتجلِّيات الرّوح. استمعتُ إلى عذوبة صوتها وحسّها وتجلِّيات روحها المرنِّمة برهافةٍ متناهية، كأنّها تناجي أرواحنا العطشى لهكذا نوع من الغناءِ الرّاقي!
غمرتني سعادة عميقة وأنا أسمع أغانيها وآسرتني رهافتها وتجلِّيات أدائها، كأنّي كنتُ في حالةِ انتظارٍ لهكذا دغدغات لمرافئ الرّوح روحي. انسابَ صوتها بكلِّ انتعاشٍ في أعماقي، متوغِّلاً بعذوبةٍ شفيفة بين مزارات قلبٍ مجنّحٍ نحو دروبِ الفرح والحنين إلى أعذب الألحان. هدهدَتْ بعبورهِا الدَّافئ طفولةً مسترخيةً في مرافئ النّسيان، وبلسَمَتْ آهاتِ طفولةٍ مضمَّخة بأصالةٍ موشَّحة ببعضِ وخزاتِ الأنين، شامخةً بصفاءِ صوتِها وألحانِها نحوَ هلالاتٍ متعانقة مع شذى بخورٍ منبعثة من قداسةِ أديرة قديمة، كأنّها تنشدُ خلاصةَ ألحانٍ تنامَتْ بين عوالمها البهيجة حفاوةَ النَّدى المتناثر على اخضرارِ وريقات الحنطة.
تنشدُ جاهدة الشِّعرَ بكلِّ تلاوينه الملامسة لتجلّياتِ روحٍ مقمّطة بوميض الانبهار، تعكس لنا إنسانيّتها بأصفى ألقها، وتدغدغُ بمهارةٍ عالية الحنينَ الغافي في ثنايا الذَّاكرة، كأنّها تحاكي عبر أدائها الغنائي، قصيدةً حالمةً خلال انبعاث لحظات شموخها في بوحِ الإنشاد، لأنَّ القصيدة هي الَّتي تختارها، ولا تجد مناصاً منها إلَّا بعد أن تغنّيها، فهي مدمنة في عشقِ القصائد، تعبُرُ خلالَ إنشادها في أعماقِ منعرجات جموحِ الخيالِ. تنشدُ المزاميرَ والتَّراتيلَ والنُّصوصَ الصّوفيّة المستفيضة في إشراقةِ جموحاتِ بوحِ الرُّوحِ، حيثُ ترى الغناءَ كأنّهُ شهيقها الَّذي يمنحها الحياة، لهذا تغدق علينا أبهى ما لديها من غناءٍ أصيل!
تشبه جاهدة وهبة حبقَ القصيدة المتفتّحة على نضارةِ البساتين في توليفة ألحانِها، تتفاعل مع روحانيّة النَّص كأنّه جزء من كينونتها، وتترجمه عبر مساحاتِ عُرَبِها الصَّوتيّة المضمّخة بورعِ الابتهال، فتنسابُ تجلِّياتها السَّارحة في مرامي الأحلامِ، متراقصةً على إيقاعِ بهاء الكلمات وعذوبةِ الأنغامِ، فتتوغَّلُ رويداً رويداً في حنايا القلب وتتصاعدُ على مسارِ تماهيات بهجة الرّوحِ نحوَ أقصى ابتهالاتِ حبورِ السَّماء.
كلّما تناهَت أغاني جاهدة إلى مسامعي، تراقَصَتْ روحي ألقاً من بهجةِ الانتعاشِ، تمنحني فرحاً مماثلاً لتوهُّجات انبعاث الإبداع، وكأنّي في أوجِ انغماسي في مناغاةِ مسارِ تدفُّقات خيوطِ القصيدة. تناجي بإنشادها وألحانها وأغانيها حلمَ الأطفالِ وألقَ العشَّاق وهم يغفون بين أحضانِ اللَّيل بفرحٍ كبير، تشبه أغانيها زخَّاتِ مطرٍ منبعثة من آهاتِ غيمة حُبلى بأزاهيرَ عشقٍ مبرعمة من نكهةِ العسل البرّي.
تتوهَّجُ ألقاً في محرابِ الغناءِ وتمسحُ عن جبهتنا أحزانَ السِّنين بإنسيابيّة حميمة، تغنّي كي تتطهّر من أوجاعِ الحياة، من خلال تلحين نصوصٍ تسكنها، فتشعرُ بمتعةٍ فائقةٍ عندما تغنيّها بكلِّ تجلّياتِ روحها وكأنَّ الغناء هو بلسمٌ شافٍ لجراحاتها وطوقُ نجاةٍ عبر مسار غنائها المشبّع بأسرارِ الخلاص من تفاقماتِ أنين الحياة! ..
