فتاتي .. بقلم / الباحثة والكاتبة سها شعبان من الإمارات أبو ظبي

قد أكتب فأخوض بمشاعر بشرية .. أكشف ستراً .. أحلل .. أوحي .. أستنتج وقلمي طيعٌ يسايرني بل يسبق أفكاري أحياناً ..
لكنني أقف مرتبكة حائرة أمام السرد العادي .. لاأعرف كيف أعطي الأولوية للأحداث دون المشاعر .. ولكل حدث وقعه ومشاعره ..
درَّست في جامعة حلب ستة عشر عاماً .. تنقلت فيها بين مختلف المعاهد والكليات .. مرًّ علي بهذه السنوات طلابٌ وطالبات .. قصصٌ وغصص .. ربما لو أني استعدتها لجمعت كتابَ قصصٍ قصيرة من سيرتي المهنية .. من بين جميع القصص واحدة لها أثر بليغ في نفسي… أذكرها من وقت لآخر فأشعر أن العبر التي تعلمتها من تلك القصة لاتنتهي … وأني ما زلت أتعلم منها لليوم ..
في العام الدراسي 1994- 1995 دخلت العام الدراسي وأنا حامل بابنتي … والمرأة الحبلى تتوجس من كل ماتراه خوفاً على جنينها .. لفت انتباهي وجه طالبة في المقعد الأول أمامي مباشرة … كانت الفتاة بعين مفتوحة واحدة .. بينما كان جفنا العين الثانية يغوران في تجويف يبتلعهما بدون أي تعبير .. بحركة لا إرادية تحسست بطني ودعوت لجنيني بالخلقة التامة ..
ومرت الأيام وأنا أعود لنفس القاعة مع نفس الطلاب وفتاتي تجلس في المقعد الأول مولية ظهرها لجميع زملائها وزميلاتها .. وحيدة .. لم أستطع تحاشي النظر إليها بل كنت أطيله وأتأملها في أدبها الجم وحيائها .. في محياها الطلق وبسمتها الخجولة .. وبعينها الوحيدة التي تبرق بذكاء ومحبة .. وتطرق بخجل ووجل من إعاقتها .. كانت هيأتها تدل على مستوى مادي متواضع لكنها كانت دوماً مرتبة نظيفة نشطة … متفاعلة معي .. شغلت الفتاة حيزاً من تفكيري وبدأ يطرق في رأسي هاجسٌ وحيد … كيف يمكنني مساعدتها؟
في نهاية الفصل الأول .. تحدثت إلى طبيب عينية أعرفه ووصفت له حالة الفتاة … فقال لي : أحتاج إلى أن أكشف عليها .. وفي حال يمكن حقن العين بمادة لتسترجع حجمها .. تتكلف العملية خمسين ألف ليرة سورية …. ولن أجزم بالمبلغ حتى أفحصها بنفسي ..
وقتها كنت وزوجي في بداية سلم الحياة المشتركة .. خمسون ألف ليرة سورية كانت مبلغاً فوق طاقة دخلنا لعدة شهور … فعدلت عن الفكرة …
وجاء الفصل الثاني بدوامه الرشيق المتسارع ومضت الأيام وأنا أراقب الفتاة ويدي على بطني أتحسس الجنين وأدعو له .. وتلح علي فكرة أن علي أن أجد حلاً للفتاة حتى أنجو وينجو جنيني .. إلى أن توصلت إلى قرار.. سأساعدها حتى ولو كلفني ذلك اسوارتي الذهب … فما معنى أن يتحلى معصمي باسوارة وهناك فتاة شابة قد تتحلى بعينتين اثنتين؟
عندما تصدق النية … ويعقد العزم تتوفر الأسباب …
قبيل الامتحانات النهائية وقبل أن تتخرج وأفقد فرصة اللقاء بها ثانية .. استدعيتها .. وتحادثت معها إلى أن عرفت منها أنها من بلدة صغيرة ملحقة بإدلب وأنها تسكن المدينة الجامعية .. وأنها فقدت عينها وهي تلعب بقلم في صغرها .. فأخبرتها بنيتي أن اصطحبها إلى الطبيب لعله يجد لها حلاً .. لكن عليها أولا أن تستأذن أهلها بالذهاب معي … كانت كمن لا يصدق ما تسمعه أذناه .. يغشاها الفرح والرهبة أن يكون هناك أمل ..
زرعت في نفسها الأمل ورحت أعيش الصراع مع نفسي … فانا لا أملك المال .. حتى إسوارتي لن تأتي بأفضل الأحوال بنصف الخمسين ألف ليرة .. فقررت أن أبدأ … حتى ولو اضطررت أن أطلب مساعدة من الأصدقاء والأقرباء .. وإن وصلت إلى طريق مسدود .. سأعتذر بشجاعة .. لكنني لن أترك الندم ينهشني ..
وافق أهل الفتاة على الفكرة بل رحبوا بها ..
هذه المرة لم أتصل بالطبيب الأول بل اتصلت بصديقتي ( وكانت قد أخبرتني يوماً أن أخاها طبيب العيون مستعد أن يكشف على الفقراء دون مقابل ) .. فقلت لنفسي نذهب للكشفية ومن بعدها لكل حادث حديث .. خابرت الطبيب هاتفياً … وشرحت له وضع الفتاة وأخبرته أن العمل سيكون عملَ إحسانٍ وتبرع .. فرحب بي وبها وأعطاني موعداً لزيارته ..

