عطش “المغني العجوز” ..بين نهري.. “عيسى” و “الدسوقي”

 

د.الهام سيف الدولة حمدان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أليس من المستغرب أن تشعر بالارتواء العقلي والوجداني؛ وأنت تسبح في بحرالعطش؟!

بلى .. فالعطش هُنا؛ هو التعبير المجازي والمعادل الموضوعي لأوجاع الشاعر حسنين السيد “المغني العجوز” الذي احتواه بين ضلوعه حينًا؛ وبين أوراقه المبعثرة حينًا آخر ردحًا طويلاً من الزمن؛ إلى أن صففته أحرف المطابع بين دفتي ديوانه الشعري المُعنون “أنشودة العطش”؛ والمنحوتة قصائده بإزميل الجمال والصدق الروحي والفني واللغوي من عضد جسد اللهجة العامية المصرية العبقرية الراقية؛ التي جاءت لاينقصها سوى خضوعها لقواعد الإعراب نحوًا وصرفًا؛ ليؤكد الشاعر ــ ويدعمه رأي الدارسين من نقاد الأدب ــ أنها الوجه الآخر الجميل والأصيل لعملة اللغة .

وأكاد أجزم كأكاديمية وباحثة في مجال العلوم اللغوية؛ بجانب حقل الدراسات الأدبية والنقدية لإنتاج الشعراء القدامى والمحدثين من شعراء الفصحى، لم نلتفت بشكلٍ كافٍ لما قدمته قريحة شعراء العامية المصرية؛ وارتيادهم دروبًا جديدة أحدثت انقلابًا جذريًا في الشكل والمضمون وتراكيب اللغة، وهوالأمر الذي كان محل الاستياء والشكوى من عدم مواكبة الحركة النقدية الصادقة لإبداعاتهم؛ تلك الإبداعات التي استطاعت أن تخرج إلى الجماهير في الميادين والشوارع .

لكن أخيرا بزغ ماأثلج صدري؛ حين قرأت دراستين نقديتين لديوان “أنشودة العطش” لحسنين السيد؛ برؤية شاعرين وناقدين مائزين على الساحة الثقافية المصرية هما: مختار عيسى نائب رئيس اتحاد كتاب مصر، ومحمد الدسوقي رئيس شعبة الدراسات النقدية باتحاد كتاب مصر .

وردت دراسة مختارعيسى المنشورة في مجلة عالم الكتب تحت عنوان “القصيدة وراويها .. منهومان لايشبعان” ــ قراءة لأنشودة عطش المغني العجوز حسنين السيد .. نذكر قطوفًا منها :

” ما أكثرالشعراء وما أقل الشعر، وما أبهى الكذائب الفنية التي ما إن تفلت من إسار إحداها حتى تلتف الأخرى على ذائقتك لتلقي بك أسيرا في محبة صانعها أو لعنه، وما أندى أن تكون وأنت في مواجهة عطش لاتريد له أبدا أن يروى “.

“… قبل الولوج من العتبة النصية الأولى للمجموعة الشعرية ” أنشودة العطش” وهي أول مايصدره الشاعر “حسنين السيد ” وهو على مشارف سبعينيته، سيشخص في وجهك سؤال الدهشة من هذا التأخر في الإصدار رغم عمر ممتد لسنوات بعيدة في الكتابة والتفاعل مع المشهد الثقافي المصري في معظم تجلياته.. وعليك أن تفترض احتمالات عدة مؤكد أن من بينها إحساس باللاجدوى، أو قراءة واقعية لمفردات الواقع الثقافي …” .

” … كمايحيل العنوان إلى اشتباكية إبداعية ورؤيوية مع واحد من رواد الحداثة الشعرية العربية وهو” بدر شاكر السياب” في “أنشودة المطر” ، وإن بدا على السطح الأعلى أن ثمة مغايرة رؤيوية بتغاير كلمتي العطش والمطر إلا ان الإدراك الأعمق وصولاً يصل إلى حد التماهي حيث المطر المحلوم به أو المحروم من آثاره يعادل، بدرجة ما، العطش أو الجوع .. مامر عام إلا والعراق فيه جوع . ولا غرو ـ إذن ـ أن نقرأ في أحد نصوص المجموعة تفصيلاً أعظم حضورًا لهذه الجدلية الاجتماعية السياسية الإنسانية العامة في النص الحامل عنوان المجموعة المُهدى إلى صاحب أنشودة المطر…” .

وللحق أقول إنني توقفت كثيرًا أمام تلك الرؤية النقدية الصادقة للناقد والشاعر المخضرم مختارعيسى، ولكن نظرًا لضيق المساحة اكتفيت بالإضاءة السريعة التي تهم القاريء غير المتخصص، وأدعو القاريء المتخصص إلى قراءتها كاملة من مصادرها .

وجاءت الدراسة الثانية المنشورة في كتاب شعبة الدراسات النقدية باتحاد كتاب مصر للناقد والشاعر الرصين محمد الدسوقي..إذ يقول مفتتحا :

” في وسع المتتبع لشعر العامية المصرية، أن يلحظ حجم التطورالكبير فيه، وأزعم أن التقدير النقدي لجماليات هذا الشعر ما زال قاصرًا عن الإلمام بالحالة الشعرية الفائقة التي طالت النص الشعري العامي وهويته الخاصة، ولا غرابة في أن يقترب نص العامية في عصرنا من الفصحى لدرجة أن نصوصًا عامية كثيرة باتت قابلة للقراءة بلغة فصيحة، وهناك العديد من النماذج الدالة على هذا التعالق أو التشابك بين العامي والفصيح، ما يشير إلى أن النهاية باتت وشيكة ، بوجود نص جديد لا هو بالعامي ولا هو بالفصيح ، فقط سنسأل أنفسنا بعد قراءة النص أهو من الشعر أم لا ..”؟!

” أقول هذا بمناسبة قراءتي ديوان ” أنشودة العطش ” للشاعر.. حسنين السيد، وفي وسع قارىء الديوان أن يلحظ أن الشاعر قام بضبط نهايات الكلمات، فقد قام بتشكيل الديوان كاملا، وهو أمر مهم للشعر عامة، ولشعر العامية بالخصوص، وعلى القاريء الحصيف ألا يُسقط من حسابه هذا التشكيل غير المتوقع لديوان في العامية المصرية، فشعراء العامية يظنون أن اللغة العامية لا يمكن ضبطها ، في ظل اختلاف الشعراء أنفسهم في تدوينهم لأشعارهم…”.

وفي النهاية..لايسعني إلا التعبير عن سعادتي وامتناني لهذا التحليق الرائع برؤية ناقدين كبيرين لهما الباع الأكبر من التأثيرالإيجابي الفاعل على الساحة الثقافية المصرية وإثرائها بكل مايمنح العقل والوعي الجمعي المزيد من الذائقة الجمالية والثقافة المعرفية لمن منحوا هذا الحراك الجاد والصادق في الحركة الشعرية في العامية المصرية .

مبارك عليك وعلينا مغنينا العجوز حسنين السيد هاتين الدراستين القيمتين؛ استمتعنا بغنائك مرَّات ومرَّات وزد على هذا قراءة ما في بطن الشاعر من معانٍ ودلالات ساقتها بتمكن وحنكة رشاقة قلميهما، فوقع “وادي العطش” في خريطة الإبداع بين نهري من نكن لهما كل التقدير والاعتزاز ؛فهنيئا لنا ولكل محبي الشعر الخالي من الكذائب، والصادق حتى النخاع كصاحبه .

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design