الدراسات الإسلامية وعلوم اللغة العربية ومخطوطاتها في أوزبكستان – 1

كتبها في طشقند: أ.د. محمد البخاري


من المعروف أنه مع انتشار الدين الإسلامي الذي حمله الفاتحون العرب في القرن السابع الميلادي إلى ما وراء النهر، انتشرت اللغة العربية لغة القرآن الكريم في تلك الأصقاع من الأرض حتى غدت لغة العلم والتعليم والتجارة والدواوين. ولم يتأثر موقعها الهام هذا رغم تبدل الدول والأسر الحاكمة على أرض ما وراء النهر.
وعندما جاء الاحتلال الروسي إلى تركستان حمل معه ثقافة غريبة ولغة غريبة ومفاهيم غريبة عن أبناء المنطقة التي أصبحت تسمى بعد استقرار الاحتلال بتركستان الروسية. وازدادت وطأة الاحتلال بعد استيلاء البلاشفة على السلطة في روسيا وإقامتهم السلطة السوفييتية التي قسمت تركستان الروسية خلال عشرينات القرن العشرين إلى الجمهوريات الخمس المعروفة اليوم وهي: أوزبكستان، وقازاقستان، وتركمانستان، وقرغيزستان، الناطقة باللهجات التركية، وطاجكستان الناطقة بلهجة من اللهجات الفارسية، وحولت فيما بعد تحت الرعاية السوفييتية إلى لغات مستقلة تكتب بالأحرف الروسية (الكيريلية). وقامت السلطات البلشفية آنذاك بإغلاق المساجد، ومصادرة وإتلاف كل ما كتب باللغة العربية أو حتى بالحرف العربي ومعاقبة كل من يعثر بحوزته على مثل تلك الكتب، بعد أن عمدت إلى إلغاء استعمال الحرف العربي واستبداله بالحرف اللاتيني أولاً، ومن ثم بالحرف الروسي (الكيريلي). ورافق تلك الحملة إغلاق المدارس الإسلامية ومنع تعليم وتداول اللغة العربية في تلك الجمهوريات تماماً حتى الحرب العالمية الثانية.
ورغم تبدل الظروف تحت وطأة الحرب العالمية الثانية، واضطرار السلطات السوفييتية للتخفيف من ضغوطها، وفتح متنفس بسيط أمام المسلمين وأبناء الديانات الأخرى في تركستان الروسية، وسماحها بتأسيس الإدارة الدينية لمسلمي آسيا الوسطى وقازاقستان السوفييتية، التي أعادت فتح مدرسة مير عرب الإسلامية في بخارى، وافتتحت معهد الإمام البخاري في طشقند. بالإضافة للسماح بتعليم اللغة العربية في عدد محدود من المدارس الرسمية في أوزبكستان، وتوسيع كلية اللغات الشرقية في جامعة طشقند الحكومية، إلا أن الصورة لم تتبدل من حيث الجوهر، لأنه فرض تعليم اللغة العربية آنذاك من خلال كتب كتبها مؤلفون اعتمدوا في موادهم الدراسية على مبادئ وقواعد اللغة الروسية، فأصبح على الأوزبكي تعلم العربية من خلال لغة أجنبية أخرى (الروسية). وكانت كلها من حيث الأهداف تلبي احتياجات الحكومة المركزية في موسكو وخططها، واحتياجاتها من المترجمين بعد ازدياد الطلب عليهم مع توسع المشاريع السوفييتية في بعض الدول العربية، وخاصة الجزائر ومصر وسورية والعراق واليمن مع بداية ستينات القرن العشرين.
وتبدلت تلك الصورة بعد الاستقلال تماماً، وأصبحت دراسة اللغة العربية كلغة أجنبية تدرس في المدارس الرسمية إلى جانب اللغات الأجنبية الأخرى، وتدرس في الجامعات والمعاهد كلغة أجنبية وازداد الطلب عليها بعد تأسيس الجامعة الحكومية الإسلامية بمبادرة من رئيس الجمهورية إسلام كريموف (رحمه الله) عام 1999، التي يشترط للقبول فيها الإلمام باللغة العربية. وافتتاح عدد كبير من المدارس الثانوية والمعاهد المتوسطة المتخصصة بتعليم اللغة العربية. وازداد الاهتمام بدراسة المخطوطات المحفوظة خلال العهد السوفيتي في معهد أبي ريحان البيروني للاستشراق، الذي تبدلت أهدافه بعد الاستقلال من معهد يلبي احتياجات الاستشراق الروسي الرامية لتعزيز وتكريس الاحتلال وتثبيت جذور السلطات الاستعمارية والتوسع بالاستيطان ونشر الثقافة الروسية في المنطقة بأسرها، لتصبح أهدافه وأهداف غيره من مؤسسات التعليم بمستوياتها المختلفة بعد الاستقلال دراسة وتحقيق ونشر تراث الأجداد العظام من علماء ما وراء النهر أمثال: الخوارزمي (783م-850م)، والفارابي (879م-950م)، والبيروني (973م-1048م)، وابن سينا (980م-1037م)، والزمخشري (1075م- 43/1144م) وألوغ بيك (1449م- 1494م)، وغيرهم ممن تعتبر مؤلفاتهم جزءاً لا يتجزأ من التراث الإنساني العالمي وحضارته المتجددة، وتعريف الجيل الناشئ بها وتقديمها للعالم بأسره.