تمتلكُ حنجرة حريريّة صافية، أطلق عليها الفنَّان وديع الصّافي، مجاهدة: مناضلة في الغناء، فقد طاوعَ صوتها الكثير من الانكسارات، إلى أن وصلَ أبهى درجات الوجدِ والابتهال. يتوغَّل صوتها في مرافئ الرّوح الدَّافئة، كأنّها تحملُ بين أجنحتها رسالة فرحٍ إلى الحزانى كي تخفِّف من أحزانهم، وتقدِّم إلى المشتاقين إلى ظلالِ البيوتِ العتيقة باقات القرنفل على إيقاعاتِ فرحٍ، فارشةً أمامنا ألعاب الطُّفولة المنسيّة، فتوقظُ في أعماقنا أحلاماً هاربة في ثنايا الغمام!
تتميّز بتشرُّبِها بأصالةٍ وروحانيّةٍ فيروزيّة، في فرادتِها في دنيا الغناء. صوتُها أصيل معبِّر عن مشاعر توَّاقة إلى حبورِ شهقةِ القصيدة، فقد غنَّت لقامات شعريّة سامقة، كأنّها حبقٌ ممتدٌّ من وهجِ الابتهال المتدفِّق من إشراقةِ خيالٍ متماهٍ مع خيوطِ الصَّباح. يتماهى صوتُها معَ أزاهيرَ ممراحة على إيقاعِ فضاءاتِ فيروز المجنّحة نحو صفوةِ الإبداع!
***
هل تغلغلَتْ في روحِكِ وأنتِ في أعماقِ الحلم، إشراقةُ العشقِ لأشهى الأغاني؟ أراكِ تصدحينَ بإبتهالاتِ فرحٍ وتجلِّياتِ بوحِ الرُّوحِ وكأنّكِ هلالة فرحٍ متدفِّقة في ليلةٍ قمراء من شهوةِ الغابات! تغنِّين “أكَابيلَّا” التّجويد، وهي لغة ابتهاليّة من دون موسيقى مرافقة، تهدهدين الكبار من خلالِ إنشادِ أشهى الأغاني.
استمعْتُ إلى عشراتِ التَّرانيمِ والأغاني الصَّادحة في فضاءاتِ اليوتيوب. وجدتُكِ صوتاً مجبولاً بالأصالة، مدهشاً في صفائه وعذوبته مثلَ دهشةِ قصائدٍ تتماهى معَ أبهى تجلِّياتِ شهيقِ الشِّعرِ، وكم كان الشَّاعر سعيد عقل بديعاً في رأيه عندما أطلقَ عليكِ “رنكَانة” أي رنين الكون، اسم فينيقي ينطبق على رحابةِ رنينِكِ الإنساني الخلّاق، صوتُكِ إشراقةُ حنينٍ إلى ينبوعِ الماءِ الزُّلال. صوتُكِ سؤالٌ مجنّحٌ نحو ظلالِ البساتين، حالةُ فرحٍ مجدولٍ بلهفَةِ وحنينِ المحبِّين. تغنّين على إيقاعِ شهوةِ الرّوحِ وهي ترقصُ من وهجِ الابتهال، كأنّكِ في حالةِ عشقٍ مفتوحٍ معَ تلألؤاتِ النُّجوم.
هل استلهمْتِ من ضياءِ القمرِ شوقَ الأرضِ لسموِّ السَّماءِ، أم أنّكِ تبرْعَمْتِ من حنينِ الغاباتِ إلى خريرِ السَّواقي في أوجِ ابتهالاتِ بزوغِ الرَّبيع؟! تراودني أسئلة مفتوحة على مساحاتِ جموحِ القصيدة.
