قناع التجهُّم .. وذبول الروح..ومسارب الإرهاب … بقلم / د.إلهــام سيــف الدولــة حمــدان

لست أدري لماذا التمسك والإصرار من علمائنا وشيوخنا؛ بل قساوسنا أيضًا؛ على التمسك بارتداء قناع التجهُّم والعبوس؛ والعمل على تلقين البشرـ في كل حديث في المسجد أو الكنيسة ـ مبادىء “فلسفة الموت” والترهيب من “عذاب القبر”و”الثعبان الأٌقرع” والتلويح بالمثول في عذاب “جهنم” سبعين ألف سنة؛ وهي التي يومها بألف سنة مما يُعدُّون !

لقد قام علماء الإسلام في العهود التي اتَّسمت بظهور جماعات التنويريين منهم؛ بالتحذيرمن نشرالفتاوى التي تغرس بذورأشجار اليأس والإحباط؛ وقتل تطلعات الأمل والطموح في حياة ابناء “آدم” على اختلاف عقائدهم وقناعاتهم وتوجهاتهم؛ ومحاولة تشويه علاقتهم بكل الشفافية بينهم وبين الله عز وجلَّ؛ بديلاً عن ضرورة الاجتهاد في تلقين “فلسفة الحياة” التي تعمل على بث روح العزيمة والحب و النقاء في النفوس؛ من أجل الخروج من المراحل التي تعاني فيها الأمة العربية من مرحلة الركود الحضاري؛ والاستسلام لما يمليه عليها الغرب ــ المتربص بمكتسباتها الدينية والدنيويةــ من توجهاتٍ لاتتفق والروح السمحة في تعاليم الدين والعقيدة .

لقد رفض العلماء الأفاضل الذين يفهمون مدى جمال وصفاء ونقاء الروح الإيمانية؛ مظاهر التديُّن الشكلي المتشدِّد التي ماأنزل الله بها من سلطان؛ باختزال العقيدة في مظاهرالجلباب القصيرواللحية الكثيفة والوجه العبوس واختفاء النساء خلف وشاح الانتقاب بالنسبة للمسلمين؛ أو “وشم الصليب” على الأيادي والصدور والتردد على “دروس الأحد” بالكنائس بالنسبة للمسيحيين، لأن الأديان السماوية ومفاهيم العقائد الصحيحة؛ لايُفترض لها أن تخضع لتلك الشكليات بهذا التقوقع خلف تفسيرات متطرفة غير منطقية لـ “كتب التراث” وكتابات المجتهدين في مختلف العصور؛ دون مراعاة لظروف اختلاف الزمان والمكان والأحداث والتطورات العلمية والتكنولوجية التي تفرزمتطلباتها الآنية أولاً بأول؛ دونما التقيد بظروف وملابسات فعاليات الأحداث في الماضي البعيد؛ فلكل زمان ومكان فلسفتة الخاصة لأساليب الحياة، مع ضرورة الاحتفاظ بعلاقات الحب والتسامح بين النفوس البشرية على اختلاف انتماءاتها الدينية والعقائدية .

ترى .. هل نسينا قول النبي صلى الله عليه وسلم: “تبسُّمك في وجه أخيك صدقة” ؟، فهو يدعو إلى التمسك بخصال الابتسام والبشاشة التي تفتح أبواب القلوب وتجلب الخير والأجر والمثوبة للمتعاملين بها، ويجب ألا ننسى ماجاء في الإنجيل على لسان السيد المسيح عليه السلام : “وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ، أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ”(إنجيل متى 5: 44)، فهي كلمات ذات دلالات واضحة لاتخرج عن مفاهيم الحب والبشاشة والابتسام حتى في وجه من يناصبوننا العداء والكراهية، فهذه السلوكيات السامية كفيلة بردع كل كارهٍ وحقود؛ ممن يعتنقون مبادىء التطرف الذي يصل بالشخص إلى مسارب الإرهاب وسفك الدماء باسم الدين .

إن التجهُّم والعبوس في المظهرلايعني الزهد والتقشف واللباس الخشن؛ ولايؤدي بالفرد إلا إلى دخول متاهة دروب الانكفاء على الداخل ـ كما يقول علماء النفس والعلوم الاجتماعية ـ والإطاحة به ـ قسرًا ـ إلى الانعزال بعيدًا عن شركاء الحياة والمجتمع، ويقول الحق سبحانه وتعالى: “وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِين”( القصص77 )، والتمعن في تلك الآيات المباركات؛ تشيرإلى ضرورة الانخراط والتواصل بالإحسان بكل الحب والنقاء الصادق مع من حولك؛ واغتنام النصيب “الحلال” لما قسمه الله لك في رحلة الحياة الدنيا؛ فهذا قمة الشكر والانحناء أمام نِعَمْ الله والاعتراف بفضائله في تذوق جمال وحلاوة الابتسام في وجوه أخوتك في الإنسانية، ودومًا نردد العبارة الشهيرة التي تقول إن : “الابتسامة .. مرآة الروح” !

أعلم ـ كما تعلمون ـ أن السلوكيات البشرية في جوانب معاملات المجتمع كافة؛ تصير بمثابة “العدوى” التي تنتقل إلى سائر أفراد المجتمع إيجابًا وسلبًا، لذا .. فالأحرى بنا وبسلوكياتنا أن ننتهج منهاج الرضا القلبي والروحي والتصالح مع النفس؛ لتنعكس صورتنا في مرآة الجمال؛ فتزداد جمالاً على جمالها .

ليتنا نودِّع مظاهرالتجهُّم والعبوس التي تعمل ـ مع الوقت ـ على “تكلس وانقباض” عضلات الوجه؛ واستبدالهم بالابتسامة التي تُعد لغة عالمية بلا حروفٍ أبجدية؛ تفهمها وتعتز بها شعوب الأرض قاطبة، فهي ـ كما يقول العلماء ـ تعمل على تقليل إفرازهرمون الإجهاد والتعب والتوتر، وتساعد الفكر والعقل على التأني في اختيارالكلمات المناسبة في أصعب الظروف والمواقف .

لانريد ابتسامة متكلفة باهتة؛ تشبه إعلانات أطباء الأسنان عن عياداتهم التي تمنح كل فرد “سِنّة لولي” بدلاً من التي فقدناها ونحن صغارًا في بادىء حياتنا؛ وطوَّحنا بها في “عين الشمس” تطبيقًا للمفاهيم المتوارثة للأسطورة الشعبية القديمة .

تعالوا بنا نرسم الابتسامة الصادق دائمًا على وجوهنا؛ لنفتح أبواب الأمل والانطلاق إلى آفاق المستقبل لأوطاننا وللإنسانية جمعاء؛ لننعم بكل الحب القلبي الذي يتدفق من أنهارالصفاء الروحي؛ ونغزل عباءة جديدة لمفاهيم الدين والعقيدة السمحاء للتواصل الذي لاينقطع أبدًا مع عظمة وجلال الله الخلاَّق العظيم .

اجعلوا للابتسامة يومًا ينضاف إلى أعيادنا القومية الشعبية ..فهي بحق تقينا ذبول الروح
ترى.. هل أطلب المستحيل ؟

شارك هذا المقال:

جميع الحقوق محفوظة لموقع جورنال الحرية

تصميم وتطوير شركة Creative In Design