الالم .. قصه قصيره.. للكاتب / امجد فتيان

– اتمنى ان ارى نفسى مكانه ولا اراه يتساقط امامى كاوراق شجرا ذابله
– واتمنى كمثلك ان اراه يعود الى الحياة كما كان
– الحياة يا حبيبتى ترحل رويدا رويدا من جسده
– لا تقل هكذا!!!! يموت منا صحيح البدن ويبقى فينا معتل الصحه
– ولكنى ابى اقسم الاطباء ان عمره فى هذه الارض لن يتخطى اياما
– يقول البشر كما شاءوا وتبقى مشيئة الرحمن نافذه على رقابهم
– انتى تخففين الالم ولكن الاحزان تعود ليشتد مرة اخرى
– لا تفكر فى الاحزان فلعلها لا تاتى وضع الامال نصب عينيك

وفجأه تصدر اهاتا بصريخا يثقب الاذان من شدتها ويهرول الابن وزوجته سريعا الى حجرة الموت القاتمه التى تقبع فى اخر البيت .
حجرة يرقد فيها جسدا خائرا كان بالامس قويا عتيا يجول فى كل مكان تهز اقدامه البيت والارض ، ربما فى اياما معدوده سقط فى براثن المرض الذى يذل كل انواع البشر بما فيهم الطاغى والنمرود ,المتكبر والمتجبر ،الصالح والطالح.

االموت لا يستحى من الحياه بل يكون قاسيا عنيفا ينقض عليها فى لحظه يحرمها من نظرات حبيبا وضحكة عزيزا وبسمة وليدا وحضن قريبا، تلك هى سنته فى الارض لا يرحم احد بل يسطر النهايات ويرسل العبرات ، تلك هى مهمته يخطف الاحضان من ااحبائها ويسطو على الارواح من اجسادها ويحمل الاحزان فى القلوب بعد افراحها.

ما بالك ان يتحمل الابن الوحيد نكبه الموت التى توشك على الوصول ولمن لاحب الناس الى قلبه ،الانسان الذى ضحى بحياته وتخلى عن الدنيا بمتاعها وشهواتها بعد وفاة زوجته ، كابد كل المغريات وتحدى نفسه فى اشد الظروف قسوه ،جمع اموالا طائله لم ينزه بها نفسه بل ادخرها حتى يترك لوليده حصاد عمره مالا وفيرا يعينه على شقاء الحياة ..
الاب يصرخ يتوجع بل ويهذى فاوجاعه تشتد وتقسو عليه وتمزق دبيب الحياه فيه والابن يبكى داخله فدموعه محبوسه فى احداقه تكاد ان تنزلق من محجريها حزنا والما ، والزوجة لا تصدق ان هذا الوجه الشاحب المكفهر الذى يغطى الاصفرار جبينه وتقاسيم وجهه هو حماها ,لا تصدق ان دوى صوته الذى كان يغرق مسامعها هزارا وتهريجا اصبح دوى وجع والم فيشتد المها وحزنها ناهيك على انه كان رءوفا بها يعاملها بحنان اب فقدته منذ صغرها وعطف ام فقدتها فى صباها.
-الالم يا بنى..اصبحت غير قادرا ان اتحمله
-ابى لابد ان تتحمل فالشفاء على الاعتاب
– اى شفاء تتحدث عنه …انت تتحدث عن شفاء الموت
– ليس كذلك…بل شفاء الاحياء
– انى اعلم كل شئ ..اعلم ان الاجل حان وقته وان ساعات الحياه قليله
-انت تمنى نفسك باننى سوف احيا ..انى راحل
-ابى كلنا راحلون …..فلما تنشد الرحيل
-امى وانت تعرف جيدا انها كانت بلا امراض بلا الام ..وعلى غره اختطفها الموت
– الاعمار لا تتوقف على صحة الاجساد ومرضها
-تحلى بقوة الايمان كما عهدناك فيك، تحلى بالصبر الذى يتبعه اليسر والفرج
ابى اريدك قويا و………….
لم يكمل الكلمه الاخرى حتى دخل والده فى غيبوبه كامله جلس عند راسه ليمسح عنه عرق المرض وفى نفس اللحظه تتساقط على جبين ابيه دموعه فاصبح يجفف عرق ابيه وفى نفس الوقت دموعه …
الاب دكتورا جامعيا تقلد المناصب واكتسب احترام من احبه وعرفه ، عاش على ظهر البسيطه يبحث عن الاخلاق فى محرابها فزاده جمالا وعن الادب فى عيون الاخرين فزاده محبة وعن العلم فى صفحات الكتب فزاده رقيا ورفعه..

عاش بعيدا عن الصراعات التى تنشأ بين القلوب الحائره الملونه الملوثه ، قاومها بكل انواع التسامح وبكل اساليب التغافل وأدها فى نشأتها حتى لا تسرى فى قلبه كالسرطان تهاجم خلايا الطيبه وانسجة الحب فتسقطها،عاش بالكلمه التى لاتعرف الخطأ ولكنها كانت تعرف جيدا معانى الرحمه والود وبالابتسامه التى تخطف القلوب لما بها من صفاء ونقاء تحملهما نظراتا تطيح بكل الضغائن والاحقاد..