تغمرُكِ حالة انصهارٍ معَ أعذبِ الكلام، مع وميضِ الشِّعر، مع أشهى أشواقِ الهيام. تتعانقُ بهاءُ القصيدةِ معَ حياءِ خدّيكِ، مع بسمةِ عينيكِ، معَ مروج ينابيع الرّوحِ، فتصبحُ القصيدةُ صديقةَ روحِكِ الأنقى. تتسامى الرُّوحُ معَ حبورِ الحرفِ، فتتألَّقين في خضمِّ ألحانِكِ، كأنَّكِ في حالةِ ابتهالٍ حلميّة مع أرقى حفاواتِ الكلام، تشمخُ البقاعُ مسقط رأسكِ أمامكِ، فيجرفكِ الحنين إلى مرابع الطُّفولة والصِّبا، إلى البيتِ الأوَّل، حيث تفتَّحت فيه قريحتكِ ومن هناك انطلقتِ حيث جمهورك الأوّل: الأم الوديعة، الحاضنة الرَّؤوم، والوالد الَّذي زرع في آفاقِكِ مذاق القصيدة وعشق الشِّعر! .. هناك ودّعْتِ الجمال، جمال الطّبيعة، وجمال الحياة الموسوم بالوالد المرفرف في مروج روحِكِ، والوالدة الَّتي خبَّأتيها بين جوانحك المحلّقة على مدى رحابة تجلِّيات الرّوح، شعرْتِ أنّكِ تحوَّلْتِ إلى كتلةٍ من يباس بعد رحيلها، ولم تجِدين أجدى من القصيدة، وغناء القصيدة ينقذانكِ من شفير هذا اليباس!
جاهدة وهبة فنّانة معجونة من طينِ المحبّة، غارقة في اخضرار شُهُبِ الرّوحِ، مجنّحة نحوَ مآقي زرقةِ السَّماء. صديقةَ اللَّيلِ الحنون، غيمة سارحة معَ هفهفاتِ نسيمِ الصَّباح. تعبرُ على همهماتِ هدوءِ اللّيلِ إلى أحلامِ الطُّفولة، عاشقة مشتعلة في يراعِ القصائد، نغمةُ فرحٍ مرفرِفة في أجنحةِ اليمام، حديقةٌ مزدانة بأغصانِ الأمل، مسكونة بشهيقِ الشِّعرِ، بأسرارِ كلماتٍ مملّحة بحبرِ الحنينِ. كم من القصائد تمايلت بتناغماتِ إيقاعها فوقَ سواقي العبورِ، كم من الدُّموعِ انسابَتْ من مقلتيكِ حتَّى تلألأ وميضُ الأنغامِ من انبعاثِ أزهى خيوطِ الحنينِ فوقَ تيجانِ الحياة؟!
جاهدة وهبة مطربة وملحّنة مسربلة بوشاحِ جمراتِ الألم ووهجِ الحبِّ وتلالِ الذّكريات، استلهمَتْ وهجَ القصائد من خشخشاتِ الأشجارِ، من همهماتِ الرِّيح، وهسيسِ الكائناتِ وبهاءِ الطَّبيعةِ وشموخِ الجبالِ، ومن الذَّاكرة المعجونة بطينِ الحياة. كتبَتْ ولحّنتْ وغنَّت القصائد الّتي تشبهها، كي تسمو أثناء تجلِّيات الغناء فوقَ ينابيعَ الرُّوح، لعلّها تمحقُ أحزانَ السِّنينَ الوارفة فوقَ سهولِ القلبِ المستنبتة حولَ مرافئِ الرّوحِ.
تفرشُ ألحانَها بَلْسماً عذباً فوقَ أهدابِ القصيدة، فأنشدَتْ أشعار أُنسي الحاج ومحمود درويش وأدونيس وطلال حيدر وإيلي شويري وأحلام مستغانمي ولميعة عبّاس عمارة وعمر الخيام والشّاعرة الإيرانيّة فرّوغ فرخ زاد والشَّاعر الألماني غونترغراس والإسباني فريدريكو غارسيا لوركا، ومزامير داؤود والتّراتيل السّريانيّة والبيزنطيّة وأنشدت أجمل القصائد لاِبن عربي وجلال الدّين الرّومي ورابعة العدويّة واِبن الفارض والحلّاج!