في اليوم الموعود .. لم يكن بحقيبتي مبلغٌ أكبر من أجرة تكسي يقلنا ويعيدنا .. ولكنني كنت مشحونة بعزيمة وقرار لا تراجع فيهما … وعندما وصلت لمكان لقائي بها .. تفاجأت بها مع شاب وسيم .. كان أخاها الذي يعمل بحلب .. رحب الشاب بي .. وحادثني بأدب يشبه أدب اخته وحيائها .. وشكرني قائلاً : أنه وأسرته اعتادوا رؤيتها على هذه الحال ولم يخطر ببالهم يوماً أن يبحثوا لها عن حل ..
وصلنا لعيادة الطبيب … ودخلنا إلى غرفة الفحص .. بعد المعاينة .. أعلن الطبيب أنه لا أمل بالعين فهي فارغة تماماً وغير موجودة أصلا ليحقنها..
لكن وقبل أن يستولي اليأس علينا .. استطرد الطبيب قائلا: أن كل ما باستطاعته فعله هو تركيب عين زجاجية … لا تؤدي أي مهمة سوى مهمة جمالية .. وقام إلى الخزانة وأتى بصندوق خشبي مسطح كبير … عندما فتحه كانت تصطف فيه عيون زجاجية مختلفة الألوان والأحجام … تأمل عين الفتاة عن قرب .. ثم اختار واحدة تناسبها .. فتح الجفنين بأصابعه فانزلقت العين الزجاجية واستقرت في محجرها … طلب من الفتاة التوجه للمرآة لتقرر إن كانت هذه العين تناسبها أم لا ..
وقفت الفتاة أمام المرآة مذهولة ترمش بعينيها الاثنتين .. تتأمل نفسها … ثم انهمرت عيناها بالدموع وركضت لتدفن وجهها في صدري وهي تجهش بالبكاء .. ضممتها وبكيت معها … أنا بكيت فرحاً … لكنني استشعرت أن بعض بكائها كان فرحاً بينما الباقي كان حسرةً وألماً من أيامٍ طويلة قاست فيها معاملة مجحفة ونظراتٍ كانت في أفضل أحوالها مشفقة متعاطفة .. ومشاعرَ نقصٍ كان من الممكن أن تتحاشاها بخمس دقائق عند طبيب ..
اكتملت المهمة ولم يتبقَ لنا سوى حساب الطبيب وهنا أعلن وبكل شهامة .. أن ثمن العين الزجاجية 3500 ليرة سورية .. وهو لن يخفض السعر لكنه سيساهم بنصف السعر من جيبه وعلينا تسديد 1750 ليرة فقط .. وهنا وقعت بالحرج فلم اكن أتوقع أن تتم الأمور من الزيارة الأولى .. وبدأت أرتب كلماتي وعباراتي .. كيف أنني سأجلب المبلغ في زيارة قادمة .. لكن الأخ أخرج المبلغ وسدده للطبيب كاملاً .. وهو يتشكره بألطف العبارات .. وكل ملامحه وحركاته تنطق بالامتنان بفرحٍ عفوي صادق .. خرجنا نحن الثلاثة من العيادة والسعادة تغمرنا بوهج غريب … حتى أنا بدت لي الدنيا ملونة زاهية وكأنني أراها بعينين جديدتين .. والأخ يستوقف أخته ينظر بعينيها ثم يضمها بفرح وحنان .. وهي تمشي على استحياء .. ولكنها تنظر بعيون المارة وكأنها تسألهم هل ترونني الآن ؟ أنا لم أعد أختلف عنكم ..
يومها عدت الى بيتي .. يملؤني الشعور بالرضا .. أتحسس جنيني وأقول له بقلبي سننجو … فالله أكبر من أن يخذلنا ..
طمأنني ربي وسرَّب إلي نتيجة امتحاني … أخبرني أنه هو الغني فاستغنى عن هبتي المادية .. وأنه هو الكريم فأغدق بكرمه على الفتاة .. وأنه هو الجبار جبر بخاطرنا معاً .. وعرفت أنه هو الرؤوف الخبير رأف بالشابة فهيأني للمهمة .. و أن كل دوري كان النية .. النية الصادقة والعزيمة … وأنه هو الولي والوكيل والكافي تكفل بالتفاصيل ..
بقي أن أقول أن الفتاة احتفظت برقم هاتفي وكانت تتصل بي من حينٍ لآخر من بلدتها البعيدة .. وبعد سنوات طلبت أن تزورني .. وجاءت وأتت لي بهدية عبارة عن حرام صوفي .. لكن أهم من الهدية كان ماقالته لي يومها … قالت بالحرف الواحد: “أمي بتضللا بتدعيلك .. كل ما طلعت بوجهي بتدعيلك “….. هذه الكلمات ومثلها كثير سمعتها في مسيرتي الانسانية هي زوادتي في الأيام الصعبة .. هي تزكيتي لنفسي أمام رب العالمين .. أذكرها في مناجاتي له .. فيعود الاطمئنان ليسكنني .. فهو أكبر من أن يخذلني..

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design