ربما من الوفاء ان نعترف لمن سبقونا انكم الاولون وانتم السابقون للجمال

كتب الدكتور محمود شوبر من العراق

لقد شاع في علم النفس مفهوم (قتل الاب) وسرعان ماتحول الى مضمار اشتغالات الفنون، وتضخم هذا المصطلح بعد مايسرته السوشيال ميديا من آليات نشر وانتشار لها ايجابياتها مثلما توجد فيها سلبيات اولاها هي الانقضاض على تجارب او مشاريع فنية لفنانين معروفين ولربما مغمورين من قبل فنانين متصيدين اختصاصهم الاستفادة من افكار جاهزة ونسبها اليهم من دون اي تعديل او ازاحة تستحق الذكر، متصورين ان مثل هكذا فعال تنتمي للذكاء مستشهدين بالعبقري بيكاسو الذي كان يستفاد من كل نتاج مجايليه ويحوله الى اعمال خاصة به تنسخ كل ماقبلها من افكار ليست له بالاساس ،مما جعل الاخرين لايستقبلوه في معارضهم الشخصية كي لايقوم بمصادرة مارسموه الى منطقة اشتغاله!

حينما رأيت هذه الصورة انتابني شعور عارم بالبوح الصادق ، يدفعني اليه هذا المعنى الذي ذكرته آنفاً، اذ اعادت لي هذا الصورة شريط من الافكار التي تمتد الى بواكير ثمانينات القرن العشرين التي كنت وقتها طالباً في معهد الفنون الجميلة /بغداد.

كنت وقتها على اعتاب التخرج حينما زرت معرض الفنان الكبير د. علاء بشير الذي اختط من بداياته نهجاً جمالياً مختلفاً عن التوجهات المدرسية التي كان عليه اقرانه من اكابر الحركة التشكيلية العراقية. حيث مازج مابين الماورائيات والذات التي تصطلي بنار حرب آتونها مستعراً يحرق الاخضر قبل اليابس.

ولكن اغلب نقاد الفن كان يصنفون اعماله او ينسبوها الى المدرسه (السوريالية) . وأنا اراها خلطة سحرية ابتدعها من رحم ثقافة جمالية وحياتية وعلمية ميزت شخص علاء بشير عن الاخرين. اكاد اقارنها بطريقته الجراحية التي سجلت بأسمه عالمياً في معالجة الاجساد المشوهة بسبب الحروق والجروح الكبرى التي تأخذ مأخذها في القبح لاعادتها الى حالتها الاولى!

ذاك المعرض الذي كان فيه ادانة واضحة للحرب ، كان له اثر كبير في نفسي وقتها مما اضطرني الى زيارته اكثر من مرة واتذكر اني في احدى الايام ذهبت الى قاعة الرواق مرتين لاشاهد اللوحات الستةالبالغة الادهاش التي علقت على جدران القاعة بأناقة وجلال.

وظل هذا السؤال يتردد بخاطري الى هذه اللحظة ، كم حجم المغامرة والجرأة التي يمتلكها هذا الفنان ليعرض في قاعة كان كل فنانين العالم يتسابقون للعرض فيها 6لوحات فقط!!!

ولكن السؤال الاكبر اي لوحات تلك التي علقت في ذاكرة الفن العراقي الحديث. هل كانت سوريالية ام تعبيرية ام هي سوريالية تعبيرية ام هي ذات علاء بشير بلا ضوابط عقلية صارمة كان نتاجها هذا الجمال المختلف.

اعترف ان الحافز الذي دفعني الى اقامة معرضي الشخصي الاول وانا في السنة الاخيرة بالمعهد هو صدى ذاك المعرض المبهر الذي لازلت احب ان اذكره بأعلى درجات العرفان. واكثر من ذلك انني استوحيت كل لوحاتي في هذا المعرض والبالغ عددها 26وعشرين عملاً بقياسات تكاد تكون موحده مثلما فعلها استاذي الكبير، حيث حاولت استعارة روحه من دون استئذان، ومن خلال ذلك ابغي ان بكون لي موطيء قدم في منطقة اوجدها هو وحفر فيها ليزرع شتلات لايزال عطرها يأخذنا بعيدا نحو عوالم الخيال الذي يبتكرها ببراعة.

يحكى ان تيودور جريكو حينما رسم رائعته (طوف الميدوزا) وهو حادث شهير ومروع في زمانه حيث هيأت له بالاستديو الخاص به كل مستلزماات نجاح العمل حيث يدعي البعض من مؤرخي الفن انه جلب الواح حقيقية من تلك السفينة المحطمة وكذلك استعار جثث حقيقية لتجسيد الحدث بشكل اكثر واقعية وبعد شهور طويلة من العمل المضني صادف ان زار معرضا لفنان انكليزي اسمه (جون كونستابل) كانت دهشته كبيرة بالروح التي رسم بها كونستابل اعماله التي تهتم بتصوير الريف الانكليزي. مما دفع جريكو الى العودة الى مرسمه والبدأ من جديد في طوف الميدوزا الى ان اخرجها بالشكل الرائع الذي نعرفه الان.

انا ارى ان كونستابل هو استاذ تيودور جريكو غير متناسياً بالطبع ان الاخير هو احد الاعمدة الرئيسية والمهمة في المدرسة الرومانتيكية الذي ظلت مهيمنه لفترة ليست بالقليلة على نتاج الفن الاوربي والعالمي. حيث الاستذة ليست بالضرورة ان تكون ان ندرس على يد معلما ما وانما ان نستعير روحه لندخل بها افاق الجمال .

تحية احترام الى معلمي الكبير جراح التشكيل العربي د علاء بشير

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design