صالح بركات الابن الذي تفوق على اباه

كتب الدكتور محمود شوبر من العراق

ذا الاسم ليس بغريباً على المشتغلين في مجال الفن التشكيلي العربي ولربما العالمي.

اكتب عنه ليس لغرض الترويج له فهو ليس بحاجة لهذا الشيء بل اعتقد انه يبتعد عن الصحافة او الاعلام وكل ماله علاقة بالظهور العلني واعتقد انه ليس من رواد الفيس بوك الا بالضرورات. ولكنني اخذته نموذج اتمنى ان نردفه بالعراق بنموذج يشابهه.

للذين لا يعرفون صالح فهو الابن الاكبر للحاج محمد بركات الذي اسس قاعة اجيال في بيروت ابان السبعينات من القرن المنصرم، واكمل دراسته الاكاديمية ثم عاد ليستلم القاعة من والده الذي تقاعد عن العمل في مجال الفنون التشكيلية.
واعتقد ان الابن قد تفوق على اباه في ادارة القاعة مما جعلها الاهم في بيروت وتكاد تكون في منطقة الشرق الاوسط والوطن العربي.

الذي يميز هذا الرجل هو الوعي الثقافي والجمالي العالي الذي يمتلكه فهو مواكب جيد لحركة الفنون ويعرف خباياها كما يعرف اوراقه الشخصية ،مماجعله لايخطيء في الاختيارات ولايخطيء في تقييم العمل الفني، حتى صار مرجعاً مهماً لكل المقتنين العرب وغير العرب المهتمين بالفن اللبناني والعربي على حد سواء.

في سنة 2014 كنت وقتها اشرف على تأسيس قاعة ارت سبيس حمرا بتكليف مباشر من الفنانة الرائعة والصديقة النبيلة السيدة ليلى كبة، التي اختارتني ان اكون مديراً لقاعتها الاولى ارجوان غاليري.

حدثتني عبر الهاتف لتذكرني بموعد عشاء في بيت رجل الاعمال المعروف الدكتور رمزي دلول الذي كان ينوي اقامة متحف متخصص بالفن العربي في بيروت، وعادة ما اتحرج من هكذا مناسبات رسمية لما فيها من قيود ومجاملات وخاصة ان اغلب الحضور لاتربطني بهم علاقة شخصية، وفي المساء توجهنا بسيارتها الشخصية الى بيت الرجل حيث كان في استقبالنا هو شخصياً رغم ماكان يعانيه من وعكة صحية المت به، وكان بكامل اناقته المعهودة عنه.

تفاجأت ان المدعوين لهذا العشاء لم يكن يتجاوز عدد اصابع اليد الواحدة ، وفهمت ان الاستاذ دلول اقام هذه الدعوة مهنئاً ايانا بافتتاح قاعتنا،
على طاولة الطعام كان يجلس امامي الاخ صالح بركات ، الذي بدأ يتحدث بأريحية بمواضيع مختلفة وبطريقة جميلة وسهلة، اعترف وقتها انه كان مصدر اهتمام كبير بالنسبة لي.

حيث انه لايكاد يكون هناك مجلس او لقاء لمجموعة فنانين لبنانين او عرب في بيروت ولايذكر فيها اسم اجيال غاليري او اسم صاحبها الذي كان حلم لجميع الفنانين ان ينالون استحسانه او العمل معه.
بعد ذلك اللقاء زارنا الى موقع العمل في بناية الهورس يو الشهيرة في شارع الحمرا والتي لاتبعد كثيرا عن شارع عبد العزيز حيث مقر عمله. وكان اعجابي يزداد بهذا الرجل الذي يمتلك الكم الكبير من الرؤية في الاشتغالات الجمالية مضاف لها قدرته الى تحويل تلك الرؤى الى المجال العملي حيث التسويق وبيع وشراء الاعمال من خلال مجموعة العلاقات المميزة التي تربطه بجميع المقتنين في بيروت والبالغ عددهم وفق احصائيات تكاد تكون رسمية 700 مقتني في لبنان. ممايسهل تداولية العمل الفني بالسوق المحلي واعطاءه القيمة المادية الحقيقية. التي لاتبخس حق الفنان وبالتالي تدر بأرباح لجميع الاطراف في هذه العملية.

