خاطرة : عودة صديق بعد غياب طويل

كتب الباحث الاستاذ فريد حسن من بروكسل

بدأت صداقتي مع الاول عام 1959 م يوم نجحت في شهادة الدراسة الاعدادية فقدم لي والدي مكافأة على نجاحي خمسين ليرة سورية وكانت تساوي ثمن عشرين غرام من الذهب – اشتريت بخمسة وثلاثين منها عودي الاول الذي تدربت عليه عندما كنت في الشعبة الموسيقية في دار المعلمين لمدة ثلاث سنوات اي عام 1963م–
ثم رافقني في تنقلاتي بين أرياف الرقة وحلب حيث عملت معلما مع متابعتي لدراستي الجامعية الحرة التي انهيتها عام 1969 م وانا معلم في مدارس المدينة في حلب ؟
اشتريت عودا جديدا يليق بأنشطتي كملحن في اذاعة حلب والتي سجلت فيها عشرة الحان بين عام 1968م و1971م وكان صديقي الجديد يلازمني في ترحالي الى دمشق وبيروت وكل المدن السورية ؟
وعندما أعرت مدرسا الى موريتانيا لم اصطحبه لا لشيء إلا لخوفي من أن يكسروه في المطار ( هكذا قيل لي ) لأنها الجمهورية الاسلامية الموريتانية – ولان أحدا من حلب كلها لم يسبق له أن سافر الى موريتانيا – ولا موريتانيا واحدا جاء الى حلب قبل ذلك التاريخ عام 1976م
وكما ذكرت في قصاصات مذكراتي الفنية فقد وجدت الواقع غير ما خوفني منه الجاهلون للأمر فقد وجدت الشعب الموريتاني محبا للطرب والشعر ؟
ومن خدمات الراضي البيضاوي رحمه الله ومن أفضاله علي أنه اصطحبني الى دار المرحوم سيمالي ولد همد فال الذي كان عنده العود الوحيد في موريتانيا وكان هو الشخص الوحيد الذي درس الموسيقى في العراق الى ذلك التاريخ حيث احضر العود معه من العراق ؟
ولم يتركنا نغادر بيته قبل ان نتناول معه طعام الغداء وقدم لنا العود الذي به لحنت كرسك ياغلانه – وكتائب موريتان – وافريقيين وعرب الاتنين – وانتي موريتانية وانا من حلب – وبالي حالف يمين – ودوم يالله ذي الحيلة – ونشيد يابناة الغد للخليل ول نحوي – كل هذا كان في اربعة أشهر ونيف كنت قد حصلت فيها على بطاقات الطائرة للزوجة والاولاد لاحضارهم من حلب الى موريتانيا ؟
فور وصولي الى حلب توجهت الى صانع أعواد الموسيقار فريد الاطرش فقلت له اريد عودا مثل عود فريد ؟ سالني مثل اي منها ؟ فأريته النموذج واتفقنا على السعر وموعد التسليم وسلمني إياه – وذهبنا في رحلتنا الطويلة التي رافقها كثير من الصعاب حتى وصلنا بالسلامة الى نواكشوط فأعدت عود المرحوم سيمالي لصاحبه شاكرا معروفه – وصار صديقي الجديد (عودي ) يغرد معي في الاذاعة وفي صالات دور الشباب ودور السينما وفنادق ومطاعم وصالونات الاصدقاء وكل صالات الحفلات في انحاء موريتانيا من نواكشوط – الى روسو والمقاطعات التابعة لها – وكيهيدي – وأطار ووديانها – اكجوجت – ونواديبو- وزويرات وفديرك – وتجكجة – والعيون وطين طان – والرشيد ( ولم يتبقى لي من المدن التي لم أزرها الا : النعمة – وشنقيط ووادان – وبير أمر كرين – وتيشيت ) علما اني في زيارتي الاخيرة زرت وادان ورأيت شنقيط من بعد مئات الامتار – أما بير أم كرين فحكايتها مع صديقي المرحوم الطيار محمد ولد الطاهر عندما دعاني احد الضباط قائد الوحدة العسكرية في بيرأم كرين وركبت الطائرة مع ولد الطاهر وتاهت الطائرة بسبب عاصفة رملية وعدنا الى زويرات – أما النعمة فكنا ذاهبين اليها في زيارتي قبل الاخيرة عام 1991م وفي منتصف الطريق بين العيون والنعمة تعطلت السيارة الخاصة التي كانت تقلنا حيث ثقب خزان الزيت وعدنا ادراجنا الى نواكشوط – ( انا اريد وأنت تريد والله فعال لما يريد )
المهم في الامر أن عودي الجديد كان معي في كل رحلاتي ولو كان له فم يتحدث أو عين تسجل لحدثكم عن قصص جميلة لاتنتهي في موريتانيا وفي عدة دول افريقية واوربية – لقد ذهب وعاد الى سورية عدة مرات عبر جزر الخالدات ( جزر الكنار ) وباريس واسبانيا والمانيا وبلجيكا – عشرات الالاف من الكيلو مترات قطعها معي – في مئات الرحلات بالطائرات والقطارات والسيارات الصغيرة والمتوسطة بل الشاحنة أكثر من مرة –
هذا العود بقي في سورية حيث خرجت في حالة لا يسأل فيها الانسان الا عن نفسه – لكن لحسن الحظ كان موجودا في بيت ولدي في حلب الغربية التي لم يدخلها الاغراب واللصوص – بينما عودي الاول سرق مع الاكورديون وعشرات القطع الكهربائية في بيت القرية مع كل الاشرطة والذكريات والتحف والنفائس والصور –
اعود للعود الذي بقي لي من كل ما املك من اشياء غالية فقد كسره من سكنوا في بيت ابني بعد ان غادر الى المانيا بسبب سوء استخدام صبيتهم له وقد طلب ولدي ممن يشرفون على ممتلكاته هناك ان يصلحوه ويرسلوه مع احد الاصدقاء القادمين من حلب وبالأمس وصل الصديق الذي لم اره منذ خمس سنوات علما انه قبل ذلك ايضا لم تكن الظروف مواتية للقاءاتنا- كم كانت فرحتي بلقائه كبيرة – لقد جاء حاملا معه كل الذكريات الجميلة التي شهدها – كم كان اللقاء حارا فما هي الا لحظات وكان جاهزا للعزف بعد دوزنته و( الدوزان ) عبارة سورية مشرقية و( التطياب ) عبارة موريتانية – وهي عملية المؤاءمة بين الاوتار ليكون العزف ممكنا وصالحا – ان كل شيء فيه مثالي بدءا من صوته الرخيم وزنده المريح وارتفاع أوتاره عند الزند وعند مضرب الريشة – ونوع خشبه الذي صنع منه وسماكة الواجهة والطاسة – وطول الزند وعرضه – ولا اريد أن أستزيد في التفاصيل التي لا يعرفها الا اختصاصي بالعزف ؟
اهلا بك صديقي الذي لم تتخلى عني ولتعود لأحضان من أحبك وأخلص اليك منذ نيف وأربعين عاما – اهلا بك في ضواحي بروكسل الخلابة وانا اعرف أنك تحب الطبيعة الخلابة لانها مصدر الهام ووحي لك كما لصديقك الذي هو أنا وأعرف انك مشتاق للزيرات وواحات النخيل ولامواج الاطلسي ( ادع معي الله ان ترافقني لتستعيد كل ذكرياتك الرائعة هناك ) –

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design