أريدُ أنْ أهمسَ لروحِكِ الهائمة في أشهى تجلِّياتِ الألحانِ، أسرارَ جموحِ الحرفِ إلى أقصى توهُّجاتِ الابتهالِ، أريدُ أنْ أنقشَ على رحابةِ ذبذباتِ صوتِكِ تواشيحَ رعشةِ القصيدة، أريدُ أنْ أرسمَ بسمةَ القمرِ فوقَ خدودِ الطُّفولة. مراراً استوطنَتْ في مراميكِ أحزانَ السِّنين، وحدَها القصيدة بلسَمَت النّشيجَ المستوطنَ في قيعانِ مرافئ الذّاكرة، وحدَها الأغاني خفِّفَتْ من أنينِ الجراحِ المستفحلة في كينونتِكِ على مدى طفولتِكِ المبرعمة على وجهِ الدُّنيا. طفولتُكِ رحلةُ أسىً مشرئبّة بانسيابِ أنقى الدّموع، طفولتُكِ مسروجة بقناديل ليلةِ الميلاد، طفولتُكِ متجلِّية في فضاءِ الأنغام الَّتي توغَّلَت عميقاً في لبِّ الألحانِ المنبثقة من ذاكرتك المبلَّلة بندى الياسمين، إلى أن غدَتْ طفولتُكِ ينبوعَ انطلاقٍ نحو أشهى تجلّيات إنشادِ القصيدة.
هاجسُ العبورِ في لبِّ الأحزانِ راودَكِ مراراً، فعبرْتِ إلى قيعانِ الأنينِ كي تطهِّري الجراحَ الخفيّة من جذورها عبرَ عذوبةِ الألحانِ، وكأنّ بهجةَ إنشاد الأغاني، كانت مفتاح الشّفاء والإنعتاق من أوزارِ الألمِ الجاثمِ فوقَ ربوعِ الطُّفولة المسربلة بالأسى والأنين، منذُ استشهاد والدكِ إلى أن غدا الحزن أليفاً لكِ لسنواتٍ طويلة، فما وجدْتِ أجدى من الغناء كي تردّينه على أعقابه من خلال تطهير الرُّوح من تشظّيات الأحزان المتناثرة فوق اشتعالِ غابات الحلم!
كلَّما استمَعْتُ إلى أغانيكِ، رقصَ قلبي طرباً من وهجِ انبعاثِ أبهى الأنغامِ، وازدَدْتُ انبهاراً في تجلِّياتِ روحِكِ الخلَّاقة في ألقِ العبورِ في أعماقِ أسرارِ بوحِ القصيدِ! كيف تشكَّلتْ هذه الرّوح التَّوّاقة إلى مسارِ نُجَيْمَاتِ الصَّباح من حيثُ ابتهالات بهجةِ الأنغام؟!
عندما أسمعُ إلى مهاميزِ الطَّرب المنسابة من حفاوةِ الأداءِ، تستيقظُ في ظلالِ الرُّوحِ الخفيّة ينابيع دفء القصيدة، شوقاً إلى عناقِ بهجةِ الابتهالِ، كأنَّكِ غيمة مندلقة من خاصرةِ السَّماءِ نحوَ براري الشِّعرِ، نحوَ أنغامِ جاهدة وهبة وهي تنشد أبهى الأغاني، كأنّها في رحلةِ انتعاشٍ نحوِ أهازيجِ بوحِ القصائد!
منحْتِ نفسي بهجةَ العبور إلى معالم عاشقة مفتونة بالغناءِ الأصيلِ، مفتونة بشهقاتِ حبرِ القصيدة، فنّانة من لونِ زرقةِ البحرِ وهي تهفو إلى عناقِ نسيمِ اللّيلِ قبلَ أنْ تبتسمَ النُّجومُ لآهاتِ البشر!
جاهدة وهبة صديقة حرفٍ مندلقٍ من مآقي الغمامِ، تتوّجُ بأنغامِها متاهات بوحِ القصيدة، فتعيدُ القصيدةَ إلى مساراتِ بهجةِ الاشتعالِ، كأنَّها مجبولة من يراعِ أسرارِ القصيدة، لهذا نراها تتوغَّلُ عميقاً في حبورِ تجلّيات الإنشاد وهدهداتِ الأغاني. صوتٌ منبعثٌ من عذوبةِ روحٍ توَّاقة إلى حبرِ القصيدة، تهفو القلوبُ بمتعةٍ غامرة إلى الاستماعِ لتوهُّجاتِ “رنكَانة” المنسابة برنينِ الكونِ، على إيقاعِ تدفّقاتِ خيوطِ الحنين!
إنّها ابنة حضارة موغلة في الإبداع الأصيلِ، ابنة لبنان، ابنة الشَّرق الدَّافئ بأرقى تلاوين العطاء، ابنة القصيدة، ابنة المقام الموسيقي الأصيل، المتشرّبة بأغاني أم كلثوم، وعبدالوهاب، وأسمهان ووديع الصّافي، والمترعرعة على هدهداتِ أغاني فيروز!

ستوكهولم:
صبري يوسف

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design