كانت زوجة الابن تخشى على زوجها من الحزن الذى افقده وزنه وادمى قلبه ،كانت تدرك جيدا ان عاطفة زوجها نحو ابيه عاطفه قويه زادت قوتها اكثر فاكثر بعد موت امه حاولت كثيرا ان تملئ فراغ امه ولكنها فشلت مع كل المحاولات البائسه من التدليل وجرعات الحنان الانثويه الثقيله..

ولكن الابن كرس حياته لابيه لانه لا يملك الا هو فى فضاء تلك الحياة الواسع بعدما صدمه القدر بأعنف ما عنده بأقسى ما يخبئه ،هو الحرمان من احساس الابوه الذى بات مستحيلا تحقيقه من الناحيه الطبيه لعقمه ، راح يفيض بحنانه الدفين الفياض على ابيه اولا وزوجته ثانيا التى قتلت اى احساس امومى ينتابها حتى لا تفارق رفيقها الى ان يحين الموت.
وعاد البيت هادئا كعادته كأنه كهف يبعد عن العمران كبعد السماء عن الارض هرعت الزوجه الى حجرة الموت حيث كان زوجها يصرخ قائلا:
لما كتبت ربى علينا الموت،لما كتبت علينا شيئا نخشاه ونخافه!!
يارب لما جعلت المعجزات كلها للانبياء ،اجعلها للبشر ما داموا فى احتياج الى قدرتك ورحمتك اوليس الانبياء بشر وابى من البشر ؟؟
بل ابى يفوق البشر الاحياء على الارض الان!! او ليس هذا شفيعا له لتشفيه من مرضه!!
ربى ..ربى لو…..
كفى ارجوك كفى.. اكفرت بالذى خلقك وخلقه؟؟
كان صوت زوجته يشبه الهزيم له فرقعه عنيفه ثم دويا منخفضا هز جسمانه النحيل فأوقف صراخه بشكل مؤقت لتتولى زوجته الحديث واعصابها تختنق فكيف تتصرف لتوقف نوبات السخط التى جعلته يهذى دون ان يدرك جثامة قوله فى الحق الالهى الذى جعل الموت والحياه حقا لا يمكن ان يكون تحت رغبات البشر .
هرولت اليه واتت برأسه لتخبئها فى احضانها وجعلت تمسح برفق على شعره وحدثته بصوت خفيض متقطع:
-لا تجعل الاحزان تعلو على ايمانك بربك ،الموت سيدركنا حتى ولو كنا فى بروجا مشيده ،انت ستموت وانا سأموتو هل احدا من البشر عرف الخلد ؟؟
-الانبياء بمعجزاتهم لم ينجو احدا منهم من الموت والمعجزات خلقت ليرى الناس بها الهدى والنور لا للنجاة من الموت.
– انت تهذى بكلماتا تقودك الى الهاويه فى الحياة الدنيا والاخرة،الرضا والصبر يقودهما الايمان بالقدر يضمدان احزان العباد..
قاطعها بصوتا ضعيف يكاد همسا :
انا لا اتصور الحياة بدون ابى ،كيف اعيش فى دنيا لا اراه فيها
-كيف اضحك ،كيف الهو ، كيف اقبل عليها بدونه ،انا عندى ادفن بجواره قبل ان ادفن فى حياة انا فيها حيا
-كيف بالله عليكى تقر عينى بدونه،انا لا اعترض ولكنى اتوجع من قسوة الحرمان ومرارة الفراق
قاطعته بصوتا حاد:
انه لم يمت كى تندب كل هذا الندب،رحمة ربك اوسع من اى شئ وليس هناك فى الدنيا ارحم به من ربك .
الشيطان يضلك ضلالا ليس بعده ضلال ،يوهمك ان هذا حبا ولكنه سخطا ،يوهمك بان هذا عدلا ولكنه شركا .
لم تستكمل زوجته الحديث حتى سمعا سويا صوت ابيه يتوجع وبدت الاهات تتصاعد من فمه الذى تعود ليلا نهارا ان يتوجع ويتألم وقاطع الاب العليل صوت زوجة ابنه بصوتا ضعيف:
– هو انت فاكر كل الى بتقوله ده هيشفينى او حتى هيطول فى عمرى ، كل الكلام اللى انت قولته مش هيغير قصة الموت والحياه لانها بتبتدى وبتنتهى ،بتبتدى بصراخ وتنتهى بصمت ، استغفر ربك وقوم صلى ركعتين استغفار .
لم تمضى لحظات حتى دخل الاب فى غيبوبه عميقه جلس فيها الابن بجواره ينظر اليه بشغف وكأنها نظرات وداع يتأمل كل وجهه الشاحب عيونه ،خدوده ،جبهته العريضه حواجبه الثقيله ،واخذ يقبلهم جميعا دون وعى حتى اغرقتهم دموعه جميعا دون ان يشعر ابيه بالبلل.
ونام الابن بجوار ابيه نوما هادئا عميقا حتى ان زوجته دخلت عليهما وجدت يداه مبسوطه على صدر ابيه وراسه على يديه ففرحت لان زوجها لم ينم منذ ثلاثة ايام ..
وعندما اعلن الصباح قدومه ذهبت لتوقظه من نومه واجلست تنادى عليه من الصاله المقابله لحجرة الموت ولكن لا احد يجيبها فدب فى قلبها الخوف واقبلت على الحجره هائمه على وجهها فوجدت الاب يبكى وراس ابنه على فخده ودموعه تنسال على وجه ابنه ويردد بصوت متحشرج ” انا لله وانا اليه راجعون”

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design