اللقاء الذي ظل عالقاً في ذاكرتي هو يوم زارني الاستاذ صالح في معرضي الشخصي (سريعاً الى الامام) في نفس الصالة التي كنت اعمل فيها.
حيث لازلت اتذكر ذاك اليوم الذي فاجأني به حين دخل القاعة وكانت الصدفة ان الاخ احمد البحراني الذي شرفني بحضوره من الدوحة لافتتاح المعرض موجود معي وكنا نهم بالخروج لتناول الغذاء في احد المطاعم القريبة،

ومن طبيعة الاستاذ بركات انه لايزور المعارض الا ماندر، ولكن يذهب لزيارة تلك المعارض التي تثير لغطاً وجدلاً في الشارع البيروتي المهتم بالفن.وبأوقات تكون الحركة ساكنة فيها.

دخل الصالة بابتسامته المعهودة وسلم علينا ، ولف على الاعمال بصورة سريعة لم تستغرق طويلاً من وقته، وانا واقف اراقب ردود افعاله التي لم يظهر شيئا منها. ثم عاد الى صدر القاعة ووقف يتأمل العمل الاول لمدة قاربت ربع ساعة تقدمت نحوه لأستفهم منه لماذا كل هذا الوقت الذي استغرقه ولماذا هذا الصمت!!
حين دنوت منه وانتبه لي قال ؛ انت شو عامل؟!
فشرحت له ما المغزى من استقدامي لهذه القطع المرورية التي مزقها رصاص الاحتلال الامريكي والسبب في وضعها بصناديق خشبية مغلفة بالزجاج المقسى من الامام واستفضت بالشرح عن تفاصيل الفكرة التي دعتني ان اقوم بعملي هذا. اتذكر وقتها كان مطرقاً برأسه وحين توقفت عن الكلام مسكني بقوة من ساعدي وقال:ليك انت عامل شي كتير مهم.

اثنى كثيراً على المعرض وقتها واعتقد بشكل جازم انه كان السبب الرئيس لتسويق معظم اعمال ذاك المعرض الذي كان يضم 15عملاً 9منها قطع مرورية و 6منها لوحات مرسومه وبقياسات مختلفة.

بعدها بعامين وانا منشغل بافتتاح المعرض الشخصي للفنان سلام عمر الذي كان باكورة نشاط افكار غاليري ايضا فاجأني بحضوره للغاليري ، ودار بيننا حوار طويل ومعمق بهموم وقضايا الفن، وقال يا دكتور نحن بحاجة الان في بيروت الى مختص بالفن العراقي وقاعة تختص بهذا الفن لأن هناك الكثير من الاعمال العراقية هنا تحتاج لتوثيق وتأكيد اصالتها، وكان هذا الرجل يكبر بنظري بعد كل لقاء. فبالرغم من ماهو عليه من خبرة ودراية ولكنه يحب التعلم من الاخرين بشكل دائم ويحاول ان يطور اليات عمله بالاتجاه الذي يضمن احترافيته وهيمنته ذات الوقت على كل مدخلات ومخرجات الفن في بيروت. يحظى باحترام الجميع ويحترم الجميع، يبحث عن التجارب الحقيقية ويقدمها للعالم حاله حال اي مختص بصناعة النجوم، يؤكد على الجانب الثقافي للفنان قبال منجزه الادائي بالفن، حيث يرى ان الثقافة هي التي تضمن للفنان المديات الواسعه في ترصين نتاجه واصالته.

اتذكر مرة وانا اهم بالخروج من المصعد المؤدي الى صالة ليلى كبة التقيت به في مدخل الغاليري تبادلنا التحية ودخل الى المصعد وقبل ان يغلق الباب قال لي اهنيك على هذا العمل!! ااستغربت وقلت اي عمل تقصد قال لوحتك التي اشتراها فلان اصبحت ضمن مقتنياتي ، انه عمل جميل جدا ومختلف اهنيك عليه. فرحت لكلامه وتشكرت منه لاطراءه الذي لايأتي بسهولة اغلب الاحيان.

وانا اتطلع بهذه الصورة التي جمعتني واياه في مكتبي بغاليري افكار تداعت في ذهني كل هذه الخواطر التي اختزلت سنين طويلة في بيروت مرت والحمد لله بنجاح رغم كل الخذلان والاحباطات التي كان اغلبها يأتي من المقربين لي او الذين اعتقدهم هكذا. وتبادر في ذهني سؤال وارجو ان لايزعل مني احد.

لماذا لم نتمكن وعلى مرور اكثر من مائة عام للحركة التشكيلية العراقية الحديثة الذائعة الصيت والحسنة السمعة ان نحظى برجل مثل صالح بركات.

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design