وتقوم الكوادر العلمية الخبيرة والمتخصصة في مجال دراسات التراث الأدبي الإسلامي ومخطوطاته اليوم بمتابعة الأبحاث العلمية التي بدأت منذ دخول الكوادر الوطنية هذا المجال الهام في جمهورية أوزبكستان في ثلاثينات القرن العشرين. ومن بين تلك المجالات، مجال دراسة الدور الهام الذي لعبه الأجداد العظام في دراسة وتطوير وإعداد قواعد النحو والصرف العربية، وهم الذين أسهموا بقسطهم الوافر حتى بلغ النحو العربي الدرجات العليا التي وصل إليها اليوم، وخاصة منها ما لم يتناوله البحث والدراسة والتحقيق من قبل. سيما وأن لعلماء ما وراء النهر دور مهم في إعداد قواعد النحو والصرف للغة العربية التي نعرفها اليوم.
ومن الكوادر العلمية الوطنية التي اهتمت بدراسة تلك المخطوطات في أوزبكستان على سبيل المثال لا الحصر: علي بيك رستاموف، وقازاق باي محمودوف، وزاهد جان إسلاموف، ومقصود حكيم جانوف، وأتكور جان قارييف، وعبيد الله اواتوف، وباطير بيك حسانوف، وإيرغاش عماروف، ومخلصة ضياء الدينوفا، ومن الباحثين الشباب سليمة رستاموفا، ورايح بهاديروف، ويولدوز إسماعيلوفا، وبهرام عبد الخاليقوف، وماليكة ناصيروفا، وغيرهم.
وسأحاول قي هذه الدراسة تقديم بعض علماء اللغة العربية الذين ولدوا وعاشوا في ما وراء النهر خلال القرون الوسطى، من خلال نتائج بعض الدراسات الجارية عنهم في أوزبكستان. خاصة وأنه من المعروف أن اللغة العربية في آسيا المركزية خلال القرون الوسطى كانت لغة العلم والفن والأدب لوقت طويل كما سبق وأشرت. وأثبتت الدراسات أن علماء ما وراء النهر (آسيا المركزية اليوم) قد أتقنوا اللغة العربية وشاركوا من خلال أعمالهم بتحليل اللغة العربية وقواعدها وآدابها. وتطور إلى جانب الأدب المكتوب باللغة العربية في المنطقة، الأدب المكتوب بالحرف العربي بلغة الترك. وما يثبته وجود الكثير من رسائل النحو العربي، والمعاجم، والشروح لمؤلفات نثرية وشعرية ظهرت خلال الفترة التي سبقت الغزو المغولي لما وراء النهر. وتشير إلى إقبال سكان ما وراء النهر على اعتناق الدين الإسلامي الذي حمله معهم الفاتحون العرب بشغف كبير، وحرصهم على تعلم اللغة العربية لغة القرآن الكريم والسنة المطهرة والحديث الشريف، وهما مصادر الشريعة ومنبعها، فلما كانت النهضة العلمية والأدبية في ما وراء النهر وخراسان خلال العصر العباسي ازدادوا سعياً في ميادين العلم والثقافة والأدب العربي.
وقد اشتهر في الشرق الإسلامي علماء كثيرون منهم أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري (1075-1143) الذي أدّى قسطه الوافر لتطوير علوم نحو وصرف اللغة العربية في صدر القرون الوسطى. وهو أشهر من نار على علم، ولا يحتاج لتقديم أو تعريف. ومع ذلك ولضرورة البحث أذكر أنه نشأ في زمخشر، ودرس ودرّس فيها، ثم سافر إلى بخارى طلباً للعلم وهو في مطلع الشباب. وتعرض خلال سفره لحادث أدى لقطع رجله. ليعيش ما تبقى من حياته عاجزاً برجل واحدة. ورغم ذلك قضى حياته في السفر والتنقل طلباً للعلم، فسافر إلى خراسان وبلاد الشام والعراق والحجاز. وعاش أكثر من خمس سنوات في مكة المكرمة، ودرس فيها العلوم الدينية المختلفة والنحو والصرف والفقه والكلام وعلم اللغة العربية والعروض والأدب والمنطق وتفسير القرآن وأبدع فيهم.
