الثقافة.. وطريق النجاة من الغابة! بقلم – عز الدين نجيب فنان وناقد تشكيلي – القاهرة

لا أظن أن هناك خلافاً حول أهمية الثقافة في بناء الفرد والجماعة ، بإعتبارها خط دفاع فى مواجهة منظومة الجهل والتخلف والتطرف والإرهاب وغياب الوعى وهي مرتبطة كذلك بفقر الفكر والذوق والمبادرة والمشاركة الإيجابية…لكن الخلاف يدور حول ترتيب أولوية الثقافة على سلم الضرورات فى المجتمع ، وتحديداً فى مجتمعنا المصرى الذى يئن تحت مشكلات وتحديات لا طاقة له عليها، إذ يرى البعض أن ضرورات الغذاء والسكن والصحة والتعليم والبنية التحتية من طرق ووسائل مواصلات وخدمات أساسية فى مختلف أوجه حياة المجتمع، فضلا عن مقتضيات الأمن القومي ومواجهة عصابات الإرهاب ، تسبق الخدمات الثقافية مثل قصور الثقافة والمتاحف والمعارض الفنية ودور المسرح والسينما والنشر….إلخ…التى تبدو إحتياجات ترفيهية بالنسبة لتلك الضرورات الحيوية. إن هذا الطرح آحادى النظرة والتوجه ، كمن يضع العربة أمام الحصان ، والحقيقة هى أن العربة والحصان يمثلان معاً وحدة جدلية لا غنى لأحدهما عن الآخر لدفع الحركة إلى الأمام ، وقد أستعير – فى المقابل – جسم الإنسان كمثل ؛ فهل نستطيع إشباع مطالب نصفه الأسفل حتى يعيش ويتناسل، بتوفير الغذاء والكساء والعلاج والزواج و..و…إلخ ، ونؤجل مطالب النصف الأعلى الذى يضم عقله وروحه ومشاعره وأشواقه العليا وإدراكه للقيم الأخلاقية والجمالية، إلى أن نستكمل مطالب النصف الأسفل ؟ إن هذا للأسف هو الحاصل اليوم فى مجتمعنا..! وقد يُطرح رأى ثالث لحل هذه المعادلة الصعبة يقول: إن هذا التناقض يختفى عند وضع الأولوية لمشروعات إنتاجية كبرى ، تكون كفيلة بخلق تنمية إقتصادية تكفى لتحقيق مطالب المجتمع فى الجانبين معا ، فوق توفير فرص العمل للعاطلين وإرتفاع مستوى المعيشة والتعليم والصحة والإسكان والطاقة..وبقية المنظومة..ومنها إحتياجات التنمية الثقافية. غير أن تجارب التنمية التى حققت نجاحا هائلاً فى مختلف الدول شرقاً وغرباً ، تتفق على أن ذلك يتم بمفهوم التنمية الشاملة المستدامة، بمعنى أن العملية لا تتم بالقطاعى ، بل تسير فى خطوط متوازية، وتستهدف هدفاً كلياً بعيد المدى ، هو بناء الإنسان بشقيه المادى والثقافى . فتأسيس البنية التحتية وما فوقها من مشروعات ، لا تقوم إلا على دعائم من الفكر والوعى والإيمان بأهميتها والتضحية فى سبيلها حتى بلقمة الخبز لو لزم الأمر، ومن التشبع بقيم الوطنية والنهضة والتقدم ، وتلك معانى ثقافية بإمتياز، فالثقافة ليست مجرد منتجات أدبية وفنية وقنوات تُبَث منها هذه المنتجات ، بل هى فى جوهرها إرتقاء بوعى وضمير وفكر وذوق الإنسان، وبقيم الحرية والعدل والإنتماء إلى الوطن والتضحية من أجله، ومن شأن كل ذلك أن يحمى المواطن من التأثيرات السلبية الناشئة عن حالات الفقر والبطالة واليأس والإنسلاخ عن الجذور والإرتماء فى الفكر الظلامى ، وصولا إلى الإنضواء داخل التنظيمات الإرهابية.
إن قصراً للثقافة يؤدى دوره بحق كما كان الحال فى الستينيات – لا كمجرد شكل أجوف كما هو كائن الآن – بمثابة مضخة عظيمة تضخ كل تلك المعانى والقيم الإيجابية فى نفوس أجيال الشباب وصناع المستقبل، ومثلها دور السينما والمسرح بعروضها التى تحمل هذه الرسالة، ومتاحف الفنون التى تحتوى خلاصة قيم الجمال، وتحشد الطاقة للتأمل والسمو الروحى والتذوق الفنى لشتى إتجاهات الفن . إن إشعال أنوار هذه المؤسسات الفنية والثقافية التى باتت الآن منشآت مظلمة، ينبغى أن يتم بالتوازى مع بناء وإصلاح المدارس والجامعات والمستشفيات والمصانع والمزارع والمتاجر الغذائية، لكن السؤال الكبير هو: كيف يتم كل ذلك بدون توفر التمويل اللازم بعشرات المليارات ؟! والإجابة فى كلمة واحدة..”الإستراتيجية” فهى تحدد الأولويات وتضع الخطط الطويلة والقصيرة، والبرامج الزمنية، وتستخدم الإمكانات القائمة بالفعل إستخداما علميا رشيدا، وتشجع المبادرات الوطنية للمساهمة المادية من المجتمع المدنى ، وتعظم من الطاقات المتوفرة لدى الأجيال الجديدة المتعطشة للعمل و المشاركة، وتحشد المؤسسات الرقابية لمواجهة وكشف أوجه الفساد ورموزه التى تنخر بضراوة فى كل ركن من المؤسسات الثقافية ، وإعتبار ذلك قضية مصير. والمسألة لا تنتهى بالقضاء على الفساد ، بل يبدأ معه الجهاد الأكبر لإختيار القيادات البديلة المسلحة بالخبرة والنزاهة، لتقود مسيرة للإصلاح وتنخرط مع كتائب العمل بإيمان عميق بالنهضة، كمشروع قومى يستقطب ويفجر كل الطاقات الخاملة ، على أن تكون متحررة من كوابح البيروقراطية العميقة والعقيمة معا ، التى نتوارثها بغير مواءمة مع تطورات الحداثة والعصر. إن ما سبق طرحه قد لا يرقى إلى وصفه ب”خارطة طريق” للإصلاح ، بل يكفى أن يكون سهماً يوضع فى الغابة الكثيفة ليشير نحو طريق الخروج الآمن، حتى لا نتوه ونضل بين شعابها الكثيفة. وأؤكد أن ما تتضمنه هذه الرؤية ليس ضِرباً من خيال يهوى على أرض الواقع، بل هو خلاصة تجربة حية تم إختبارها ونجحت نجاحاً منقطع النظير على ربوع مصر فى الستينيات تحت قيادة رائد النهضة الثقافية د. ثروت عكاشة ، وكان لى شرف الإسهام فيها سنوات العمل بقصور الثقافة ، والمراجع منشورة ومتاحة لمن يشاء الإطلاع .

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design