وألف الزمخشري خلال حياته أكثر من خمسين كتاباً كتبها نثراً ونظماً. وألف كتابه “المفصل في صنعة الإعراب” خلال سنة ونصف (513هـ/1119م-515هـ/1121م) في مكة المكرمة. وللزمخشري مختصر لهذا الكتاب معروف باسم “الأنموذج في النحو” يحوي على 25 صفحة، تتضمن عرضاً شاملاً لقواعد اللغة العربية، ويستعمل حالياً في تدريس اللغة العربية في أوزبكستان. وهو الكتاب الذي يعتبره العلماء في أوزبكستان وفي العالم الإسلامي على ما أعتقد من أعظم ما كتب في أصول تعليم نحو وصرف اللغة العربية بعد كتاب سيبويه. وذاع صيت هذا الكتاب منذ اكتماله بين العرب والعجم على السواء حتى أصبح كتاباً أساسياً يعتمد عليه في تعليم اللغة العربية. ويروى أن حاكم بلاد الشام مظفر الدين موسى جعل مكافأة قدرها خمسة آلاف قطعة فضية لمن يحفظ هذا الكتاب عن ظهر قلب من البداية وحتى النهاية.
وخلال حياته في مكة المكرمة أيضاً ألف الزمخشري كتابه الشهير “الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل” وتناول فيه نواح في تفسير القرآن الكريم خلال ثلاث سنوات 1132– 1134م درس خلالها تراث العلماء السابقين. وأصبح هذا الكتاب فيما بعد درة من الدرر الثمينة في خزائن الأدب الإسلامي العربي، ويتميز كتاب الزمخشري هذا في أنه لفت الأنظار ولأول مرة إلى النواحي اللغوية في التفسير وركز على تحليل الأسلوب لفهم المعنى. والنسخة الأصلية من “الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل” التي كتبها الزمخشري بخط يده عام 528هـ/1134م محفوظة اليوم في العاصمة الإيرانية طهران.
وكان محمود الزمخشري صديقا مخلصاً ومحباً باراً لأهل مكة، ولا سيما أميرها أبي الحسن علي بن حمزة بن وهاس الشريف الحسني. وقد كان الأمير ابن وهاس عالما بارزا وشاعرا نهل من إبداعه الزمخشري. وكان ابن وهاس شاهداً على سعة الآفاق العلمية والإطلاع عند الزمخشري وقال عنه بإعجاب:
جميع قرى الدنيا سوى القرية التي تبـوأها دارا فــداء زمخـشـرا
وأجري بأن تزهى زمخشر بامرئ إذا غد وأسد الشـرى زمخ الشـرا
ولما جاور الزمخشري الكعبة المشرفة بمكة المكرمة أكثر من خمس سنوات، لقب نفسه “بجار الله” وصار هذا اللقب علما عليه. واستمرت علاقته الودية بأهل مكة وأميرها حتى نهاية حياته.
واعتبر محمود الزمخشري اللغة العربية، اللغة الأولى بين لغات العالم الأخرى آنذاك لأنها لغة القرآن الكريم والحديث الشريف. ولهذا حرص على أن تكون مؤلفاته الفريدة والمفيدة والمهمة في النحو وعلوم اللغة، باللغة العربية. ومن بين تلك المؤلفات كتاب “مقدمة الأدب” الذي انتهى من تأليفه عام 1139، و”المفصل” و”أساس البلاغة”. بالإضافة لـ “نوابغ الكلم” و”أطواق الذهب” اللذان يعتبران بحق عقدين من الذهب في خزائن الأدب المكتوب في القرون الوسطى. وتدل مؤلفاته من خلال موضوعاتها المختلفة على سعة الإطلاع والعلم الراسخ المتين، وهو السبب الذي كان وراء الشهرة الواسعة التي تمتع بها الزمخشري في أوساط كل من نطق العربية أو تعلمها في العالم بأسره، وخاصة في العالم الإسلامي حيث أطلقت عليه ألقاب “فخر خوارزم” و”أستاذ الدنيا” و”أستاذ العرب والعجم”، وقال عن نفسه: “إني في خوارزم كعبة الأدب”. وبعد عودة الزمخشري من مكة، استقر لسنوات في خوارزم وانتقل إلى رحمة الله ليلة عرفة من عام 538هـ، 1144م. ويذكر الرحالة العربي الشهير ابن بطوطة في كتابه “الرحلة” أنه زار خوارزم في سنة 1333م أي في أوائل القرن الثامن الهجري وأنه: “بخارج خوارزم قبر الإمام العلامة أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري وعليه قبة”.
وقد تناول كثير من العلماء المسلمين مؤلفات الزمخشري أو أشاروا إليها في مؤلفاتهم خلال القرون التي تلت وفاته، ومن هؤلاء: ابن النديم في الفهرست، وأبو منصور عبد الملك الثعالبي النيسابوري (350هـ،961م- 429هـ،1039م) في “يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر”، وياقوت الحموي (426 ـ575هـ، 1179-1229م) في “إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب”، وابن خلكان شمس الدين أحمد ابن محمد (608ـ 681هـ،1211- ،1288م) في “وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان”، وأبو سعاد عبد الكريم محمد السمعاني (1179-1229م) في “كتاب الأنساب”، وجلال الدين عبد الرحمان السيوطي (1445-1505م) في “بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة”، وحاجي خليفة (1609-1697م) في “كشف الظنون إلى أسامي الكتب والفنون”، وزهر الدين البيحاقي في “تاريخ حكماء الإسلام”، وابن شهبة في “طبقات النحاة واللغويين” وغيرهم.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design